خُميني نعيم قاسم ...وخُميني تاكسي أصفهان

فوزي ذبيانالجمعة 2026/06/26
d2c9fa51b8357a044d6750022c0a9fbe1654321690.jpg
نصحتني دليلتي في أصفهان الا أقول لسائق التاكسي خذني إلى "ميدان الخميني"
حجم الخط
مشاركة عبر

"حجة الله تعني أن الإمام مرجع الناس في جميع الأمور، والله قد عيّنه... فتكون أفعاله وأقواله حجة على المسلمين يجب إنفاذها ولا يُسمح بالتخلّف عنها" (الخميني – كتاب "الحكومة الإسلامية")

 

في إحدى إطلالاته أو بياناته أو منشوراته أو مسودّاته – الأمر سواء – قال أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم ما حرفيته، "نحن نؤدي تكليفنا وبالتالي لا نخشى الموت"، كترجمة حرفية لما جاء في العبارة المذكورة أعلاه للخميني (قدّس الله سرّه الشريف، كما يقول ناس حزبه في لبنان). وكان هذا الشيخ في مناسبة سابقة على هذه الإطلالة قد استحضر الخميني مرات عديدة، وليس في هذا الأمر على كل حال أي غرابة على الإطلاق. فالخميني الذي مات في العام 1989 يشكّل المادة الخام لعلاقة نعيم قاسم وناس حزبه مع ربّهم الأعلى، وهؤلاء بدورهم، عطفاً على ارتباطهم بالخميني وسائر امتداداته، يشكّلون المادة الخام لحروب نظام الملالي وحرسه الثوري في كل أصقاع العالم. 

 

ليس نعيم قاسم، عبر هذا الاستدعاء للخميني، محل غربة عن أصل ارتضاه حزب الله لبيئته منذ لحظات تأسيسه الأولى. فالخمينية في هذا الصدد هي الماضي الذي لا يمضي أبداً، وكل التخمينات التي قد يقع المرء مغبتها حيال أسباب ارتباط حزب الله وناسه بنظام الملالي في إيران هي مجرد لغو في غير محله، خارج إطار اعتبار الخمينية بشكل عام ذلك النفق (طالما الحكي عن جماعة الأنفاق) الذي يصل المرء عبره إلى الجنّة عبر الاستشهاد أو الموت السعيد... وبالمناسبة إن "الموت السعيد" هو عنوان رواية لألبير كامو تمّ نشرها بعد وفاته، وأنصح كثير النصح بقراءتها. 

 

وبالعودة إلى خمينية نعيم قاسم أقول: 
إن تلك العصمة المتخيلة للإمام القائد، تَبْهُت في حضرتها كل الاعتبارات الأخرى، وبناءً عليه ليست كل أنشطة البشر بالنسبة للشيخ نعيم وناس حزبه و"هيهات منا الذلة"، إلا مناوشات يجب التصدي لها أو تفاديها في رحلة إرساء الخمينية في أرجاء المعمورة، وذلك عطفاً على اعتبار منهج الخميني في الوجود امتداداً لنعمة سماوية أفاضها الله على البشر الذين في غالبيتهم العظمى لا يدركون هذه النعمة. 

نعيم قاسم مهرجان (Getty)

غالباً ما لا أسمع هذا الشيخ، وهو ما لطالما تنطبق على أسلافه من أمناء عامين لحزب الله. ذلك أن مشاغل الحياة تسوق المرء لأن ينأى قدر الإمكان بنفسه عن كل ما قد يعكّر صفو الخاطر، وفي الحالة اللبنانية تحديداً إن ملحمة هذيانات حزب الله هي، من أي جهة قاربها المرء، محض تعكير لكل أسباب الحياة وصفو الخواطر وهناء العيش وقد ارتضى الخمينيون الشهادة ثم الشهادة ومن بعدها الشهادة. إنما الصدفة هي التي قادتني لأن ألحظ استدعاء قاسم لحجته الأعلى، وهو ما أعادني بالذكرى تواً إلى مدينة أصفهان التي زرتها في العام 2019.
 

