يعود الشاعر والروائي علاء خالد في أحدث أعماله "مدار الحمل" ليتأمل طفولته وشبابه. يكتب عن الطفولة لا بوصفها ماضياً مغلقاً، بل كجرح ذاكرة مفتوح على حد تعبير ناشره. الجروح كانت أيضاً مدخل الحوار معه في الأمسية التي نظمتها "المرايا" لمناقشة العمل، إذ استهلت الكاتبة والباحثة د.دينا حشمت حديثها بفكرة الاستئصال، باعتبار أن "مدار الحمل" رواية تنشغل بكتابة الذات بقدر من الصدق والشفافية، وأن تجربة الاقتراب من الموت واستئصال عضو من الجسد كانت الشرارة التي فجّرت الكتابة.
انطلقت المناقشة من المرض بوصفه دافعاً للسرد، وقال علاء خالد الذي تعرض قبل فترة لتجربة مرض صعبة اضطر فيها لاستئصال جزء من المعدة، إن الاستئصال يشكّل عنصراً أساسياً في العمل، يمتد إلى طفولة الراوي نفسها؛ ففي المدرسة مثلاً يتحدث عن عقابه بقص جزء من شعره، وهو ما يشبّهه بالختان "فالاستئصال، أياً كانت دوافعه أو رمزيته، يظل جزءاً مغتصباً بفعل سلطة أو مرض، وهي أشياء لا يملك الإنسان ردّها أو دفعها". من هنا تبدو فكرة الاستئصال جوهرية داخل العمل، كما تبدو أسطورة إيزيس المتسرّبة إليه أيضا، بوصفها محاولة لملء فراغ ما اقتُطع أو فُقد. وإن كانت تظهر في اتجاه آخر كالعلاقة مع الأم، ففي مشهد قص الشعر، تحاول الأم أن تراضي ابنها فتهبه جزءاً من شعرها ليعوّض الجزء الذي قُص منه. يحاول الراوي لصق الشعر بأشكال مختلفة، ويفشل بالطبع، "كأن السذاجة نفسها هي التي تصنع الرمز" فمن هنا تظهر فكرة الاستكمال، فالشَّعر يحمل دلالة رمزية، وشخص آخر يلتئم الجرح من خلاله. بالتالي كانت الكتابة كما يراها شكلاً من أشكال مقاومة الاستئصال. ومن خلال قراءاته لتجارب مشابهة، اكتشف أن الكتابة فعل يمنح القدرة على الخلق وإعادة التكوين، فالاستئصال في نظره لا يعطل الوعي، لكنه يترك ألماً ما، هو الألم الملازم لكل رحلة إنسانية.
نسخة جديدة
كان علاء حراً في رسم العلاقة مع الأم، "لأن الواقع هو الذي يرسمها أكثر من المخيلة". كانت هذه العلاقة ذات معنى خاص ومكانة خاصة؛ محركاً للمشاعر، ودافعاً إلى الأمام، وأداة للكشف. طبيعتها المركبة هي ما أتاح هذا الكشف. أخذ علاء من أمه فكرة الزهد أو الابتعاد عن الأضواء، التي كانت جزءاً أساسياً من تكوينها الشخصي، كانت تفضّل أن تكون في الصفوف البعيدة لا في الصفوف الأولى "لا أستطيع أن أقول إنني كذلك تماماً، لكنني التقطت هذا الحس منها، أو على الأقل أكنّ له احتراماً كبيراً. أشعر أن فيه نوعاً من التضحية الحقيقية، رغم ما قد يسببه من خسائر". تظهر هذه الحيرة مع راوي العمل الذي يظل يسائل نفسه: هل يريد أن يبقى في المكان الظليل، أم يعبر إلى أضواء الحياة من باب خلفي؟ كأنه يريد أن يمسك العصا من المنتصف؛ أن يجمع بين التضحية والنجاح في الوقت نفسه.
بخلاف العلاقة مع الأب، والتي رأت دينا إنها أصبحت متصالحة أخيراً، يحاول علاء التفسير فيقول إنها علاقة جوهرية ولا يمكن وضعها في إطار الضدية أو المواجهة فالسلطة هنا ليست مطلقة، بل مكتسبة من ظروف معينة. ومع مرور الزمن، أو ربما بفعل الفقد والاستئصال، صار يرى ذلك بوضوح أكبر. يقول إن هناك منطقة غير مكتملة، وغير مثالية، صار ينظر منها إلى الآخرين، وكأنها نسخة جديدة منه. من هنا عاد في الرواية إلى الطفولة بوصفها مساحة من البراءة تسبق اكتساب العلاقة أبعادها النظرية والثقافية، وقبل أن تتحمل أثقالاً أكبر وأبعد "ربما يصح ما يقال إن الكاتب يكتب النص نفسه طوال حياته، لكن ما يتغير هو طريقة تخيله وإعادة تصوره لهذا النص مع الزمن، بحيث يستطيع التعبير عنه بصورة أفضل في كل مرة."
ضمير المتكلم
فكر علاء في البداية أن يكتب العمل بضمير المتكلم، لكنه تراجع بعدما شعر أنه سيؤدي إلى قدر كبير من التماهِي، لذلك فضل أن يخلق مسافة عبر ضمير المخاطب. هذه المسافة منحته كما يقول حرية أكبر في النظر، كما أتاحت للغة مساحة أوسع للحركة. حتى أصبح في العمل ثلاثة ضمائر، وإن ظل ضمير المخاطب أكثرها حضوراً "ربما سمح هذا الضمير أيضاً بإعادة تصور المواقف القديمة. فالذاكرة لا تستجيب بقرار مسبق، بل تعمل تبعاً للضمير الذي يختاره الكاتب. لها وعيها الخاص، وتستدعي مخزونها بالطريقة التي نثيرها بها. ومع ضمير المخاطب بدت الذاكرة أكثر اطمئناناً إلى إخراج ما لديها".
كان هذا، إلى حد ما، قراراً بالابتعاد عن فكرة توثيق الذات بمعناها المباشر، والاتجاه نحو تأمل أوسع للمشاعر وطبيعة العلاقات. فالتخييل في نظره لا يقوم فقط على إضافة أحداث جديدة لم تقع، بل يمتد أيضاً إلى تغيير ضمائر الكتابة، وتأمل فكرة بعينها وتصعيدها فلسفياً. فكلمة "الختان" مثلاً، جاءت في لحظة من هذا التصعيد. لذلك لا يمكن لأي عمل ذي طابع تسجيلي أو تقريري أن يخلو من مساحات جديدة للتأويل وتعدد زوايا النظر، وهو ما تمنحه الرواية. ففيها مساحة أكبر للمراوغة والتأويل، بينما في نصوص سابقة، مثل "خطوط الضعف"، لم تكن توجد هذه المهادنة، فقد اتخذ النص شكلاً مباشراً، حتى على مستوى الأسماء. في الرواية الأولى كانت هناك أيضا مساحة للتخييل، ومساحة لحرية التأويل وإصدار الأحكام، وصولاً إلى تلك الشعرية التي يحاول دائماً أن تكون حاضرة في الكتابة.
المدينة والسفر
يتأمل علاء خالد، عبر الرواية، علاقته بالمدينة والتحولات التي تطرأ عليها، معتبراً أنها ترتبط بدورها بفكرة الاستئصال، "للمدينة جسد، مثل جسد الراوي. هناك انهيار واستئصال يحدثان فيها أيضاً. ليس الأمر كراهية للمدينة، بل أقرب إلى نوع من الرثاء، رثاء من يودّعون عالماً يعرفونه ويشاهدون اختفاءه تدريجياً". يقول إن المدينة أصبحت فكرة معلقة، "لا أعرف أين هي الآن". ويتصور إنه ستكون هناك مدينة بشروط جديدة، وأن مفهوم المدينة نفسه يحتاج إلى تعريف جديد، ففي الماضي كانت المدينة مرتبطة بفكرة الترقّي والتمدن، أما الآن فقد أصبحت فكرة معلقة "نحن نعيش بين زمنين: زمن مات بالفعل، وزمن آخر لم يتشكل بعد، ونحن عالقون في المسافة بينهما". وربما تكون الذاكرة، ومعها الكتب والسينما، هي ما يقاوم هذا التآكل ويحافظ على ما تبقى، فحتى وسائل المواصلات الجديدة، لا تنشئ في نظره العلاقات الإنسانية التي كانت تنشأ بين الناس من قبل.
السفر نقطة مركزية في تجربة علاء خالد، يقول إنه من الأشياء المهمة التي غيّرته بالفعل. وربما لأنه لم يوفّق في السفر خارج مصر، أصبح السفر داخلها ذا أهمية خاصة بالنسبة له، ولا سيما إلى الصعيد وواحة سيوة. فهذه الأماكن لا تزال تحتفظ بتاريخها الخاص وبذاكرة مختلفة، وتتيح إمكانية بناء علاقة جديدة معها. فللجغرافيا أثرها في إعادة التكوين النفسي. وقد عوضته هذه الأماكن عن الضيق الذي كان يشعر به داخل المدن التقليدية، بمنحه إحساساً ببراح يكاد يكون بلا حدود. بدّل السفر كثيراً من تصوّراته المسبقة عن الأماكن والناس، وجعله يشعر بانتماء أكبر إلى مجتمع أوسع يتجاوز حدود المدينة التي يعيش فيها.




