"اللبناني" رفاييل زاده "للمدن": التصوير ملامسة..لا مجرد تصفح

فاطمة بزيالخميس 2026/06/25
رفاييل يعقوب زاده
يبحث رفاييل عن استمرارية تاريخية للصراع الذي صوره والده ألفريد يعقوب زاده في لبنان
حجم الخط
مشاركة عبر

لا يصور رفاييل يعقوب زاده الحرب في لبنان، أو غيرها من دول النزاعات، كخبر مسلَّم به في صحيفة عالمية. يحدّق المصور الحربي بما يراه من خلال عدسته ويؤطّره بكاميرته باستخدامه فيلم الفضة. يخلّد الحزن والفقد في صورة تحفر في القلب مشاعر تفوق تعبير الكلمات.

 

عاد المصور الذي يأتي من جذور إيرانية ومصرية ولبنانية إلى بيروت، موثقًا أحداثها المأسوية من الأزمة الاقتصادية وانفجار المرفأ إلى حروبها الحالية. يبحث زاده عن استمرارية تاريخية للصراع الذي صوّره والده ألفريد يعقوب زاده في لبنان أثناء الحرب الأهلية اللبنانية.

 

قدّم له ألفريد كاميرته الأولى في سن الحادية عشرة، ونشر أول صورة له في الثالثة عشرة من عمره. يعمل في صحيفة Le Monde الفرنسية، حيث تخصص في تغطية الحروب والصراعات في الشرق الأوسط (لبنان، فلسطين، مصر) وأوروبا الشرقية (كوسوفو، أوكرانيا، بوسنيا، أرمينيا، جورجيا، لاتيفيا). يسائل مواضيع الذاكرة، المنفى، الهوية، التراث في تلك المناطق.

 

فاز مؤخرًا بالمركز الثاني في مسابقة Visa d'Or Online عن صوره في لبنان أثناء الحرب الحالية. تعرض لإصابة قاسية أثناء تغطيته للصراعات في منطقة كاراباخ – أذربيجان العام 2020. خاض ستة شهور من العلاج كي يتمكن بعدها من العودة إلى ممارسة عمله. لم يبق في باريس لتصوير الأزياء أو الأحداث اليومية. عاد إلى لبنان وأوكرانيا ليكمل ما بدأه. وأجرت معه "المدن" هذه المقابلة أثناء تغطيته الحرب على لبنان في ضاحية بيروت الجنوبية وجنوب لبنان. 

رفاييل يعقوب زاده

- كيف ترى لبنان عندما تصور الجنوب والنبطية والضاحية؟

 

أرى من منظور "الحلو والمر". كنا قد ذهبنا إلى كفرشوبا وهي منطقة لا أعرفها. غنية بالفاكهة والضوء الجميل، الأشجار، الاخضرار، والطبيعة، والناس. هنالك شعور جدًا جميل. تستطيع أن تشم الجمال هناك وتسمعه، يمكنه أن يكون حساسًا وحسّيًا. قابلنا عائلة اختُطف أولادهم من قبل الإسرائيليين لأنهم مزارعون يعملون على الخط الحدودي. هنالك دائمًا الشعور أنك ما بين بين. أحاول أن أبلغ هذا التوازن لأُري المتلقي القليل من الجمال والقليل من المرارة والحلو في لبنان. لكن عندما يكافح المرء لمدة خمسين أو سبعين عامًا أو أكثر، يصبح الأمر جزءًا من المجتمع. وبعد ذلك، يعتمد كل شيء على الناس، لكني أحاول دائمًا أن أضع نفسي مكانهم وأنظر إلى الأجيال المقبلة. لذا، ومن هذا المنطلق، فإن هذا الجيل الجديد، سيظل دائمًا متمسكًا بالأمل وهذا الوهم.

سيكون هناك دائمًا المرّ، ثم الحلو في مكان آخر، وعليك أن تجد التوازن بينهما. وبعد المعاناة، دائمًا ما تحاول النظر من خلال الأمل وفعل أفضل ما يمكنك كل يوم. وتوثيق ذلك هو الأمر المثير للاهتمام في حد ذاته، كي يتمكن الناس الذين يعيشون هنا، والمغتربون، والذين يعيشون هذه المعاناة لكن بطريقة مختلفة، أن يروها، ويدركوا أننا كلنا سواسية. بالنسبة اليّ، التصوير الفوتوغرافي أشبه بفتح نافذة والنظر عبرها. عادةً ما يمكنك إغلاق عقلك أو تلك النافذة وتجاهل ما تراه. لكن في النهاية، يتيح لك التصوير فتح نافذة وخلق مرآة تعكس جوهر الإنسان.

رفاييل يعقوب زاده

- كيف اختبرتَ تصوير الجنائز والناس الحزانى يدفنون من يحبون في لبنان بسبب الحرب؟

 

أن ترى الناس يفقدون أحباءهم هو أمر صعب حقًا، بالغ الصعوبة. هناك مصورون متخصصون في حفلات الزفاف. ثم هناك مصورون متخصصون في الجنازات، لكن عددهم قليل. الأمر معقد فعلًا. ولا يرغب الأقارب ولا أحد بمصوّر للجنازة. في كل شيء، الأمر يتعلق بالاحترام والأخلاق. وهو أيضاً "وثيقة" تقول، وربما يستطيع كل من في الداخل أن يقول في نهايتها: "حسناً، لن ننسى ذلك". وهذا جزء من الحزن الجماعي.

عندما أكون في ميدان العمل، أركز تماماً على ما أريده. لا ألتقط الكثير من الصور. ولا أبقى في المكان نفسه كثيراً.

أتحرك وأركز وأحاول أن أكون دقيقًا. لذا، عندما أعرف أني حصلت على ما أريد بهدوء شديد، أؤدي واجبي تجاه الأقارب وأغادر. والأمر المثير للاهتمام أيضاً بشأن الجنازات هنا هو أني، خلال السنوات الست الماضية، وثّقتُ الكثير من كل الأحداث المؤلمة المختلفة، وعندما ساءت الأمور، كنتُ حاضراً.

رفاييل يعقوب زاده

وبمجرد عودتي في نيسان/ أبريل (إلى لبنان)، وجدت نفسي أحاول سرد قصة عن تلك السنوات. وعندما راجعت الصور والأرشيف، اكتشفت سرديات جديدة لما رأيته. وبدأت بالعمل على المسلسلات المصورة. وهذا فصلٌ من مشروعٍ طويل الأمد. كان أحد الفصول بعنوان "دموع العذاب"، واكتشفتُ أني شاركتُ في العديد من الجنازات، بدءًا من جنازة شهيد الثورة (تشرين الأول 2019) علاء أبو فخر. حضرتُ جنازات هؤلاء الأشخاص العام 2020. ثم عملت على قصة "الانتحار الاقتصادي" العام 2021، عن الأشخاص الذين أقدموا على الانتحار جراء معاناتهم في الأزمة المالية. نفّذتُ هذه السلسلة وما زالت الأحداث تجرّ بعضها بعضاً. لذا يمكنني الاستمرار في العمل عليها.

لكني جمعتُ تقريبًا 15 ضحية من مختلف الأحداث التي وقعت خلال تلك السنوات. جميعهم مدنيون في نهاية المطاف. ماتوا جميعًا بلا سبب، إذا صح التعبير. فربما تجتاز الشارع ويقتلك أحدهم.

لكن في النهاية، الأمر كذلك. أعني، كانوا في مكان ما وحدث لهم ما لم يتوقعوه. لم يكن هناك مقاتلون. لذا فهم، نوعًا ما، "ضحايا جانبيون"، وهو نوع من "الضرر الجانبي الجماعي".

رفاييل يعقوب زاده

- فُزتَ بالمركز الثاني في مسابقة «Visador» لسلسة صور الحرب على لبنان تحت عنوان «Lebanon Perpetual Wars». في بلد مأزوم، غارقة في دوامة من الصراعات، كيف تلتقط سردية صُورية حية لمأساة يتعامل معها الإعلام العالمي كأخبار مكررة أو قديمة؟

 

إنه تحدٍّ. عندما يكون هناك الكثير من المصورين، أحب الذهاب إلى مكان خالٍ لأرى الأمور من زاوية مختلفة. وأحاول ألا أقدم صورة سهلة وألا أرسمها. هذه الصورة الجميع يمتلكها. الجميع يريدها. والجميع سيسعى جاهدًا للحصول عليها. لكن بطريقتي، سأحاول أكثر. بالصدفة، ربما أحصل على شيء من دون أن يُستفزّ أحد. لن أسعى إليها، لكنها ستتحقق. وإن لم أحصل عليها، فلا بأس. وإن حصلت عليها، فهذا جيد. الأمر دائمًا يتعلق بهذا التوازن بين القصص. وبما أني أعمل مع صحيفة "لوموند"، فلدينا قصة يومية نغطيها. لا أستطيع الذهاب إلى كل مكان كما أرغب كمصور صحافي مستقل. لذا، عليّ التركيز على هذه القصة. لكن هناك أيضًا هدفاً يتمثل في نشر قصة للعدد التالي. التركيز يمنحني على الأقل شيئًا أحتاج إلى البحث فيه بعمق.

ونحن نحاول معرفة ما فات في التغطية. لذا، هناك قصة مثيرة للاهتمام. وبعد ذلك، يكون الأمر محض صدفة.

مثلًا، هناك صورة للقصف، وكنت على بُعد بعض الأمتار منه. كنا وحدنا هناك، مع طاقم قناة تلفزيونية. كان هذا محض صدفة، فقد كنا نصور تقريرًا في الضاحية الجنوبية لبيروت، أمضينا وقتًا هناك، فدعونا في النهاية لزيارة ذلك المكان. كانت تلك هي البداية. ثم فجأة جاءت البداية الثانية.

رفاييل يعقوب زاده

أعني، هناك تضخيم للأمور. ترى أنك لست بعيدًا عاطفيًا. لكني متأكد من أني أفتقر إلى القدرة على التراجع قليلًا، إلى التفكير خارج الصندوق. لذا أحيانًا يكون الأمر مجرد تحقيق لهذا التوازن. وبما أنها صناعة، عليك الاستجابة لذلك، وتحدي التيار السائد. وبعد ذلك، هناك أشياء يمكنك فعلها بنفسك، بحساسيتك الخاصة. أن تضع نفسك وتحاول مواجهة نفسك، في ذلك، والتعبير عنه في فيلم وثائقي صحافي، ليس بطريقة فنية، للحفاظ على هذا التوازن في ما يحدث. ومع مرور الوقت، يزداد تعاطفك. فتلاحظ أنك أكثر حساسية. صحيح أن الأمر يختلف من شخص لآخر، لكن مع مرور الوقت، يصبح التعامل مع كل ذلك أكثر تعقيدًا. وفي النهاية، تصبح أكثر دقة، وتستطيع فهم الآخرين بشكل أفضل. لأنك بعد عودتك إلى ديارك، ستعيش حياتك، حياة غربية عادية، هادئة.

رفاييل يعقوب زاده

ربما يتعلق الأمر أكثر بالحصول على نوع من الكرامة، تلك الكرامة الموجودة في مكان ما، ولن يقول الناس ذلك.

قبل 40 عامًا، كان من الممكن أن أقول: لا أعرف ماذا يحدث هنا، لا أستطيع القراءة، أو لا أملك معلومات، لكن الآن الجميع يملكها، وهذا أيضًا تحدٍّ.

وبالنسبة إلي الآن، عندما أعود، أجدني أطبع الصور كلها، ومن أجل ذلك، أحاول أن أنأى بنفسي عنها، وإعادة توظيف نفسي. أحاول إعادة توظيف هذا العنف بطريقة فنية، بأسلوب ما. كانت تلك هي المصادر الأساسية للمعلومات، هذه الصورة، لصحيفة، صورة خام، لكن من خلالها، هناك طريقة أخرى لسرد قصة. كأنها ممارسة علاجية. بعد كل ذلك، أغيّر قليلاً طريقة النظر، طريقة التفكير في صورة، في العنف، لأضعها في منظور آخر. لذلك عندما أسافر، أجمع الكثير من الوثائق، والكثير من الأشياء التي عثرت عليها، ومن خلالها أحاول إيجاد سرد جديد، ووجهة نظر بصرية جديدة. وهذا ما أحب العمل عليه اليوم، لذا أقوم بجمع الصور، ومنتجتها، لكن كل شيء من الواقع. أعيد تركيب الواقع، هو ليس ذكاءً اصطناعياً، ليس مزيفاً. إنه الواقع المجرد، أجزاء، شظايا منه. وعندما أجمعها، أحصل على صورة كاملة. إنها محاولة ليس لسرد قصة كاملة، بل ما يمكن أن ترويه القصة في صورة واحدة، صور عديدة في كل منها جزئية.

رفاييل يعقوب زاده

لا أجوب العالم بحثًا عن تلك الحروب. عندما انتقلتُ إلى أوكرانيا، بدأت الثورة، ثم جاءت الحرب. هكذا، مرّت 12 عامًا وأنا أعمل على ذلك. أصبحتُ نوعًا ما متخصصًا. ثم أتيت إلى لبنان ومكثتُ ست سنوات. الأمر أشبه بمشروع طويل الأمد، أحاول الاستمرار فيه. والأمور تزداد سوءًا كل مرة، لكن هذا ليس خطأهم، وليس خطأي. هكذا هي الأمور، أحاول على الأقل أن أكون مخلصًا، بمعنى ألا أدير ظهري لتلك الدول، وأقول: لقد أنجزتُ ما عليّ. أحاول أيضًا الحفاظ على هذه العلاقة لإيجاد هذا التوازن مرة أخرى.

لطالما صوّرتُ حروب لبنان على مدى العقود الماضية، بألوانها، وبالأبيض والأسود، وأصبح الأمر للأسف مجالاً للتصوير. كل جيل من المصوّرين يأتي إلى لبنان، يصوّره ويوثّقه. وتبقى كيفية إظهار جوانب مختلفة، تحدياً كبيراً.

ولهذا السبب، لا أحب البقاء في البلد. لا أريد الاستقرار فيه حتى لو عملتُ فيه عشر سنوات. أحبّ التنقل بين البلدان، فهذا يُنعش ذهني وروحي، ويُريح عيني. أما العيش في بلدٍ ما والاستقرار فيه، فيجعلك تعتاد الروتين، وتسترخي نوعاً ما. قد تكون دقيقاً جداً، لكن في النهاية، يصبح الأمر عادة. التنقل بين البلدان يتيح رؤية الأمور من منظور مختلف. البعض يصل إلى لبنان، وفي يومه الأول يقول: يا إلهي، رائع!.. لكن بعد ذلك، ربما يصبح الأمر صعبًا، تشعر بالضياع، وأحياناً تواجه مشاكل. فالعمل ليس سهلاً. عليك التعرف على الثقافة، وكيفية التصرف، وكيفية تجنب ردود الأفعال المبالغ فيها. هناك طريقة معينة للتواصل، وللشعور، وللرد. ومع مرور الوقت، تصبح أكثر دقة، وتستطيع أن تتوقع ما سيحدث.

رفاييل زاده

هنا، ربما يكون مثيراً للاهتمام التركيز على هذه المدينة، وعلى هذه القضية تحديدًا، لأنك على دراية بتاريخها. التصوير الصحافي اليوم، يركز على التوثيق. يمكنك الذهاب والتقاط الصور، لكن ما الذي تريده من ذلك؟ لماذا أنت؟ لماذا هذا البلد تحديدًا؟ هل لمجرد تحقيق الشهرة؟ لستَ بحاجة إلى ذلك، فالصور تُلتقط بالهاتف على مدار الساعة، والمعلومات تنتشر بسرعة. إذن، ماذا ستفعل بها؟ لمجرد مجدك الشخصي، هذا غير مُجدٍ. أعني، أنت بحاجة إلى التركيز على قصة، منطقة، شيء ما، وهذا ما يُسمى التوثيق. وهذا ما يُصبح في النهاية فيلمًا وثائقياً. تبحث، تتعمق، لأن أي شخص اليوم يمكن أن يكون مصورًا صحافيًا، فما قيمتك المضافة؟ كيف نروي قصة؟ هذا هو التحدي. الصورة الجيدة قادرة على سرد الكثير، لكن كيف نُركّبها؟ هذه هي المهمة. عليك امتلاك هذه المعرفة، وعندها يصبح التقاط صورة أمرًا سهلاً.

إنها ذاكرتك، والناس ينسون ويفقدون الذاكرة. لذا علينا الحفاظ على هذه الذاكرة حية. وفي النهاية، هي الذاكرة الجماعية. ومن الناحية التربوية، عليك أن تقول باستمرار: هذا مهم، ويمكننا فعل ذلك، لأننا إن لم نفعل، فلن يعرف أحد ما حدث.

رفاييل زاده

- ولهذا السبب تميل إلى وضع صورك في كتاب؟

 

ما زلت أصور بالفيلم (فيلم الفضة). ما زلت أشتري كاميرات تناظرية وأواصل العمل بها. حتى أني غطيتُ هذه الحرب في لبنان بكاميرات تناظرية. هذه هي الفكرة، لأن ما سيأتي بعد ذلك هو الإرث. ربما تُعرض هذه الصورة في المتحف وتبقى هناك.

رفاييل يعقوب زاده

أما الصور الرقمية، فالجميع يلتقطها بالهواتف. لا قيمة لها على الإطلاق. كل شيء مُعرّض للضياع. قد يحدث ذلك فجأةً. أؤمن بفيلم الفضة لأن التصوير، كما يُقال، هو لمس الأشياء، لا مجرد تصفحها. هذا جزء من إرثي. أريد أن تُعرض هذه الصور في متحف أو تُحفظ في مكان ما. هذا هو هدفي. هذه الأشياء حقيقية، مثل هذه الزهرة التي أتيتُ بها من الجنوب وأرفقتُها بالصورة المطبوعة، ثم مسحتُها عبر السكانر لتكون جزءًا من الصورة، ثم طبعتُها. لم أضع الزهرة في الصورة لمجرد أنها جميلة، بل لأنها تحمل رسالة أيضاً.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث