اللاذقية في أحلام منذر المصري

بشير البكر الاثنين 2026/06/22
GettyImages-811606042.jpg
اللاذقية (غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

لا يقدم لنا الشاعر منذر المصري شيئا عن تفاصيل وأسرار مدينة اللاذقية، بل يتركنا نتهجى، ونكتشف ذلك بأنفسنا. يكتفي أن يقودنا في جولات نتعرف فيها على ساحلها المتوسطي، وعالمها فيما يضمره الليل والنهار. لا شك أنه يدرك أن لها ما يكفي من الصفات، التي تتحدث عن نفسها، لتميزها عن مدن سوريا الأخرى، ونظيراتها المتوسطيات ذوات التاريخ القريب، أو المشابه، كطرابلس وبيروت والإسكندرية وقرطاج تونس وطنجة، كون هذا الساحل عاش على مر الزمان حكايات ومصائر تاريخية متقاربة. تتجلى خصوصية الجغرافيا، على نحو، ما في كل مدينة على حدة، لكنها تعود لتتشكل في عدد من الصور القريبة مع أحدها دون غيرها، فاللاذقية فينيقية، هلنستية، رومانية، عربية، وإسلامية، ومن أقرب المدن إليها صور اللبنانية، وأزمير التركية.

 

لا يقودنا الشاعر كدليل، بل يأخذنا، على عجالة، من مكان لآخر، ويفتح أمامنا الطريق كي تتعرف على مزاج المدينة، التي سرعان ما يفهم الزائر لوحده أنها طورت ذهنية مختلفة قليلا عن المدن الداخلية لجهة اهتمام أكبر بالتجارة والنقل، وتقبل أوسع للتغيرات الاجتماعية، وإحساس أقوى بالارتباط بالعالم الخارجي. الانطباع الذي لا يفارق المتجول في شوارعها هو أنها لا تشبه مدينة سورية أخرى. ليست جبلية معتكفة على صخورها وغاباتها، أو داخلية سهلية زراعية رعوية مثل حماة، أو متعددة وصارخة الهويات. إنها أقرب إلى نموذج مدينة ميناء متوسطة الحجم، تربط الساحل المتوسطي السوري بالداخل الزراعي في حماة وإدلب وحلب. وحين يتمعن الزائر لها للمرة الأولى في مزايا هذا الموقع الوسيط، يكتشف أنه منحها شخصية خاصة. ليست قرية كبيرة، ولا حاضرة إمبراطورية، بل مدينة ساحلية تجمع بين تأثيرات متعددة من الجبل والبحر والداخل السوري في آن واحد.

52929447_2381780191892361_7914228415480201216_n.jpg

يأخذنا منذر في جولات طويلة بسيارته الصينية البيضاء، سمير سعيفان، ومصطفى عنتابللي رفيقه اللاذقاني، وأنا صديقه الافتراضي لزمن طويل، والواقعي حاليا. لكنه يبخل علينا بالشرح، يمارس طقسا أقرب إلى الغموض، وأشبه إلى ما يشيعه بمحبة في شعره من صرعات طفولية، تبعث على المفاجأة التي تسكنه من وحي سريالي مسترسل في واقع مُتخيل. يبدو الشاعر وكأنه نسي أن يغادر على غرار كتاب آخرين، جربوا السفر وراء القصيدة. ظل هو نفسه بجوار البحر في فضاء تبدل عدة مرات، وغفا في حلم المرافئ القديمة والقوارب المهجورة، وسط لحظة شعرية سوريالية، تخترقها أصوات المآذن وأجراس الكنائس القادمة من بعيد.

 

 خطر لي أكثر من مرة أنه أراد لرحلاتنا أن تكون معادلا ما لقراءة شعره، أو الفرجة على لوحاته. ربما هذا هو السر الكامن وراء تجنبه الحديث عن كتاباته، أو اطلاعنا على آخر رسومه، أظن أنه أنتظر منا أن نطلب منه ذلك، لكنه شغلنا عن هذين الأمرين بجولات، بقيت بحاجة لأن تستكمل في رحلات لاحقة. أعطانا المفاتيح، وترك لنا مهمة البحث عن الأبواب. ولكل باب تاريخ وحكايات. تبدو المسألة عادية بالنسبة إليه، لذلك تعاطى معنا كراشدين يستطيعون تدبر أمورهم، طالما أن المخاطر الكبيرة زالت من الطريق، وعادت اللاذقية مفتوحة من جهات البر والبحر والجو، يقصدها السوريون بلا وجل، وترسو في مينائها البواخر، وتغطي سمائها السنونو، وظلت على عهدها بأشجار الكينا والصنوبر والزيتون.

 

اللاذقية، بالنسبة لمنذر المصري، ذاكرته مثلما هي مكانه الخاص وفضائه الذي لا يبدله. كرر أكثر من مرة أسماء شخصيات لم تعد موجودة، كأنها تعيش معه، بعضها رحل مبكرا كالمفكر الياس مرقص، والسياسي عبد الله هوشة، والكاتب والسياسي والمثقف ميشيل كيلو، الذي حينما تستعاد ذكراه في اللاذقية، يربطها البعض بمقاله الشهير "نعوات سورية" الذي كتبه العام 2005 وسجل فيه تحولات المدينة على نحو أغضب الرئيس المخلوع بشار الأسد، فأدخله السجن سنوات عديدة، لأنه تجرأ على تفكيك السياق العام للاستبداد، وحاول أن يرسم الحدود بين الريف والمدينة، والجبل والساحل، والعسكر وبقية الأهالي.

 

لقيت تلك المقالة استقبالاً خاصاً في حينه، وبقيت كمأثرة في عمق، وكثافة مضامينها، وقدرتها على توصيف المشهد السوري بالاستناد إلى التركيبة السكانية لمدينة اللاذقية. وملخصها أنها انطلقت من قراءة إعلانات النعوات المعلقة في شوارع المدينة. ولاحظ الكاتب أن النعوات القادمة من بعض الأرياف تكثر فيها الألقاب العسكرية عميد، عقيد، رائد. بينما تظهر في نعوات المدينة مهن مدنية أكثر مثل الطبيب والمهندس والتاجر. ومن هذه الملاحظة انتقل إلى مناقشة علاقة السلطة والبنية الاجتماعية والطائفية في سوريا، ويكمن هنا سبب انزعاج السلطة كون المقالة طرحت، بصورة علنية نسبيا في ذلك الوقت، سؤالاً ممنوعاً كان يُعتبر شديد الحساسية: هل توجد علاقة بين بنية السلطة السورية، وبين الانقسامات الطائفية والاجتماعية؟ وقد تجاوز ذلك إلى الإشارة إلى أن الطائفية ليست مجرد انتماء ديني، بل هي جزء من البنية الاجتماعية والسياسية التي تشكل الوعي العام؟ ويبدو أن ذلك التشخيص ما كان يمكن أن ينطلق من مكان آخر في سوريا إلا من اللاذقية ذات الخصوصية الاجتماعية، التي نشأت من لقاء الجبل والبحر.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث