"مع جاك بيرك..آخر المستشرقين": وجه آخر لحب العرب

جان جبورالخميس 2026/06/18
جاك بيرك
يعيد إلى الواجهة صوتاً فكرياً ظل حاضراً في الذاكرة العربية زمناً طويلاً
حجم الخط
مشاركة عبر

ليست قيمة كتاب شربل داغر الجديد، "مع جاك بيرك... آخر المستشرقين (حوارات)" (المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، 2026)، في أنه يجمع سلسلة من الحوارات التي أجراها المؤلف مع أحد أبرز المستشرقين الفرنسيين في القرن العشرين، بل في أنه يعيد إلى الواجهة صوتاً فكرياً ظل حاضراً في الذاكرة العربية زمناً طويلاً، قبل أن يتراجع حضوره في العقود الأخيرة. فالكتاب لا يقدم جاك بيرك بوصفه موضوعاً للبحث أو شخصية من الماضي، بل يعيده إنساناً حياً يتكلم، ويتذكّر، ويعيد النظر في تجربته الفكرية والسياسية والثقافية.

 

منذ الصفحات الأولى ندرك أننا لا نقرأ مجرد حوارات صحافية. فشربل داغر يسبقها باستهلال طويل يروي فيه كيف دخل جاك بيرك إلى حياته منذ وصوله إلى باريس في سبعينيات القرن الماضي، وكيف تحولت المعرفة الأكاديمية إلى صداقة وحوارات ولقاءات امتدت سنوات طويلة. ولهذا يبدو الكتاب في جانب منه شهادة شخصية أيضاً؛ شهادة مثقف عربي عرف الرجل عن قرب، وعاين سنواته الأخيرة، واحتفظ بشيء من صوته وحضوره في هذه الصفحات.

 

كتاب يتجاوز الحوارات

تنبع أهمية هذا الكتاب من أنه لا يكتفي باستعادة نصوص منشورة ومتفرقة، بل يحيطها بسياق فكري وإنساني واسع. فالاستهلال الذي كتبه شربل داغر يكاد يشكل سيرة موازية لجاك بيرك، يضيء محطات حياته الكبرى، ويعيد رسم ملامح شخصيته ومساره العلمي، من الجزائر والمغرب ومصر، إلى الكوليج دو فرانس، وصولاً إلى سنوات الاعتزال والتأمل في قريته الواقعة في جنوب فرنسا. ولا يكتفي داغر بسرد الوقائع، بل ينجح في إظهار ذلك التداخل النادر بين السيرة الشخصية والسيرة الفكرية. فالقارئ لا يتعرّف إلى مؤلفات بيرك فحسب، بل إلى الرجل الذي كتبها، وإلى شبكة العلاقات والصداقة والحوار التي نسجها مع عدد كبير من المثقفين العرب. لهذا يبدو الكتاب أشبه بلقاء متأخر مع جاك بيرك أكثر مما يبدو تجميعاً لأحاديث صحافية.

غلاف

لماذا "آخر المستشرقين"؟

يستوقف القارئ منذ البداية عنوان الكتاب: "آخر المستشرقين". فهل كان جاك بيرك حقاً آخرهم؟ قد يكون الجواب نعم من حيث انتماؤه إلى الجيل الكلاسيكي الكبير للاستشراق الفرنسي، ذلك الجيل الذي ضم أسماء لامعة تركت بصمتها في دراسة العالم العربي والإسلامي. لكن الجواب يصبح أكثر تعقيداً حين نتأمل طبيعة تجربة بيرك نفسها. فالرجل لم يكن مستشرقاً بالمعنى التقليدي للكلمة. لم يأتِ إلى الشرق من الخارج بحثاً عن موضوع للدراسة، بل وُلد في الجزائر سنة 1910، وتكوّن وعيه الأول في بيئة عربية وأمازيغية متعددة اللغات والثقافات. كانت العربية جزءاً من طفولته قبل أن تصبح موضوعاً لبحوثه. ولهذا بدا مختلفاً عن كثير من أبناء جيله الذين عرفوا الشرق عبر الكتب والمخطوطات أكثر مما عرفوه عبر الحياة اليومية. ولعل أفضل ما يفسر هذه الفرادة قوله في إحدى الحوارات: "لست مؤرخاً، ولا رحالة، أو حتى مستعرباً. أرفض كل هذه التوصيفات. كل ما هنالك إني وقعت في حب منطقة وشعوبها وتاريخها". في هذه العبارة القصيرة يتجاوز بيرك صورة المستشرق التقليدي ليصبح أقرب إلى شاهد على عالم عاشه أكثر مما درسه.

 

من المراقبة إلى المعايشة

تكمن فرادة جاك بيرك في أنه لم يتعامل مع المجتمعات العربية بوصفها موضوعاً خارجياً للملاحظة. لقد عاش بينها، وعمل في إداراتها المحلية، وخالط فلاحيها وسكانها، ودرس أنظمتها الاجتماعية من الداخل. فبيرك لم يكن ذلك الباحث الذي يزور الميدان ليجمع المعلومات ثم يعود إلى مكتبه الأوروبي، بل كان أقرب إلى شخص يعيش التجربة نفسها التي يدرسها. لقد اختار الانغماس في المجتمع لا مراقبته من بعيد. ولعل هذه الخاصية هي التي تفسر المكانة التي احتلها في الوعي العربي. فالعرب لم يروا فيه مجرد مستشرق، بل رأوا فيه باحثاً حاول أن يفهمهم من داخل تاريخهم وثقافتهم، لا من خلال الصور الجاهزة أو الأحكام المسبقة. بل إن هذا الانغماس تجاوز البحث العلمي نفسه. فقد تحوّل بيرك تدريجياً من أستاذ جامعي إلى مثقف معني بالشأن العام، متابع لقضايا الاستقلال والتحرر، ومشارك في النقاشات الفكرية والسياسية الكبرى التي عرفها العالم العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

edward_said_1999_dpa_akg_1.jpg

سجال لم يُحسم مع إدوارد سعيد

من أكثر محطات الكتاب إثارة تلك المتعلقة بعلاقة جاك بيرك بإدوارد سعيد وكتابه الشهير "الاستشراق"، فالقارئ يكتشف في هذه الحوارات أن بيرك لم يكن مرتاحاً إلى الطريقة التي عالج بها سعيد تاريخ الاستشراق الأوروبي. صحيح أن سعيد استثناه، مع قلة من المستشرقين، من أحكامه القاسية على الاستشراق، لكن بيرك لم ير في هذا الاستثناء تكريماً خاصاً، بل وجد في أطروحة سعيد نفسها تبسيطاً لتاريخ طويل ومعقد. ولم يتردد في الاعتراض على عدد من استنتاجاته، معتبراً أن نقد الاستشراق لا ينبغي أن يتحول إلى إدانة شاملة لكل الجهد المعرفي الذي بذله باحثون كرسوا حياتهم لدراسة اللغة العربية وثقافتها. تكشف هذه الصفحات عن سجال فكري حقيقي، بعيد عن الأحكام المتسرعة. كما تكشف عن مفارقة لافتة: فالرجل الذي انتقده سعيد ظل بالنسبة إلى كثير من العرب أقرب المستشرقين إليهم، وأكثرهم تعاطفاً مع قضاياهم.

 

الإنسان خلف الباحث

من أجمل ما في الكتاب أنه يتيح لنا رؤية الوجه الإنساني لجاك بيرك. نراه هنا بعيداً عن صورة الأستاذ الجالس خلف مكتبه. نراه يستعيد ذكريات الطفولة، ويتحدث عن القرى المغاربية، وعن أصدقائه العرب، وعن علاقاته بعدد كبير من المثقفين والكتاب. ونكتشف حجم حضوره في الحياة الثقافية العربية الحديثة، سواء من خلال صداقاته أو من خلال دعمه وترجماته ومقدماته لكثير من الأعمال الأدبية. ويكفي أن نعلم أن علاقته بأدونيس تعود إلى بدايات الستينيات، وأنه أسهم في تسهيل إقامته الباريسية، لندرك حجم تداخل سيرته مع تاريخ الثقافة العربية الحديثة.

Adounis -ph M Assaf05.JPG

في هذه الصفحات لا يظهر بيرك باحثاً فقط، بل إنساناً يحمل قدراً كبيراً من الفضول والتعاطف والانفتاح، وهي صفات أسهمت في صنع صورته الخاصة لدى أجيال من المثقفين العرب.

 

القرآن... الوصية الأخيرة

إذا كان ثمة فصل يلخص مسار جاك بيرك كله، فهو الفصل المتعلق بالقرآن الكريم. فبعد عقود طويلة أمضاها في دراسة المجتمعات العربية والإسلامية، عاد في سنواته الأخيرة إلى النص الذي يشكل أحد المفاتيح الكبرى لفهم تلك المجتمعات. لم تكن هذه العودة دينية بالمعنى المباشر، بل كانت عودة ثقافية وفكرية إلى المصدر الذي رأى فيه أساساً من أسس الحضارة التي رافقها طوال حياته. لهذا لا تبدو ترجمته لمعاني القرآن الكريم مجرد عمل لغوي أو أكاديمي، بل أشبه بخلاصة مسار كامل. وكأن الباحث الذي بدأ رحلته بين القبائل والفلاحين والبنى الاجتماعية انتهى إلى النص المؤسس الذي منح تلك العوالم كثيراً من معناها التاريخي والروحي. وليس من قبيل المصادفة أن يصف بيرك هذا المشروع بأنه وصيته الأخيرة.

 

ما الذي يبقى من جاك بيرك؟

تكمن أهمية كتاب شربل داغر في أنه لا يكتفي بتوثيق مرحلة من تاريخ الاستشراق الفرنسي، بل يطرح سؤالاً أكثر راهنية: ما الذي يبقى اليوم من تجربة جاك بيرك؟ في زمن تتسع فيه الهوة بين الثقافات، وتتراجع فيه مشاريع الحوار العميق، تبدو العودة إلى هذه الشخصية الفكرية مناسبة لإعادة التفكير في معنى المعرفة بالآخر. فقد أمضى بيرك حياته كلها محاولاً بناء جسر بين ضفتي المتوسط، مؤمناً بأن الفهم المتبادل ليس ترفاً ثقافياً، بل ضرورة إنسانية. ربما لهذا السبب لا تكمن أهمية جاك بيرك في كونه "آخر المستشرقين"، بل في كونه واحداً من القلائل الذين حاولوا تجاوز الاستشراق نفسه، والانتقال من دراسة العرب إلى محاورتهم، ومن مراقبتهم إلى العيش بينهم. وإذا كان شربل داغر قد نجح في إعادة جاك بيرك إلى الكلام بعد ثلاثة عقود على رحيله، فلأن كثيراً من الأسئلة التي شغلته لا تزال مطروحة حتى اليوم. ولعل العبارة التي تلخص حياته الفكرية كلها هي قوله: "إيماني لا يزال حيّاً بقيام لقاء أساسي بين الشرق والغرب". عبارة تبدو اليوم أقل يقيناً مما كانت عليه في زمنه، لكنها تجعل العودة إلى جاك بيرك أكثر إلحاحاً لا أقل.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث