عاصي الرحبانيّ في أربعينيّته: مليك الجنّ المجنون

أسعد قطّانالأحد 2026/06/21
3 assi_998.jpg
عاصي الرحباني في إذاعة الشرق الأدنى
حجم الخط
مشاركة عبر

يا عاصي الجميل،

حين كتبت لفيروز نصّاً يمزج الواقع بالحلم ويزوّج الحقيقة بالسحر اسمه "جسر القمر"، جئت بملوك الجان يشاطروننا يوميّاتنا، ويحتسون معنا قهوة الصباح، ويبوحون لنا بأشواقهم المكنونة عن النوم والطفولة البيضاء. ربّما تكمن عبقريّة الشعراء، طرداً وعكساً كما يقول الجاحظ، في أنّهم يأخذوننا إلى عوالمهم المنسوجة بالإيقاع وتلاوين البيان، ولحظاتهم المتّكئة على الرمز واحتمالات المعنى. بيد أنّك الشاعر الوحيد الذي كان يسرق الاستعارات من عوالمها ويحملها إلينا، يدهن بها رؤوسنا، كما دهنت المرأة رأس الناصريّ بطيب الناردين، ويهتف بنا: هاءنذا هنا، أسرق الفرح من أمكنته السرّيّة، التي لم تخطر على بال إنسان، وأطرحه عند أقدامكم، كي أحوّل الوقت في أوقاتكم إلى هنيهات من جمال.

52c3b4c4-4356-4ae0-a98a-1ff9fffbd235.jpg

وكنّا نحن، أيّها العاصي على الكلمات وعلى الوصف بالكلمات، نلعب معك لعبة الفرح المسروق من عوالم الشعر والرمز. وندرك كم أنّك تشبه بروميثيوس، الذي تروي الأسطورة اليونانيّة المهولة كيف سرق النار من الآلهة وأهداها للبشر هياماً بهم، فصنع لهم شرط الحضارة المنبعثة من الدفء ومن فرن الخزّاف. وحين تزلزلت الأرض، واهتزّت الأشياء، ومتّ أنت مرّتين، مرّةً حين انفجر دماغك ومرّةً حين غار النبض في عروقك، حسبنا أنّ اللعبة لم تنتهِ، لأنّك سكنت أشياءنا كما لم يسكنها سواك. وكان حضورك في الموسيقى وفي الشعر وعلى خشبة المسرح كثيفاً كثيفاً كحضور اللهب في النار والعطر في الياسمين، هذا الذي أحببته وكتبت له قصائد صارت هي عقود الياسمين.

 

أربعون سنةً مرّت، يا عاصي، وأنت لم تبارحنا برهة. تصاحبنا ساعةً بعدها ساعة كي تزيّن أوقاتنا بدفتر النوطة الذي كنت تدوّن عليه ما يجيش في صدرك من أنغام.. ومن نثار الحكاية. ونحن حسبنا أنّك عاصٍ على الزمن وعصيّ على الرحيل لكونك قابعاً في الموسيقى وحسب، وساكناً أبيات شعرك العامّيّ كما سكنت بيتك الحجريّ في أنطلياس. لكن سرعان ما اكتشفنا أنّ لعبة التحايل على الموت شرطها الحبّ أوّلاً، ولا تكتمل إلّا بالحبّ. لقد علّمتنا، يا عاصي، أن نحبّك أنت من أجل موسيقاك، وبالرغم من موسيقاك. وتركت لنا في الروح سنبلةً تحبّك أنت بالرغم من كلّ ما يروى عن نقائصك، وعن نزواتك، وعن مزهريّاتك المكسورة. وحين أحببناك، أدركنا أنّك لم ترحل، لأنّك ساكن فينا بين الريف والعين، كما كتبت ذات يوم. آنذاك، رمينا الحجر الذي رفعناه كي نرجمك به، إذ مَن منّا بلا خطيئة؟ وتحوّلنا من جديد إلى أطفال نلعب في ساحة بيتك العربيّ، ونتربّى على قصائدك المجروحة بالقوافي.

 

أربعون سنةً مرّت يا عاصي، يا مليك الجنّ المجنون، يا صاحب المملكة العائمة على جمل موسيقيّة تتحدّى الجاذبيّة كأنّها أحلام الأطفال، يا شاعر البساطة الأوّل والأخير. أربعون سنة والحبّ فينا يضطرم، وكلماتك تضطرم، وأنغامك تضطرم، وتصير بوصلة هذا الشرق الحزين حين يفقد الشرق بوصلته. لقد اكتمل الشوق يا صاح، وأزهرت الأرض، ورجّعت النواقيس لحن القيامة. فاشرق لنا من غيمة، من سنبلة، من أنين الناي في جسد القصب، واكتب لنا قصيدةً جديدة، فرحاً جديداً، كي يرجع العيد إلى عيده ويصبح عيداً من جديد. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث