ربما أكون متشائماً زيادة عن اللزوم في هذا المقال، وربما هي صورة الواقع الدائم. ففي هذه البقعة الجغرافية، الواقعة على ساحل البحر المتوسط، الممتدّة من منطقة غزة المنكوبة في جنوب فلسطين إلى النهر الكبير في شمال لبنان، كأن دول العالم الكبرى وبعض الدول الإقليمية متفقة على جعلها ساحة للاضطراب والنزاعات والأفكار والأحلام والتجارب والعنصريات والحروب والهذيانات.
سيضحك المرء مثلاً، إذا ما تأمل تاريخ التدخلات الخارجية، العربية والدولية، وعدد المندوبين أو الموفدين والسفراء الخاصين بلبنان، الى درجة أن الفنان مارسيل خليفة غنى ذات مرة: "الأميركاني والطلياني والألماني والياباني والإسباني… البريطاني واليوناني والفولاني. بلا زغرة حتى التايواني طاحش عالسوق اللبناني… يا ويل يا ويل يا ويل حالي".
هذه المنطقة تعيش على فوهة بركان تتجدد حممه منذ اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور 1917 الداعي الى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، استجابة لضغوط المنظمة الصهيونية العالمية، وصولاً إلى إعلان المندوب السامي الفرنسي هنري غورو قيام دولة لبنان الكبير في 2 أيلول 1920.. منذ تلك الأيام، بل قبلها، تعيش هذه المنطقة صراع الخرائط والإيديولوجيات والتوجهات والحرائق والأوهام. وإذا أمطرت في موسكو أو برازيليا أو مضيق هرمز، لا بد نحمل المظلّة في بيروت، وإذا ولد يهودي في ولاية ألاسكا الأميركية لا بد أن تكون وجهته تل أبيب.
في هذه المنطقة، عند البوابة المتوسطة الشرقية، يصعب إخماد الحرائق المستعرة، ويصعب لجم جنون الجماعات المتناقضة، سواء طوائف لبنان، أو هويات اليهود الغرباء في فلسطين. الأرجح أن الحرائق وجدت من أجل أن تصنع البلدان أدوارها السياسية والحربية، من عبد الناصر إلى الخميني، من شارون إلى نتنياهو، ومن ريغان إلى ترامب، ومن الأخضر الابراهيمي إلى توم براك.
كتب سليمان بختي يوماً: "تأخذني المقارنة بين وطنَين مستحيلَين في المنطقة: فلسطين ولبنان. الفلسطينيون يملكون روح الوطن ولا يملكون جسده. أما نحن في لبنان فربما نملك الجسد لكننا لا نملك الروح". فرغم أهمية القضية الفلسطينية في العالم الآن، ورغم اعتراف العديد من البلدان بدولة فلسطين، يبقى شيء محير في الواقع، كأن ما يقولونه شيء افتراضي رمزي، في ظل الهيمنة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية ومشاريع الاستيطان اليومية وحروب الإبادة.
رغم أن الكتب لا تتوقف عن تعريف لبنان ومدحه، من "لبنان الشاعر" أو "لبنانات الحلم" بحسب قول الشاعر الفرنسي آرثور رامبو، مروراً بـ"سويسرا الشرق" و"البلد الأعجوبة"، و"بوابة الشرق"، وصولاً إلى "أرض ميعاد" الأقليات الروحية القلقة، و"لبنان الرسالة" بحسب البابا يوحنا بولس الثاني في الإرشاد الرسولي... لكن لبنان في الواقع مجرد "مستودع للأزمات" (بحسب نصري الصايغ)، لا يعيش أزمة بسبب سلاح غير شرعي فحسب، بل إن تناقضاته الطائفية، وخوف الطوائف بعضها من بعض، ومن محيطها، يسهل على الأغيار صناعة أدوارهم وأتباعهم وتدخلاتهم، وبالتالي يحتاج البلد معجزات وضروباً سحرية لإنجاز محطاته الدستورية العابرة. فانتخاب رئيس جمهوريته تلزمه مبادرات كونية، وكذا رئيس الحكومة، والانتخابات النيابية. كأن هذا البلد الصغير مركز الكرة الأرضية ومختبرها، وهو في الواقع مجرد بلد مأزوم وصعب، يعجز عن حل مشاكل الكهرباء ومشاكل السجون ومعضلات الفساد المزمنة.
في المقابل، ارتضى يهود إسرائيل، وهم غرباء ومن هويات وأعراق مختلفة، أن يكونوا "شرطة" الشرق الأوسط بالمعنى السلبي. أتوا بزعم انشاء "وطن آمن" بعد الهولوكوست النازي، فحولوا فلسطين ولاية أميركية متقدّمة لصناعة الحروب الدائمة والإبادة وتجريب الأسلحة وزعزعة استقرار المنطقة. إنشاء لبنان الكبير، وقيام الكيان الإسرائيلي أتيا ضمن الموجة الاستعمارية الواحدة. من يقرأ تاريخ قيام دولة إسرائيل، يجد أنها خلقت أزمات لبنان الكبرى، سواء من خلال طردها الفلسطينيين إلى الأراضي اللبنانية، أو من خلال أطماعها وسياستها التدميرية. في مرحلة ما، توهم فريق لبناني أنه يسيطر على الحكم من خلال التقارب مع إسرائيل، والنتيجة كانت جر لبنان إلى الويلات. وفي مراحل أخرى، توهم فريق آخر أنه من خلال جعل لبنان جبهة مفتوحة ضد إسرائيل، يمكنه السيطرة على البلد الصغير وعلى مناطق نفوذ أخرى. في المحصلة، وفي أشكال السياسة والصراع كافة، كنا "فصلاً في الجحيم". إسرائيل كانت تشعل الحرائق، وبعض اللبنانيين يشاركها هذا المسار الجحيمي، مع أنهم كانوا يدركون إلى أين سيصلون، وسبق أن حذرهم الأسلاف..
في زمانه، انكب منظر الدستور اللبناني، ميشال شيحا، على استقراء الحقائق التي ينطوي عليها المشروع الصهيوني في استهدافه فلسطين. أكد شيحا أن قرار تقسيم فلسطين في 5 كانون الأول 1947 لخلق الدولة اليهودية، كان من أعظم الأخطاء التي اجترحتها السياسة المعاصرة عن قصد ودراية. لقد أثبتت وقائع العقود الماضية صحة ما ذهب إليه شيحا عندما أكد أن المشروع الصهيوني لن يعجز فقط عن حل المسألة اليهودية، بل سيتسبب، في الوقت عينه، بمشكلة أخرى عالمية الأبعاد، هي القضية الفلسطينية.
أما أميركا التي دخلت الشرق الأوسط بعد طرد نفوذ بريطانيا وفرنسا في الخمسينيات، فلا تقوم سياستها على المبادئ بل على المصالح المباشرة. فهي لم تكن بعيدة من صعود جمال عبد الناصر، وفي الوقت نفسه كانت الراعية لهزيمته العام 1967، ولم تكن بعيدة من صعود صدام حسين، وكانت المشجعة على خوضه الحرب العراقية الإيرانية بهدف بيع السلاح، وأميركا نفسها أوكلت لحافظ الأسد وصاية حديدية على سوريا ولبنان، لم تكن بعيدة من سيطرة الخميني على إيران في مواجهة الشيوعية، وربما أيضاً من أجل خلق نزاع سني شيعي، وعربي فارسي.
أميركا التي تعامل إسرائيل كطفل مدلل، وتزوّدها بأطنان القذائف وشتى أنواع الطائرات والصواريخ والمعلومات الاستخباراتية، وتتغاضى عن احتلالها أجزاء من سوريا وتغطي ممارساتها وإجرامها في فلسطين المحتلة، يصعب فهم ما تريده من لبنان، بين تسليمه لإيران أو تقاسمه بين إيران وإسرائيل، أو وضعه تحت وصاية أحمد الشرع أو ضمه لسوريا أو وضعه تحت الوصاية الأميركية ومشاريع السلام الإبراهيمي. لا يستطيع المرء التنبؤ بأي مستقبل لهذا البلد الصغير في زمن جعدنة دونالد ترامب وخطابه الهذري، ورعونة زعماء الجماعات اللبنانية الذين طالما ارتضوا أن يكونوا وقوداً لحروب طويلة، سواء الأهلية، أو الحروب العربية الإسرائيلية. لبنان سيبقى ساحة نزاع، في أفضل الأحوال.




