ترامب يتقمّص باراك أوباما ويقترح حرباً أهلية

محمد حجيريالجمعة 2026/06/19
ترامب (Getty)
ترامب
حجم الخط
مشاركة عبر

في زمن مونديال كأس العالم 2026، الذي تقام مبارياته على أرض الولايات المتحدة الأميركية إلى جانب كندا والمكسيك، يصعب فهم إن كان الاتفاق بين سمسار العقارات دونالد ترامب و"حائك السجاد" الإيراني لانهاء، يأتي لتمرير الوقت أم هو خريطة واقعية للمستقبل بين نظامين براغماتيين إمبرياليين، ذلك أن ترامب لم يعد مصدر ثقة بسبب كثرة تقلباته وتكتيكاته وانقلاباته كل الحجج والدوافع التي قامت من أجلها الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، لا تزال قائمة بقوّة، ويمكن أن تتجدّد، من الأذرع العسكرية وتحديدًا حزب الله إلى البرنامج النووي وامتلاك اليورانيوم المخصّب إلى الصواريخ الباليستية.

 

 وفي المشهد أيضًا، الإسرائيلي نتنياهو يبحث عن أي حجة واهية لاستئناف العدوان على لبنان وتدميره، وتحقيق أحلامه وخيالاته التوراتية، وسلاح حزب الله ذريعة مناسبة لحرب طويلة، بزعم أنه يشكل تهديداً لأمن إسرائيل، وحتى لو كانت منطقة فارغة من السلاح والمقاتلين، سنجد أن الإسرائيلي يسوق لوجود أنفاق أو مخازن لغاية شن هجمات.


نتنياهو اسم يرتبط بالحرب الدائمة ومنطق القوّة الذي لا يجلب إلا مزيداً من العنف والأحقاد الأبدية، بينما يصعب فهم وجهة ترامب ونرجسيته وهوبراته وانتصاراته وروائعه وكلامه النابي. هل يعمل بالسياسة فعلاً أم مجرد تاجر عقارات كثير الاعجاب بنفسه، يقيس أي شيء بالصفقات، إذ تبدّل في جموحه الحربي من تسليح الأكراد والسعي لإسقاط نظام الخامنئي، على الأقل اخضاعه على الطريقة الفنزويلية، إلى عقد اتفاق وممارسة سياسة تشبه زمن الرئيس باراك أوباما، الذي كان عقد اتفاقاً نووياً مع إيران ومزقه ترامب، وهذا ما اعتبره بعض "الراديكاليين"، تسليم مفاتيح الشرق الأوسط  من جديد لطهران.
 

هل يريد ترامب من الاتفاق، تفادي المزيد من الخسائر النفطية أم أنه يؤجل الحرب في زمن المونديال، أو أنه بات عاجزاً عن الحسم في إيران بسبب التعقيدات الجغرافية ومضيق هرمز؟ أم أنه يبحث عن طريقة مواربة لإنهاء الحرب؟ وهل فعلاً ورطه "الشيطان الأصغر"؟ أسئلة كثيرة تسأل من دون جواب واضح وسط جعجعة التصريحات والانتصارات اليومية في طهران والبيت الأبيض وتل أبيب وحارة حريك. والسؤال الذي يُطرح أيضاً، اذ كان ترامب رضي بهكذا اتفاق يحتاج شهرين من المفاوضات لإتمامه، لماذا ألغى اتفاق أوباما؟ هل يشن الحرب من أجل الحرب أم يشعل الحروب من أجل شركات السلاح، أم الحرب من أجل الشركات النفطية العملاقة، ذلك أن تكلفة الاضرار التي لحقت بقطاع النفط أكثر بكثير من ثمن الأسلحة.


بخصوص لبنان، الصورة غير واضحة في الاتفاق بغض النظر عن انتصارات النائب محمد رعد ودروسه وبطولات الشيخ نعيم قاسم، مع خصائل الخسائر كبرى والبلد متروك للتكهنات وضرب المندل. سمسار العقارات تصرّف مع الدولة اللبنانية على مبدأ أغنية "دخل عيونك حاكينا" للفنانة صباح، التي تقول "وصلتنا لنص البير وقطعت الحبلة فينا"، وهذا الواقع المر، غالباً ما تمارسه واشنطن في تعاطيها مع حكام لبنان. في حرب 58، بعدما طلب كميل شمعون نجدة الإدارة الأميركية، وقد وصلت قوات المارينز إلى منطقة الرملة البيضاء، لم تنقذ شمعون بل أعطته الشمسية إلى حين سقوط المطر أخذتها منه، وعقدت تسوية مع خصمه جمال عبد الناصر. 

 

وفي السبعينات، أُغرق لبنان بنظريات هنري كيسنجر وجلها كانت في خدمة النظام السوري الأسدي، وتمّت الصفقة الأميركية الكبرى في الحاق لبنان بالكامل بسوريا بعد حرب الخليج 1991، واليوم يتصرف ترامب مع لبنان بشيء من خفة التي لا تحتمل، على طريقته التهافتية، فهو عدا الاتفاق مع إيران الذي ربّما(والله أعلم) يكرس جنوب لبنان كأنه حدود ايران ويشكل صاعقاً متفجرا في أي وقت، لحرب لم تنته في الأساس بسبب الاحتلال والغارات اليومية. مرة يريد السلام بالبارشوت بين نتنياهو وجوزاف عون، ومرة يريد الاتصال بحزب الله، وساعة يضع سليمان فرنجية على لائحة العقوبات. وأكثر من ذلك، في لحظة لا يبدو أنه يفهم أي شيء في الواقع اللبناني، ويريد ترك حل مسألة سلاح حزب الله للرئيس السوري أحمد الشرع، كأنه يدعو لحرب أهلية جديدة، والغريب في هذا السياق، عدم اهتمام معظم السياسيين اللبنانيين بهذه التصريحات، ولم نسمع سوى إدانة واحدة من الأحزاب اللبنانية السيادية.


أما بيانات حزب الله ونتنياهو المتحاربين، في ما يخص الاتفاق الإيراني الاميركي، يجعلنا نسأل سؤال الباحث أحمد بيضون في كتابه "الصراع على تاريخ لبنان" هل لبنان موجود بالنسبة إلى حزب الله وإسرائيل؟ في عرفهما هناك "خرائط أيديولوجية سائلة" للبلدان، وهما غير معنيين بأن لبنان موجود وله دستوره وحدوده وقوانينه وسكانه. 

 

بالنسبة لإسرائيل، فهي تربط حدودها بأمنها ولا تتوقف عن أطماعها التوسعية، تمارس الاغتيالات وتشن الهجمات حيث يتسنى لها وتحتل أجزاء من سوريا ولبنان عدا فلسطين وإعادة السيطرة على غزة. أما حزب الله الذي يتواجد في جنوب لبنان ومناطق أخرى، فيشعل حرب أسناد من أجل إيران، يشن الهجوم تلو الهجوم على المفاوض اللبناني ويخونه، بينما ينتظر نتائج المفاوضات الإيرانية الأميركية، وغير معني بحصائل الحرب وخرابها ودمارها وعدد قتلاها، يتصرف كأنه جزء لا يتجرأ من إيران، لكنه يريد الشراكة مع الدولة اللبنانية، ويريد اخضاعها لمنطقه.

 

وفي حين يردّد حزب الله بأنه لولا المقاومة لكان العدو أصبح في بيروت، يعلن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف على الملأ بأن 4 آلاف شهيد من لبنان سقطوا دفاعاً عن إيران.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث