فوزي أيوب: حكاية أبي الذي لم أشيّعه

المدن - ثقافةالثلاثاء 2026/06/23
جورج حاوي خلال تشييع علي أيوب
والد الكاتب وإلى يساره جورج حاوي، وشقيق الكاتب حبيب إلى اليمين، أثناء تشييع الشهيد علي أيوب
حجم الخط
مشاركة عبر

حتى وقت قريب، لم أكن أكترث بعيد الأب لأنه لم يدخل ثقافتنا اليومية الريفية من الأساس. لكن العيد تسلل إلى أسرتي مع عيد الأم، وبات الأولاد يدخلونني في هذه المناسبات، فقلت لنفسي: لمَ لا أقول شيئاً في أبي (1892 -1995) الذي رحل وحيدا قبل ثلاثين سنة، ولم يتمكن أولاده من المشاركة في تشييعه لأنهم كانوا وطنيين يساريين ممنوعين من دخول عيناثا؟! فما زال الشعور بالذنب يلاحقني إلى اليوم لأنني لم أكن بجانب والدي في ٱخر أيامه.

 

في البدء كان جدي لأبي (علي أيوب) قد تزوج من جدتي لأبي (مفضلة منصور) وأنجبا حسن وحسين وعبد الحسين، إضافة إلى فضة أيوب عمتي الحبيبة. 

 

توفي عمي حسن أيوب (والد الشهيد علي أيوب) في ناحية المرج شمالي عيناثا سنة 1920 حيث كان قد فر بما لدى جدي ععلي أيوب من أبقار حتى لا يصادرها جيش الجنرال هنري غورو قائد الحملة الفرنسية التأديبية في جبل عامل أيام الانتداب. وبعد وقت قصير لحق به عمي حسين أيوب الذي كان يعمل مع الثوار ضد القوات الفرنسية، فلاحقته طائرة حربية من تبنين إلى قرية محيبيب، حيث لقي حتفه بسكتة قلبية ناجمة عن مضاعفات المطاردة الفرنسية العنيفة، وفق ما رواه لنا المرحوم أبي.

 

إرادة الحياة

 لم تكن حياة والدي سهلة ابداً، لكنه حاز إرادة تهد الجبال، وعزيمة تفل الحديد، وذكاء فطرياً عملياً جعله يتقن فن العمارة منذ كان شاباً، فبنى عشرات البيوت في عيناثا ومارون وبلدة "قدس" في فلسطين. وأذكر يوماً رافقته فيه مع اخوتي للمساعدة في بناء بيت في مارون وكان الطقس بارداً جداً، وبقي في ذهني منه نباح كلاب شرسة حاولت التحرش بنا لأننا كنا غرباء عن القرية.

 

الفلاح المر

 كان أبي فلاحاً عاملياً كاملاً، لم يرث من أهله سوى القليل. لكن حبه للأرض كان بلا حدود، فاجتهد واشتغل بقوة وعزيمة وادَّخر المال فتمكن من شراء ثمانية قطع أرض جديدة سرعان ما حوّلها إلى ممالك زراعية زاخرة بالخيرات بعدما أزال الصخور والحجارة وحرث الأرض ونقبها وسهمدها فتحولت بين يديه إلى جنات على مدى النظر، كان أهمها كرم "الغارة" المشهور بالدوالي والعنب والتين والزيتون، وكان ينتج من العنب كميات كبيرة يذهب بها أبي إلى سوق الخميس في بنت جبيل، والى مدينة صور وسوقها. وفوق ذلك كان أبي مزارع تبغ لا يلين، وكنا نزرع معه مشاتل التبغ، ثم ننقل الشتلات الصغيرة ونزرعها ونسقيها بالماء المجلوب من ينابيع بعيدة على الدواب، ثم نقطف أوراق التبغ ونشكها بالميبر ونعرضها للشمس ثم نكدّٕسها ونغلفها في أكياس الكتان. وبعد ذلك ينقلها والدي إلى مركز تسليم محصول التبغ في بنت جبيل في ٱخر الصيف.

والد فوزي ايوب
والد الكاتب

ولأبي مع مركز التسليم حكاية مذهلة رواها لي أخي المهندس حسن منصور نقلاً عن المرحوم والده، ومفادها أن والدي، الذي لم تكن عنده واسطة زعيم أو حزب، توجه يوم التسليم إلى الخبير المخمن الذي يقرر ثمن كيلو التبغ عند كل مزارع، ومد يده إلى الخبير أمام الجميع قائلاً: إذا كنت تستطيع أن تُدخل الميبر في يدي هذه فإنني أقبل أن لا آخذ سعراً لحصتي. فما كان من الخبير الا أن أعطى أبي أعلى سعر للكيلو الواحد متأثرا بكلماته الجريئة.

 

لقد غرس أبي فينا حبّ الأرض حتى صرنا أبناءها الأوفياء، وعلمنا فنون زرعها والعناية بشجرها ومزروعاتها وجني ثمارها. وهكذا فإنني لما تقاعدت من التدريس الجامعي في سنة 2014 سرت على طريق أبي في الأرض التي أورثني وأضفت إليها أرضاً جديدة اشتريتها في منطقة المرج (السليخة) وأنشات فيها بستاناً يسرّ الناظرين ويعطي خيراته لنا وللمحتاجين، وبنيت فيها بيتاً متواضعاً جميلاً تحتضنه أشجار الصنوبر...

 

وكان ذلك بفضل بعض ما أورثني أبي من مهارات زراعية، بينما أورث أخي الشهيد كامل أبو أيمن كل ما عنده من مهارات البناء والزراعة فطبّقها أخي في أرضه الواسعة في "كرحبون" حيث أقام مملكة زراعية كاملة قبل أن يرحل تاركاً في القلب غصّة لا تزول.

 

 فرج الله الحلو في بيتنا

 كان والدي (أبو نجيب) رجلاً عطوفاً على أسرته وأولاده وأقاربه، محباً لهم بصدق، كما كان محباً للناس ولأهالي عيناثا الفلاحين الكادحين الذين كافحوا وعملوا واجتهدوا من أجل حياة كريمة فكانوا كالأخوة معاً في مواجهة متاعب الحياة وظلم الإقطاع المتحالف مع حكم فاسد في بيروت. وربما لذلك مال أبي إلى الأفكار الاشتراكية التي تدافع عن العدالة الاجتماعية وحقوق العمال والفلاحين والفئات الشعبية، وكان من ضمن مجموعة في الحزب الشيوعي اللبناني في عيناثا ضمت رجالاً كثراً ومنهم الحاج سليمان بدير والحاج محمد علي خنافر والسيد مصطفى فضل الله (ابو غسان) والمرحوم عبد الله سمحات وغيرهم من الرجال الوطنيين المناضلين. وتقديراً لجهودهم قام فرج الله الحلو (1906-1959) أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني (قبل مجيء نقولا الشاوي) بزيارة إلى عيناثا في أربعينات القرن الماضي، وعقد اجتماعا سرياً للشيوعيين في دارنا وسط البلدة، تاركاً أثراً كبيراً في نفوس رفاقه.

 

في هذا الجو النضالي ترعرع ابن عمي الشهيد علي أيوب وواصل المسيرة وقام بتطويرها بكل عزيمة ووعي، وسرنا نحن في بيتنا معه وعلى طريقه، وما نزال. فقد كان أبو حسن دائماً فرداً من العائلة، وكان أبي يعتمد عليه في الأوقات الصعبة، وكان أخاً أكبر لنا قبل أن نصبح رفاقاً له.

 

أبي وفلسطين

قد يكون أبي وبيتنا من أكثر من دفعوا أثماناً من أجل فلسطين وقضيتها، بدءاً من النكبة الفلسطينية في سنة 1948 وما رافقها من نزوح فلسطيني للاجئين من قرى الجليل إلى جنوب لبنان والى عيناثا حيث استقبل بيتنا عائلات فلسطينية لاجئة ولشهور عديدة قبل أن يتوجهوا صوب مدينة صور. وفي تلك المرحلة نزح والدي إلى بلدة محرونة قرب جويا بسبب العمليات الحربية على الحدود ونزل عند أقارب لنا هناك من آل غانم (ايوب غانم) . وفي سبعينات القرن الماضي تعرضت دار أبي للهدم مراراً، ثم تكرر المشهد في حرب تموز 2006 عندما فقدنا أخي جميل الذي استشهد بين عيناثا وكونين، وابنة اختي نجمة وأولادها الأربعة في مبرة معروب. وتوالت الخسارات والتضحيات بعد ذلك، فطاولت أختي الشهيدة سميرة أيوب وحفيداتها الثلاث، وأخي الشهيد كامل وابن أخي مازن وابن اختي مهدي حتى بلغ عدد الخسارات أربعة عشر فرداً من بيتنا، من دون أن نذكر خسارة البيوت والمحاصيل. وما زال ملف التضحيات التي قدمناها من أجل فلسطين، أو بسببها، مفتوحاً 

 

تحية إلى روحك العاملية المكافحة يا أبي. وعندما نرجع يوماً إلى عيناثا، سأزور قبرك وأضع عليه باقة ورد مليئة بالشوق والحب والحنين.

 

(*) عن فايسبوك

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث