الحاجة والقيمة والسلطة في العصر التقني

توماس هوبز
توماس هوبز
حجم الخط
مشاركة عبر


 

اعتدنا أن نقرأ التاريخ الحديث بوصفه تاريخاً للأفكار. فنقول إن الليبرالية هزمت الملكيات المطلقة، وإن الاشتراكية واجهت الرأسمالية، وإن القومية أعادت تشكيل الدول الحديثة، وإن الحروب الكبرى كانت صراعاً بين رؤى متنافسة للعالم. غير أنّ هذه الرواية، على الرغم من أهميتها، قد يعتريها النقصان. فالأفكار لا تولد من الفراغ، ولا تتحرك في التاريخ بقوتها الذاتية وحدها. إنها غالباً التعبير الأكثر تهذيباً عن حاجات أعمق وأقدم.


فالإنسان لم يبحث أولاً عن الليبرالية، بل عن حماية ملكيته. ولا عن الاشتراكية، بل عن العدالة والأمان الاجتماعي. ولا عن القومية، بل عن الانتماء والاستقرار داخل جماعة متخيلة. كانت الحاجة دائماً أسبق من الفكرة. وفي هذا فإن الأيديولوجيا جاءت لتمنح هذه الحاجة لغة فلسفية وأخلاقية وسردية تاريخية تجعلها تبدو كونية ومتعالية على شروطها المادية.
 

بهذا المعنى يمكن النظر إلى التاريخ الحديث لا بوصفه تاريخ الأفكار، بل بوصفه تاريخ العلاقة بين ثلاثة عناصر أساسية: الحاجة، والقيمة، والسلطة. فالحاجة تولد القيمة، والقيمة تنتج السلطة، والسلطة تعود لتعيد تشكيل الحاجات من جديد. إنها دائرة مغلقة تحرك المجتمعات أكثر مما تفعل الأفكار المجردة.
 

وقد كان توماس هوبز من أوائل من أدركوا هذه الحقيقة وأجرأهم على الإفصاح عنها. فـ«اللفياثان» لم يكن مجرد نظرية في الدولة، بل كان لحظة انكسار وهم راسخ: إن السياسة ابنة العقل أو الفضيلة. قبل هوبز كان أرسطو يرى في الدولة تحققاً لطبيعة الإنسان الاجتماعية، وفضاءً لا تكتمل الفضيلة إلا داخله، وكان الفكر الكنسي يرى فيها امتداداً للنظام الإلهي. أما هوبز فأزاح كل ذلك جانباً، فبالنسبة له الدولة لم تنشأ لأن البشر اكتشفوا العدالة أو اقتنعوا بالعقل السياسي، بل لأن ثمة حاجة أكثر بدائية وأشد إلحاحاً: الحاجة إلى الأمن. الخوف من الفوضى والموت والعنف هو ما دفع الأفراد إلى التنازل عن جزء من حريتهم لصالح سلطة قادرة على حفظ النظام. لم تكن السلطة هنا ابنة الحقيقة، بل ابنة الحاجة.
 

جون لوك

ثم جاء جون لوك ليعيد صياغة الحاجة التي كشفها هوبز بلغة مختلفة. فإذا كان هوبز قد جعل الأمن أصل السياسة، فإن لوك جعل الحرية والملكية شرط شرعيتها. كان لوك ابن اللحظة التاريخية التي بدأ فيها الفرد وملكيته يظهران بوصفهما عنصرين مؤسسين للنظام الاجتماعي الجديد. فأوروبا الخارجة من الحروب الدينية والمتجهة نحو التجارة والأسواق كانت تحتاج إلى ضمانات للاستقرار والتبادل والتملك، فجاء لوك ليمنح هذه الحاجة لغة فلسفية جديدة. وهكذا لم تعد الملكية مجرد مصلحة اجتماعية تخص فئة بعينها، بل أصبحت حقاً طبيعياً يُقدَّم بوصفه صالحاً لكل البشر. لقد تحولت الحاجة هنا إلى لغة أخلاقية وقانونية تتجاوز شروط نشأتها المباشرة، وكأنها تنتمي إلى الطبيعة الإنسانية نفسها.
 

وهنا تظهر إحدى الحركات الأساسية في التاريخ الحديث. فالحاجات لا تكتسب قوتها الحقيقية عندما تُشبَع، بل عندما تتحول إلى قيم. فالقيمة ليست سوى حاجة نجحت في نسيان أصلها، والسلطة ليست سوى هذه القدرة على جعل هذا النسيان دائماً، وبالتالي اصبحت تُقدّم بوصفها حقيقة عامة أو مبدأً كونيّاً. وبهذا فإن ما فعله لوك، في أحد أوجهه، لم يكن الدفاع عن الملكية بقدر ما كان تحويلها من حاجة تاريخية إلى قيمة أخلاقية، ومن مصلحة اجتماعية إلى حق طبيعي. وفي هذا فإن السلطة لم تعد تُفهم فقط بوصفها احتكاراً للقوة كما عند هوبز، بل أيضاً بوصفها قدرة على تحويل الحاجات إلى قيم، ثم تحويل هذه القيم إلى أسس للشرعية والنظام الاجتماعي.
 

لكن إذا كان هوبز قد كشف العلاقة بين الحاجة والسلطة، ولوك بين الحاجة والقيمة، فإن ثورستين فيبلين أضاء جانباً آخر من المسألة. فقد لاحظ أن البشر لا يستهلكون الأشياء بسبب فائدتها المباشرة فقط، بل بسبب ما تمنحه لهم من مكانة واعتراف داخل المجتمع. فالسلعة ليست مجرد أداة، بل علامة اجتماعية. ومن هنا لم تعد القيمة مرتبطة بالإشباع المادي للحاجة وحده، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بالطريقة التي يرى بها الآخرون صاحبها. وهكذا تنتقل القيمة من الاقتصاد إلى الاجتماع، ومن المنفعة إلى الاعتراف. فالثروة عند فيبلين ليست مهمة بسبب ما تتيحه من استهلاك فحسب، بل بسبب ما تمنحه من تمايز ومكانة. وبهذا المعنى أضاف فيبلين ضلعاً جديداً إلى المعادلة: الحاجات تتحول إلى قيم، لكن القيم بدورها تتحول إلى وسائل للاعتراف الاجتماعي وبناء الهوية.
 

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الأيديولوجيات الحديثة كلها بوصفها تقنيات اجتماعية لإدارة الحاجات. فهي لم تخلق الحاجات، بل منحتها لغة ومعنى ومشروعية. كانت آلات ضخمة لإنتاج القيمة حول حاجات بشرية أساسية. غير أن التحول التاريخي الأهم في العقود الأخيرة يتمثل في أن التقنية بدأت تنافس الأيديولوجيا في هذه الوظيفة نفسها. لم تعد التقنية مجرد أدوات تساعد الإنسان على تحقيق أهدافه، بل أصبحت تنتج الحاجات ذاتها، وتعيد تنظيمها، وتبني حولها منظومات قيمة جديدة. وهنا يكمن جوهر التحول الذي نعيشه اليوم. فإذا كان القرن العشرون قرن الصراع بين الأيديولوجيات، فإن القرن الحادي والعشرين يبدو أكثر فأكثر قرن الصراع على الحاجات. وفي هذا فإنه يمكن قراءة تاريخ التقنية الحديثة خلال العقود الثلاثة الأخيرة بوصفه عملية متواصلة لبناء «سلم جديد للقيمة».
 

ولهذا لم تعد القيمة تُقاس فقط بما يملكه الأفراد أو المؤسسات، بل بقدرتهم على الاتصال بالشبكات التي تنتج المعرفة وتوزعها. وهكذا انتقل مركز الثقل من الملكية إلى الاتصال، ومن حيازة الأشياء إلى الوجود داخل التدفقات. ومع هذا التحول ظهرت حاجة جديدة لم تعرفها المجتمعات السابقة بهذا الشكل: الحاجة إلى البقاء داخل الشبكة نفسها، لأن الخروج منها لم يعد يعني فقدان أداة أو خدمة، بل فقدان القدرة على المشاركة في إنتاج القيمة ذاتها.
 

وإذا كانت الأيديولوجيات قد أدارت الحاجات عبر إنتاج القيم، فإن التحول الذي نعيشه اليوم يتمثل في أن التقنية بدأت تؤدي الوظيفة نفسها بصورة مختلفة. فبدل أن تُترجم الحاجات إلى مبادئ وعقائد، أصبحت تُترجم إلى خدمات وشبكات وبنى تحتية. فالسلطة التقنية الجديدة اليوم تبني شروط الحياة اليومية نفسها. ومن هنا ربما تكتسب ملاحظة 

مانويل كاستلز

أهمية خاصة لأنها تشرح سر الانتشار السريع لهذه التقنية. فهو قد رأى أن الثورة التقنية لم تتمثل في أتمتة الإنتاج فحسب، بل في إعادة تشكيل عملية الإنتاج والاستهلاك نفسها عبر ما سماه "فعل المعرفة على المعرفة". ففي الاقتصاد الصناعي كانت المادة تُحوَّل إلى منتجات جديدة، أما في الاقتصاد المعلوماتي فأصبحت المعرفة هي المادة الخام والمنتج في آن واحد. لا يمكن بناء سيارة من سيارة أخرى، لكن يمكن بناء برنامج من برنامج آخر، كما يمكن لخوارزمية أن تنتج خوارزمية جديدة، ولبيانات أن تولّد بيانات إضافية. 
 

فمع الإنترنت ظهرت قيمة الوصول. لم يعد الامتياز في امتلاك المعرفة، بل في القدرة على الوصول إليها. ثم جاء الهاتف الذكي ليضيف قيمة الحضور الدائم، حيث أصبح الفرد متصلاً بالعالم بصورة مستمرة. وبعد ذلك ظهرت المنصات الاجتماعية لتجعل الانتباه نفسه قيمة اقتصادية ورمزية. لم يعد السؤال: ماذا تعرف؟ بل: كم تُرى؟ 
 

فإذا كان الاستهلاك التفاخري في القرن التاسع عشر قائماً على عرض الثروة كما رأى فيبلين، فإن العصر الرقمي أنتج شكلاً جديداً من التفاخُر يقوم على عرض الحضور والانتشار والانتباه. أصبح عدد المتابعين والمشاهدات والإعجابات رأسمالاً رمزياً جديداً، وصارت المنصات مصانع لإنتاج الاعتراف الاجتماعي. 
 

ومن داخل هذا المسار التناسلي للصناعة المعلوماتية جاءت مرحلة البيانات الضخمة «Big Data» حيث انتقلت القيمة من الوصول إلى المعرفة عبر الإنترنت إلى القدرة على التنبؤ بالسلوك. لم يعد الإنسان مجرد مستخدم، بل أصبح نمطاً إحصائيّاً يمكن قراءته وتحليله واستباق خياراته. وتحولت البيانات إلى المادة الخام الأساسية للاقتصاد الرقمي.
 

وفي لحظة لاحقة ظهرت العملات المشفرة وعوالم الكريبتو بوصفها محاولة لتحرير القيمة من المؤسسات التقليدية. كان المشروع الليبرتاري الرقمي يحلم بإقامة نظام مستقل عن الدولة والمصارف والسلطات المركزية. لكن التجربة نفسها كشفت حدود هذا الحلم. فبدل أن تؤسس عالماً موازياً، انتهت إلى الاندماج داخل المنظومة التقنية الكبرى. وكأن النظام الجديد يمتلك قدرة استثنائية على امتصاص محاولات الانفكاك عنه وإعادة تحويلها إلى جزء من بنيته الخاصة.
 

ثم جاء الذكاء التوليدي ليضيف طبقة جديدة إلى هذا السلم. فإذا كانت البيانات الضخمة تدير السلوك، فإن الذكاء التوليدي يتدخل في إنتاج المعنى نفسه. لم تعد التقنية تنظم الوصول أو الانتباه أو التبادل فقط، بل أصبحت تشارك في إنتاج اللغة، والمعرفة، والتفسير، والخيال. لكن أهمية هذه المراحل لا تكمن في ترتيبها الزمني فحسب، بل في الطريقة التي تتحول بها الخدمات إلى حاجات. فالتاريخ الفعلي للتقنية يمكن اختصاره في سلسلة بسيطة: خدمة، رفاهية، اعتياد، حاجة، اعتماد، تبعية. 
 

ففي البداية تبدو التقنية خياراً إضافياً. ثم تصبح أكثر راحة من البدائل. وبعد ذلك تتحول إلى عادة يومية. ثم تصبح حاجة يصعب الاستغناء عنها. وبعدها ينشأ الاعتماد عليها. وأخيراً تتحول إلى بنية لا يستطيع الفرد أو المجتمع الانفكاك عنها دون كلفة هائلة. وهنا يكمن سر القوة التاريخية للتقنية الحديثة. فهي لا تنتصر لأنها أكثر إقناعاً من الأيديولوجيات، بل لأنها تجعل نفسها ضرورية. ومن هذه الزاوية يمكن إعادة قراءة القرن الأميركي كله بطريقة مختلفة. فربما لم يكن الإنجاز الأميركي الأكبر خلال المئة سنة الماضية هو إنتاج التكنولوجيا بحد ذاته، بل إنتاج الحاجات التي تجعل التكنولوجيا ضرورية.
 

وهنا يكتسب الصراع التقني المعاصر معناه الحقيقي. فالمنافسة لم تعد تدور حول المنتجات فقط، بل حول السيطرة على الطبقات المختلفة من سلم القيمة الجديد. لم تعد الشركات تتنافس على بيع سلعة، بل على امتلاك الحاجة التي ستصبح شرطًا لبقية الحاجات. ومن هنا يمكن فهم الأهمية الاستراتيجية لشركات مثل «  SpaceX». فالمسألة لا تتعلق بالصواريخ أو الفضاء وحدهما، بل بموقع هذه الشركات داخل منظومة الحاجة العالمية. فإذا كانت شركات أخرى تسيطر على المعرفة أو الانتباه أو المعنى، فإن «  SpaceX» وستارلينك تتحركان على مستوى أكثر أساسية: مستوى الاتصال نفسه. ومن يسيطر على الاتصال لا يملك خدمة إضافية داخل المنظومة، بل يملك الشرط الذي يجعل بقية الخدمات ممكنة أصلاً. ولهذا فإن التقييمات الهائلة لهذه الشركات لا تعكس أرباحها الحالية فقط، بل تعكس رهانًا على قدرتها على التحكم بإحدى الطبقات التأسيسية للحاجة البشرية في القرن الحادي والعشرين.


وهنا نعود مجدداً إلى هوبز. فإذا كانت الدولة الحديثة قامت على احتكار وسائل الأمن، فإن القوى التقنية الصاعدة تقوم على احتكار وسائل الحاجة. إنها لا تحتكر العنف، بل الاتصال. لا تحتكر الحدود، بل الشبكات. لا تحتكر الإكراه، بل الضرورة. غير أن هوبز ايضاً، على فرادته في زمنه، لم يتخيل إلا نصف الصورة. فهو رأى أن الحاجة تسبق السلطة وتؤسسها، لكنه افترض أن الحاجة ذاتها اي الخوف من الموت والفوضى حاجة بيولوجية سابقة لأي نظام، موجودة في «طبيعة الإنسان» قبل أن يُبنى المجتمع. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين عصره وعصرنا: الحاجات التي تُنتجها البنية التقنية اليوم ليست موجودة قبل النظام، بل تُصنَّع داخله. لم يكن أحد يحتاج إلى التواصل الاجتماعي قبل المنصات، ولم يكن أحد يحتاج إلى التخزين السحابي قبل الحوسبة. هذه حاجات مُخترَعة، ثم تحولت إلى ضرورة، ثم أصبحت وجوداً. وهذا ما يجعل آلية السلطة التقنية أكثر عمقاً من آلية هوبز: هوبز استثمر حاجة موجودة، أما التقنية فتُنتج الحاجة التي ستستثمرها.


ومن هنا يبدو الحديث عن «موت الأيديولوجيا» غير دقيق. فالأيديولوجيا لم تمت، بل تحولت. لقد غادرت عالم الخطابات والسرديات الكبرى إلى عالم المنصات والبنى التحتية والشبكات. لم تعد تطلب من الإنسان أن يؤمن، بل أن يستخدم. لكنها من خلال هذا الاستخدام اليومي تعيد تشكيل عاداته وتوقعاته وقيمه وصورته عن العالم. وهكذا يولد الإنسان التقني الجديد. فهو ليس إنساناً بلا قيم، بل إنسان تُبنى قيمه من خلال الحاجات التي تنتجها البيئة التقنية المحيطة به. وهو لا يعيش داخل عقيدة كبرى بقدر ما يعيش داخل شبكة من الضرورات اليومية التي تحدد إمكاناته وحدود حركته.
 

وربما لهذا السبب لم يعد السؤال الحاسم في عصرنا: ماذا تؤمن؟ بل أصبح: ما الذي لا تستطيع الاستغناء عنه؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال تكشف البنية الحقيقية للقيمة والسلطة في القرن الحادي والعشرين. والسؤال المؤلم الذي يظل مفتوحاً ليس من يملك صناعة الحاجة، بل ماذا يحدث لمن يقف خارجها أو لمن يرفضها.
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث