يرحل آخر أساتذة التصوير الكبار، ديفيد هوكني الذي يحلو للنقاد والمؤسسة الفنية تصويره كفتى من طبقة عاملة آت من بلدة "برادفورد" الإنكليزية المتواضعة ليغزو العالم. ورث هوكني تركة من التمرّد، رفض والده الانخراط في الخدمة العسكرية الإلزامية لأسباب ضميرية، وبالمثل فعل هو حين جاء دوره. وبدلاً من حمل السلاح قضى مدة خدمته العامة يكشط الأرضيات القذرة ويغسل جثث الموتى في مشرحة المشافي لمدة عامين. الموهبة الفذة أباحت للفتى الأشقر امتياز التمرد، بل أجبرت المؤسسة على تغيير اتجاهها من أجله. بعناد صبياني، رفض هوكني كتابة المقال النهائي اللازم لتخرجه من الأكاديمية الملكية للفنون ال، وحين هددت الإدارة بحجب شهادته، قام بعمل طباعة فنية ساخرة بعنوان "الدبلومة" يتهكم من بيروقراطية الأكاديمية وعميدها. وفي النهاية غيرت الأكاديمية قواعدها ومنحته في حفل تخرجه قلادة ذهبية. وكما رفض هوكني أن يقيم بأي معيار آخر أثناء دراسته سوى بأعماله الفنية، قاوم أيضاً أن يقاس بمعايير السياسة خلال مساره الفني الطويل. بحسب مقولته شهيرة "أترك السياسة وشأنها، لدى أشياء أخرى لأهتم بها"، والأكيد أن تلك الأشياء الأخرى هي فنه، حيث واظب حتى مع اعتلال صحته وتقدمه في العمر على الرسم بشكل يومي.
لكن وخلافاً لهذا الادعاء الذاتي، تظل سيرة هوكني وفنه مشبعين بالسياسية. فبعد أن غادر بريطانيا المتحفظة أخلاقياً في العام 1964 صوب لوس أنجليس بدا وكأنه وجد فردوسه المفقود، حيث أشعة الشمس الساطعة وحمامات السباحة والبيوت البلورية الفاخرة. وهناك كان تصويره للمثلية الجنسية عملاً راديكاليا في وقته، حيث تجرأ على تجرأ على تصوير الرغبة وأجساد عشاقه البرونزية والحياة الحميمية في وضح النهار بالرغم من التجريم القانوني. وفي سلسلة لوحاته الشهيرة عن مسابح لوس أنجليس الزرقاء الصافية، طوع خطوطه القاطعة وألوان الإكليرك الرائقة، مستلهماً أسلوب ما بعد الانطباعي متأثر بالتكعيبية، ليصوغه أيقونات مذهلة فنياً لأسلوب الحياة الباذخ. كان هوكني محسوباً على تيار "فن البوب"، ومثل أقرانه الأميركيين كانت جمالياته تحتفي بالاستهلاك المترف. وفي هذا لم يكن مجرد مهندس لبصريات الرفاهية الخاصة بالبرجوازية العليا التي ينقل واقعها، بل كان عمله اختراعاً لبيئة مفرطة في نقائها ومعقمة قسراً كي تصبح خالية من أي توتر ومنزوعة من كافة السياقات. ولعل الفنان المكسيكي راميرو غوميس الذي أعاد تفسير لوحات هوكني مؤخراً كان الأقدر على كشف المغيب في أعماله، وذلك في سلسلة من اللوحات يظهر فيها عمال النظافة والمهاجرين المنسيين الذي يعملون في الخلفية من أجل الحفاظ على نظافة تلك المسابح ورفاهية أصحابها.
لطالما وصف هوكني موقفه السياسي بالفوضوية، وإن لم يكن ذلك الوصف دقيقاً لتعريف مواقفه السياسية التي استعارت بالتساوي من اليمين واليسار. عارض الفنان البريطاني "الدولة الراعية" وذلك لصالح المسؤولية الفردية بنكهة أميركية خالصة. وفي هذا المضمار، كانت معركته السياسية الكبرى هي معارضته الشرسة لمنع التدخين في الأماكن العامة. في العام 2005، وكطريقة للاحتجاج ضد حزب العمال الذي كانت حكومته تدرس مقترحاً لقانون يمنع التدخين في الأماكن العامة مثل الحانات والمطاعم، اعتصم في مؤتمر للحزب رافعاً لافتة تقول: "الموت ينتظركم جميعاً وإن لم تدخنوا". خسر هوكني وشركات التبغ المعركة، لكن نال من المؤسسة مرة أخرى استثناء تاريخي من القواعد، ففي العام 2007، وفي حفل أقامه متحف "تيت بريتن" بمناسبة عيد ميلاده السبعين، عطلت إدارة المتحف أجهزة إنذار الحريق لمدة عشر دقائق كاملة لتسمح للفنان الكبير بالتدخين بالرغم من القوانين الصارمة لسلامة الحريق ولمنع التدخين في الأماكن العامة.
في العام 2017 أعاد هوكني تصميم شعار جريدة التابلويد "ذا صن" الإنكليزية المعروفة بميولها اليمينية والمعادية للمهاجرين، وذلك بعد عام واحد من استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي. وفيما يخص السياسة في الولايات المتحدة، وبعد فوز دونالد ترامب بالرئاسة لأول مرة صرح هوكني بأنه لم يحب هيلاري كلينتون منذ أن حظرت التدخين في البيت الأبيض أثناء ولاية زوجها. تأرجحت علاقة هوكني بالتكريم الرسمية بين الرفض والقبول، في العام 1990رفض لقب فارس في العام 1990 وقال إنه "لا يقدر الجوائز والمظاهر"، وأيضاً رفض دعوة رسمية لعمل بورتريه للملكة إليزابيت الثانية معرباً عن تفضيله أن يرسم أشخاصاً يعرفهم. وعاد في العام 2012، وقبل وسام الاستحقاق وبرر ذلك بأعتباره الوسام هدية شخصية من الملكة وسيكون رفضه أمراً يفتقر للياقة.
بين أكتوبر 2024 ويونيو 2025، أقام متحف إسرائيل في القدس معرضاً بعنوان "ديفيد هوكني: حكايات من الأخوين غريم" عرض سلسلة فريدة من أعمال الحفر والرسوم التوضيحية بالأبيض والأسود من أعماله المبكرة، واختيرت هذه المعروضات بالكامل من مجموعة المقتنيات الخاصة بمتحف إسرائيل نفسه، وهي جزء من هدية قدمها جامع الفنون فيكتور كونستانتينر النيويوركي إلى جمعية "أصدقاء متحف إسرائيل الأميركيين". اللافت في ذلك المعرض هو تاريخه الذي يتوافق مع تنامي المقاطعة الثقافية والفنية لإسرائيل على وقع الإبادة في غزة. وتبدو الاسعانة باسم أحد أشهر الفنانين في العالم استراتيجية مناسبة للإيحاء بكسر تلك العزلة. ولعل في أعمال هوكني المنزوعة السياق بشكل يكاد يكون دائماً ما يغري للتوظيف في محاولة للغسيل الثقافي.
لم يدلِ هوكني قط بتصريحات تخص السياسة في منطقة الشرق الأوسط. ولكنه ارتبط بعلاقة وثيقة بجميعة "أصدقاء متحف إسرائيل الأميركيين" وفي العام 2016، كان متحدثاً رئيسياً في حفل الجمعية السنوي. وجراء تلك العلاقة قام بالتبرع للجميعة بأحد أعماله الأقل شهرة بعنوان "هنري نائماً"، قبل أن تقوم بنقل ملكيتها لاحقاً إلى المتحف.
يتباهي هوكني بأنه لم يصوت سوى مرتين في حياته، لكن لا يعني هذا أنه لم يكن متورطاً في السياسة، فهو لم يكن خارج حلبتها أبداً ومعظم الوقت على الجانب الخطأ.




