لعل واحدنا بإمكانه فعلًا، ربّما ببعض التكرار والسّذاجة التفاؤليّة، القول إنّ اللّبنانيّين، وبكلّ جسارة، يحاولون اجتراح كلّ السُّبل للعيش. والمقصود هنا بالعيش ذلك الغزير، المُنغمس في اهتماماته، الحامل للمعنى، لا مجرّد البقاء الذي يُقاس بعدد الأيّام الّتي نجحنا في عبورها من دون أن يقع أمرٌ أسوأ. غير أنّ هذه العبارة، "اللّبنانيّون يحبّون الحياة"، استُهلكت إلى درجة أنّها صارت تُقال أحيانًا كما لو أنّها إعفاءٌ للآخرين من النظر في الأسباب التّي تجعل الحياة هنا فعلًا يتطلّب كلّ هذه الجسارة.
ومع ذلك، كان من الصعب ألّا تخطر العبارة في البال مساء 19 حزيران، داخل "مركز بيروت للفن"، فيما كان عرض صيف 2026 لمشروع "أثر" يستعدّ للبدء. امتلأت القاعة، ارتفعت الهواتف، وانسابت الأقمشة البيضاء على الجدران كأنّها ستائر منزلٍ أُخلي لتوّه، أو ضمادات كبيرة أكثر ممّا ينبغي لجرحٍ لم يُحدَّد موضعه بعد. كان في المشهد شيءٌ احتفاليّ، بالتأكيد، لكنّه لم يكن احتفالًا خالصًا، بل ذلك النوع من المناسبات البيروتيّة الّتي تبدو فيها الأناقة متجاورةً، على نحوٍ يكاد يكون عضويًّا، مع قلقٍ لم يغادر المكان أصلًا.
لم يكن العرض، منذ بدايته، معنيًّا فقط بما سترتديه النساء أو الرجال في موسمٍ لاحق. كان منشغلًا بسؤالٍ أثقل قليلًا: ما الذي يحدث عندما تُسلَّم حكايةٌ مؤلمة إلى مصمّم، وحين يُطلب من القماش أن يحمل ما عجز الكلام، أو التعب، عن حمله؟
من الاعتراف إلى الثوب
يقول مصطفى الصوص، مؤسّس "أثر" ومديره الإبداعيّ ومصمّمه، إنّ المشروع بدأ قبل خمس سنوات، وإنّه ليس شركةً بالمعنى التقليديّ، بل مساحةٌ تقوم أوّلًا على الاستماع. يستمع الفريق إلى أشخاصٍ يروون صدماتهم وتجاربهم، ثمّ يحاول تحويل هذه التجارب إلى أعمالٍ فنيّة، من بينها المعارض، وها هو الآن يقدّم عرضه الأوّل للأزياء.
قد يبدو الانتقال من الصدمة إلى الأزياء محفوفًا بشيءٍ من الريبة. فصناعة الموضة، مهما حاولت أن تكون رصينة، بارعةٌ في تحويل كلّ شيء إلى سطحٍ لامع، من الاحتجاج إلى الفقر، ومن الهويّة إلى الألم الشخصيّ. ويمكن للحكاية الإنسانيّة، إن لم يُنتبه إليها، أن تتحوّل سريعًا إلى "فكرة المجموعة"، أي إلى فقرةٍ أنيقة في البيان الصحافيّ، ثمّ تُترك وراءها بعد انطفاء الإضاءة.
لكنّ "أثر" يحاول أن يضع مسافةً بينه وبين هذه الآليّة. يشرح السوس أنّ جزءًا من عائدات العرض يُخصَّص لتوفير جلسات علاجٍ نفسيّ للأشخاص الذين شاركوا قصصهم، بالتعاون مع منظّمات متخصّصة في الصحّة النفسيّة. يحصل كلّ شخصٍ عادةً على سبع أو ثماني جلسات. ليست هذه المبادرة حلًّا سحريًّا، بالطبع، ولا ينبغي تحميل عرض أزياء مهمّة إصلاح ما عجزت عنه المؤسّسات، لكنّها تجعل العلاقة مع أصحاب القصص أقلّ استهلاكًا، وتعيد إليهم شيئًا يتجاوز التصفيق. يبدأ العمل، كما يروي الصوص، من جلسات الاستماع، ثمّ تُعدّ لوحات بصريّة مستوحاة من الكلمات والانفعالات والتفاصيل التي يقدّمها المشاركون.
ثيابٌ تبدو كأنّها تتذكّر
من السهل، عند مشاهدة مجموعة "أثر"، أن نلتقط مفردات مألوفة من قاموس الموضة المعاصرة: التفكيك، والقصّات غير المتناظرة، والأحجام المبالغ فيها، والزهور المجسّمة، والخياطة المحايدة جندريًّا، والأسطح اليدويّة، والأقمشة التي تبدو غير مكتملة أو متآكلة عمدًا. لكنّ الصعوبة، وربّما المتعة أيضًا، تكمن في أنّ هذه العناصر لا تظهر كأنّها حُشدت لإثبات أنّ المجموعة تعرف ما هو رائج، بل كأنّها خضعت لقصّةٍ أسبق منها، ثمّ أُعيد توظيفها داخل مزاجٍ يتأرجح بين الحماية والانكشاف.
بدأت بعض الإطلالات من شكلٍ يكاد يكون بدائيًّا في بساطته: ثوب مستقيم، أو قطعة قماش تلتفّ حول الجسد، أو فستان يتدلّى من الكتفين من دون بناءٍ مشدود. هذه العودة إلى القصّات البسيطة، التي تستعير شيئًا من الأثواب الطقسيّة والملابس القديمة، تقابلها تفاصيل صغيرة تُربك هدوءها، زهرة عند الخصر، حافة غير متساوية، طيّة تنحرف عن مسارها، أو تطريزات متناثرة لا تتبع نظامًا واضحًا. وفي المجموعة أقمشة ترابيّة وبنّيّة وبيضاء، وأخضرٌ مطفأ، وأزرق داكن، وألوان لا تستعرض نفسها بصفتها صيفيّةً على النحو الذي تتطلّبه نوافذ المتاجر. لا نجد احتفاءً سهلًا بالشمس أو البحر، بل صيفًا آخر، جافًّا، متعبًا، خرج من تحت الغبار، ثمّ قرّر، مع ذلك، أن يظهر.
وثمّة حضور واضح للقصّات غير المتناظرة، والأطراف المائلة، والتفكيك، والطبقات، والأزهار المجسّمة، والملابس الفضفاضة، والخياطة المستعارة من الخزانة الرجاليّة. غير أنّ هذه الصيحات لم تُقدَّم بوصفها قائمةً بما هو رائج في صيف 2026. كان لكلّ منها دورٌ في المعنى. فاللا-تماثل، مثلًا، بدا أقلّ اهتمامًا بكسر قواعد القصّة التقليديّة، وأكثر اقترابًا من حياةٍ انكسر انتظامها أصلًا. والطبقات لم تكن حيلةً لتكثيف المظهر، بل بدت كوسيلةٍ لتصوير ما يضيفه المرء فوق جلده، طبقةً بعد أخرى، كي يتمكّن من الاستمرار.
التحرّر..لكن من داخل القيد
تقول رنا بغدادي، المديرة البصريّة ومديرة العلامة التجاريّة في "أثر"، إنّ هذه المجموعة امتدادٌ للمجموعة الأولى، لكنّها تتضمّن قدرًا أكبر من العفويّة والتحرّر. وتشير إلى أنّها تأثّرت مباشرةً بالمرحلة التي أُنجزت فيها، وبالظروف التي عاشها الفريق خلال العمل.
ليس التحرّر هنا خروجًا كاملًا من الواقع، ولا ادّعاءً بأنّ الفنّ قادرٌ على الوقوف خارجه. تقول بغدادي: "على الرغم من صعوبة الوضع، حاولنا أن نتحرّر منه، وأن نواصل العمل والإبداع من داخله". ولعلّ عبارة "من داخله" هي الأكثر دقّة. فالمجموعة لا تتصرّف كأنّها نجت من الظروف، بل كأنّها ما زالت عالقةً فيها، تحرّك ذراعيها وحسب، وتختبر المساحة المتاحة.
تتولّى بغدادي بناء الهويّة البصريّة للمشروع وتطويرها، بحيث تعبّر عن الواقع في لبنان، وتكون قادرةً، في الوقت نفسه، على مخاطبة جمهورٍ خارجه. وهذه مهمّةٌ تبدو بسيطة فقط إلى أن نحاول تنفيذها. فكلّ محاولةٍ لتقديم لبنان إلى الخارج مهدّدةٌ بالوقوع في مجموعةٍ من الصور الجاهزة: بلد التناقضات، بلد الحرب والسهر، الشرق الذي يرتدي ثوب الغرب، أو المدينة التي تنهض دائمًا من الركام، كأنّ الركام قدرٌ جماليّ لا مشكلةٌ سياسيّة وإنسانيّة.
في عرض "أثر"، جرى تجنّب قدرٍ كبير من هذا الاستعراض. كان الديكور محدودًا، والإضاءة دافئة ومائلةً إلى المسرحيّة، والأقمشة التي غطّت المكان غير مشدودة تمامًا، بل بقيت فيها طيّاتٌ واضحة. لم تُخفَ التجاعيد، لا في الفضاء ولا في الملابس، وهذا في ذاته موقفٌ بصريّ.
أدّت الموسيقى، والمسار الصوتيّ، والتعليق الذي يروي الحكايات، والأداء الأوبراليّ في الافتتاح والختام، أدوارًا تتجاوز تهيئة الجمهور. كان العرض يريد أن يُستقبَل بوصفه تجربةً مكتملة، لا مرورًا متتاليًا لقطعٍ ستُفصل لاحقًا عن سياقها في الصُّور.
أجسادٌ لا تؤدّي دورًا واحدًا
ضمّ العرض عارضاتٍ وعارضين من خلفيّاتٍ وهويّات مختلفة، بينهم أفرادٌ من مجتمع الميم-عين، ونساءٌ محجّبات، ونساءٌ ورجال لا يُختزل حضورهم في نموذجٍ واحد للجسد أو للأنوثة والذكورة. وفي صناعةٍ اعتادت أن تستخدم التنوّع كما تستخدم لونًا موسميًّا، أي حين يكون مفيدًا للصورة، كان من الضروريّ أن يتجاوز الاختيار مجرّد جمع أشخاصٍ مختلفين على المنصّة.
ما منح هذا التنوّع معناه هو أنّ الملابس نفسها لم تكن مطيعةً تمامًا للتقسيمات التقليديّة. ظهرت الزهور فوق رؤوس الرجال والنساء، وارتدت أجسادٌ مختلفة قصّاتٍ فضفاضة أو مكشوفة أو طويلة، من دون أن يتحوّل الحجاب إلى علامةٍ للوقار وحده، أو الجسد الكويريّ إلى علامةٍ للتمرّد وحده.
ويمكن القول إنّ الملابس بدت أكثر انفتاحًا من اللغة التي تُستخدم عادةً لتصنيفها. فالسترة الواسعة ليست رجاليّةً تمامًا، والفستان المكشوف ليس أنثويًّا تمامًا، والثوب المحتشم لا يعلن موقفًا أخلاقيًّا. ثمّة سيولةٌ مقصودة، لا تلغي الهويّة بل توسّع المجال الذي يمكن للجسد أن يتحرّك فيه. ذلك أنّ عرض "أثر" لا يطلب من المتلقّي أن يُعجب بالثوب فقط، بل أن ينتبه إلى ما يختبئ تحته، وإلى أنّ الأزياء، حين تتخلّى قليلًا عن رغبتها في الإبهار، قد تصبح وسيلةً لفهم الجسد لا لتزيينه.
الجسد هنا ليس مساحةً محايدة تُعلّق عليها الأفكار، بل هو المكان الذي وقعت فيه الحكاية أصلًا، وخُزّنت فيه الصدمة، ثمّ خرجت منه، بصورةٍ أخرى، إلى المنصّة. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة حضور الأقمشة المتراكمة، والتطريزات اليدويّة، والقصّات المفتوحة، والأحجام الواسعة، بوصفه أكثر من تمرينٍ في التصميم. فالقطعة الواسعة تمنح الجسد مجالًا للتنفّس، بينما تكشف القطعة المفتوحة هشاشته، وتفعل بعض الإطلالات الأمرين معًا، كأنّها لا تريد المفاضلة بين الحماية والانكشاف. وهذا، في النهاية، هو أحد أكثر التناقضات حضورًا في تجربة الصدمة نفسها: أن يرغب المرء في أن يُرى، وأن يخشى في الوقت ذاته أن يراه أحدٌ أكثر ممّا ينبغي.
حماية الملابس وقت الغارة
بدأ العمل على المجموعة قبل اندلاع الحرب الأخيرة، ثمّ استمرّ خلالها وبعدها. يروي الصوص أنّه كان قريبًا من موقع إحدى الغارات على بيروت، ثمّ وجد نفسه في المصنع لحظة وقوعها. كان أوّل ما فعله أن جمع الملابس وحاول حمايتها. خرج بعد ذلك إلى الشارع من دون أن يعرف كيف سيعود إلى منزله، لكنّه كان مطمئنًّا، كما يقول، إلى أنّ الملابس لم تتضرّر.
قد تُستخدم هذه الحكاية بسهولة بوصفها دليلًا إضافيًّا على صمود الفنّان اللّبنانيّ، وعلى أنّ الإبداع ينتصر دائمًا. غير أنّ فيها شيئًا أقلّ شاعريةً وأكثر قسوة. فحماية الملابس في تلك اللحظة لم تكن مجرّد ولعٍ بالمهنة، بل خوفًا من أن يبتلع العنف شهوراً من العمل، وقصصًا ائتمن أصحابها الفريق عليها، ووعدًا بأن تصل تلك القصص إلى مكانٍ ما.
تقول بغدادي إنّ ما ساعد الفريق على مواصلة العمل هو استعداد الناس لأن يمنحوه من قلوبهم، وأن يشاركوا مشاعرهم بصدق. ويقول الصوص إنّهم لم يتمكّنوا من التوقّف لأنّ أشخاصًا وضعوا ثقتهم في المشروع. وبذلك، يصبح إنجاز العرض أقلّ ارتباطًا بعناد المصمّم الفرد، وأكثر صلةً بمسؤوليّةٍ جماعيّة تجاه من سمحوا لآلامهم بأن تتحوّل إلى مادّةٍ مرئيّة.
الموضة حين تقرّر أن تُصغي
ثمّة ميلٌ متزايد في الأزياء المعاصرة إلى تحويل العرض إلى تجربةٍ غامرة، بحيث لا يبقى المتفرّج جالسًا أمام سلسلةٍ من الإطلالات، بل يدخل في عالمٍ كامل له صوته وإضاءته وإيقاعه الخاصّ. و"أثر" ينتمي بوضوح إلى هذا المسار، لكنّه يحمّله بُعدًا محليًّا لا يمكن فصله عن بيروت، وعن علاقتها القديمة بالمسرح والمبالغة والصوت المرتفع، وبمحاولة تحويل الفوضى إلى مشهدٍ يمكن ترتيبه، ولو لساعة واحدة.
غير أنّ العرض لم يقع في فخّ المسرحة الزائدة. كان فيه أداءٌ أوبراليّ، وتعليق صوتيّ، وموسيقى، وإضاءة محسوبة، لكنّ هذه العناصر لم تبدُ كأنّها تنافس الملابس. على العكس، كانت تذكّر بأنّ الثوب ليس كافيًا وحده لحمل التجربة، وأنّ القصّة تحتاج إلى أكثر من وسيط كي تصل.
وهذا ما يفسّر أيضًا حضور الهويّة البصريّة بقوّة من دون أن تطغى. فاختيار المكان، والستائر، والفراغات، وطريقة دخول العارضين، كلّها أسهمت في خلق إحساسٍ بأنّنا أمام طقسٍ جماعيّ أكثر من كوننا أمام حدثٍ تجاريّ.
لم تكن المنصّة خطًّا مستقيمًا يقسم الجمهور عن العارضين، بل ممرًّا يضع الأجساد في مواجهة العيون مباشرةً، من دون مسافةٍ مريحة. وربّما كان هذا القرب مقصودًا، لأنّ القصص التي بُنيت عليها المجموعة لا تحتمل أن تُرى من بعيد. الصدمة، بعد كلّ شيء، تفقد معناها حين تصبح فكرةً عامّة، وتستعيد ثقلها حين تُنسب إلى شخصٍ وصوتٍ وجسد.
لقد قالت "أثر"، من خلال هذه المجموعة، إنّ الجرح لا يختفي حين نغطّيه، وإنّ كشفه لا يعني بالضرورة استعراضه. يمكن للثوب أن يفعل الأمرين معًا، أن يستر ويُظهر، أن يحمي ويعترف، وأن يترك للجسد حرّيّة حمل ما حدث له بالطريقة التي يختارها.