كان الشارع أمام الفندق يطفح بالمارة، وبحشد السيارات التي تداخل عديد التقاطعات أمام ذلك الفندق. أعيتني الحيلة حيال التقاطع الذي يجب عليّ التوجه إليه بغية الذهاب بالتاكسي إلى أكبر ساحات أصفهان، وهي الساحة المسماة رسمياً "ميدان الخميني". سألتُ امرأة عن كيفية الوصول إلى هناك، إلى ميدان الخميني، وطبعاً كان حديثي معها باللغة الإنكليزية. أشارت عليّ المرأة التي نزعتْ الحجاب عن رأسها، إلا بضع شَعرات، إلى التقاطع الذي تتزاحم عنده التاكسيات لنقل الركاب إلى ميدان الخميني، لتبادرني بعدها ابتسامة جذلة وتقول لي بملامح تتراوح بين اللامبالاة والخفة الا أقول لسائق التاكسي "ميدان الخميني" لتردفني بعدها بإسم الميدان كما كان قبل وصول الخمينيين إلى الحكم في إيران. بادلتها ابتسامتها الجميلة، وسألتها عن السبب وراء نصيحتها، فقالت: we all in Isfahan hate Khomeini (كلنا في أصفهان نكره الخميني) لتطالعني بعدها بكركرة ضحك وهي تجدد إرشادها إلى ذلك التقاطع.
 

بشّ وجه سائق التاكسي بابتسامة عريضة لدى توجهي - أنا الأجنبي – إليه بإسم الميدان الذي كنت قد دونته في ورقة صغيرة، ثم أشار إليّ بملء الترحاب أن أصعد سيارته الصغيرة.
 

في إطار نقده للخمينية التي قد اجتاحت بلاده، ربط المفكر الإيراني داريوش شايغان، بين الإنتماء للخمينية والمازوشية. فبالنسبة إلى شايغان، أن يكون المرء خمينياً، فهذا يعني أن فيه رغبة عارمة بإيذاء نفسه بالدرجة الأولى، مخصصاً النساء بالحيّز الأكبر من هذه المعادلة. وبالعودة مجدداً إلى نعيم قاسم وكل من سبقه في أمانة الحزب الإلهي، فإن هؤلاء مجرد صدى للخمينية وتراثها، والصدى كما نعلم لا ينعم على الإطلاق بصوته الخاص، بحياته الخاصة، ومع هذا ترى السؤال يطرح نفسه بقوة حيال قدرة هذا الصدى على تشكيل وعي جماعي تراه لا يجرّ ناسه إلا إلى التأقلم مع الانتحار كلما واتته الفرصة. 

 

فإذا كانت تلك المرأة الأصفهانية قد لفظت الخمينية، شأنها في ذلك شأن سائقي التاكسي في تلك المدينة الرائعة، رغبةً منها بالعيش، فإن السؤال المحيّر هو، لماذا ناس بيئة الشيخ نعيم ومن قبله نصرالله، خمدتْ فيهم كل الهمم إلا همّة أن يكونوا خمينيين؟!! لماذا تواروا إلا عن أن كونهم وقود حروب إيران في لبنان والعالم؟!! فإذا كان نعيم قاسم كشخص، أداة "خبصة" خمينية في الصحن اللبناني بما يتناسب مع مذاق الحرس الثوري في إيران، فكيف لبيئة طويلة عريضة أن تكون رهن هذه "الخبصة" أيضاً ثم تجرّ نفسها تالياً إلى حروب لا نهاية لها؟!!
 

لا أملك الإجابة. إنما، ومن باب الاستطراد الذي لا بد منه، وعطفاً على انكبابي على قراءات في النقد الأدبي وما شاكل من مواضيع منذ بدايات حرب الأخذ بثأر خليفة الخميني، تراني أكرر ما قاله الفيلسوف الأميركي ريتشارد رورتي عن النصوص، إنما بتعديل جذري. يرى رورتي أن، في أعماق النصوص كلها، نصاً غير مدوّن تحاول النصوص كلها أن تفيه حقه. وأنا بدوري، وبناءً على حرص الجماهير الشيعية من بيئة حزب الله على الاندراج ضمن مدرسة "المرجع الديني الأعلى الإمام المجاهد السيد روح الله الخميني" (كما هو مدوّن في غلاف كتابه "الحكومة الإسلامية")، أرى أن في أعماق حروب شيعة الخميني في لبنان - ومن ضمنها أو ربما على رأسها يوم حسن نصرالله المجيد في السابع من أيار2008- حرباً غير معلنة تحاول كل حروب حزب الله أن  تفيها حقها... ولكل قارئ لهذه المادة أن يخمّن أين تقع تلك الحرب وسراديبها المعتمة.            
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث