"مساحات شعرية": أرواح الأرض وجذور انتماءاتنا

فاطمة بزيالأربعاء 2026/06/17
من أعمال زينة عاصي
من أعمال زينة عاصي
حجم الخط
مشاركة عبر

بالكاد يُرَى النهر الذي رسمه الفنان جاك فارتبيديان شاقًا مساره بين الأراضي. فالنهر جف ماءه في لوحته، لكن اللوحة هي استكماله إذ يبدأ النهر من الأرض حيث أضاف قطعة منه أمام اللوحة بمائه الجارية، فتعطي أملًا بالحياة التي ما زالت ممكنة.
 

افتتح غاليري "تانيت" معرضه "مساحات شعرية" الذي ضمّ أعمالًا لفنانين لبنانيين وعالميين. وُلدت فكرة المعرض من مديرة الغاليري السيدة نائلة كتانة كونيغ لأنها فكرت أن لبنان بحاجة لشيء متفائل بسبب ما يمر به.
"الأرض لديها شيء ثمين، نحبها، ترتبط بقصتنا. حتى أن الأجانب بيننا يلتقطون صورًا لأرز الرب". تقول السيدة نائلة. ترى أن لبنان يمر في "مصيبة"، ولذلك جمعت مع فريق الغاليري، أعمال اثنين وعشرين فنانةً وفنانًا في وقت يتعرض له الوطن بأرضه وطبيعته وسكانه للتدمير، لتعطي وميضًا من التفاؤل. تعتقد أن توقيت المعرض جيد تمامًا بسبب الحرب التي يمر بها لبنان، والتي تجدها غير مقبولة.
سماء بيروت في لوحة الفنانة زينة عاصي، فوضوية ومتعكّرة. تبدو كأنها تتعرض لإعصار أو عاصفة تأكل المدينة. أما أبنية بيروت فمتراكمة ومتراصفة ومتكدسة فوق بعضها.
 

غسان زرد
غسان زرد

 

في صورة الفنانة رانيا مطر، تجلس الفتاة الجميلة على صخرة قرب البحر. تحيطها مياهه الملوثة بالقمامة. الصورة من ضمن مشروع كتاب 

"لوين روح؟" الذي بدأت به مطر بعد انفجار مرفأ بيروت (آب/ أغسطس 2020) حيث بدأت تتعاون مع النساء في لبنان التي رأت فيهن انعكاسًا لذاتها. في الصورة المعروضة تقدم الفنانة رانيا واقع لبنان وتسميه أثناء مقابلتها مع "المدن" "الجميلة والوحش". تعتقد أن الشاطئ اللبناني جميل جدًا لكن الناس يرمون القمامة فيه. لا تحاول مطر "رمسنة" لبنان (من رومانسية). ما صورته هو جزء من واقعه. وتؤمن أنه لطالما كانت الثنائيات المتناقضة موجودة فيه، حيث يسكن بعض اللبنانيين المهجرين الآن في الخيم بينما آخرون يتناولون العشاء الفاخر في مكان ما.
 

تعيش الفنانة رانيا في الولايات المتحدة، وكتابها يمنحها الفرصة للتكلم عن لبنان وعما يحدث فيه هناك، خصوصاً أنها تعيد نشره هذه السنة. وترى في أولئك النساء الإلهام، من خلال علاقتهم بهذا الوطن وهذه الأرض حيث سافر بعضهن ثم عدن إليها. ترى في ذلك التزامًا اتجاه الوطن وأرضه.

العمل على هذا الكتاب تضمن ثقلًا لما في محتواه. كذلك يتضمن وجه لبنان الجميل والأخاذ. تلتقط في صورة أخرى شاركت فيها في المعرض، فتاةً بفستان أخضر يبدو للرائي أنه امتداد لألوان الطبيعة المحاطة بها. التقطت الصورة في منطقة كعكة كنعان الجبلية، حيث تبدو الفتاة جزءًا من الأرض المستلقية عليها. تعتقد الفنانة رانيا أن هذه الصورة مرتبطة جدًا بالحرب القائمة، لتعلق أهل الجنوب بأرضهم ووطنهم.
 

يشارك الفنان عبد القادري بخمس لوحات يجمعها لون ناري. في لوحته الكبرى التي عُرضت سابقًا في معرضه "أغمض عينيك حتى تراني"، استخدم الفحم لرسم الطبيعة والأشجار والنباتات. تتسلل بعض النباتات الملونة وأزهارها، ربما، كبصيص أمل في الحياة التي ستزهر يومًا ما. تتضمن لوحاته كتابات وكلمات يغطيها بطبقات من الرسم. لكنها أسراره التي دسّها فيها كما يقول في حديثه لـ"المدن". يؤمن الفنان عبد القادري أن اللوحة عبارة عن كائن لديه حياته الخاصة بمجرد خروجها من نطاق رسّامها. سأله أحدهم إذا ما كان الفحم الذي يستخدمه "يهرّ" (يتساقط)، فأجابه: "ما نحنا عم نهرّ". ويرى أن استخدام الفحم يمثل جزءًا من الهشاشة التي يعيشها لبنان.
 

Arcangelo, Paesaggio, 2023, Mixed Media On Canvas, 24 Cm X 30 Cm.jpg (1)

يرى الفنان عبد القادري أن مفاهيم التاريخ والتراث والذاكرة والانتماء هي عناوين ومواضيع إنسانية ووجودية لا يعشيها اللبنانيون فقط، بل هنالك الكثير من البشر الذين يختبرونها. ويرى أن الخلل اليوم أصبح في هذه المفاهيم والقيم الذي تعيشه الإنسانية في المجمل، والذي صار أكثر وضوحًا بعد حرب غزة ولبنان. يؤمن بالتواصل العاطفي والفكري للفنان مع هذه الأحداث والإشكاليات التي تطرحها. ويعتبر أنه أمر بالغ الأهمية للفنان أن يكون واعيًا للمنطق الذي يتغير فيه العالم والقيم الإنسانية. وكلما عمل الفنان على وعيه، سينعكس ذلك في عمله. وبذلك يقدّم أعمالًا تتجسّد فيها هذه التحولات على مستوياتها السياسية والاجتماعية.
 

يشارك المصور الفرنسي فرانك كريستان بصورة التقطها لـ"أرز الرب" المتشعب والشامخ. أما الرسام الإيطالي أركانجيلو فلوحته تجسد طريقًا ريفيًا يبدأ من مكان مظلم لاستخدامه اللون الأسود. لكنه يتدرج إلى سماء زرقاء هادئة تبعث على الأمل، وأطياف بيضاء تتخذ الطريق الترابي مسلكًا لها، علَّ غمامة الحرب السوداء على لبنان تنجلي عما قريب.
 

"مساحات شعرية" معرض عن علاقة الإنسان بأرضه والطبيعة، بوطنه وانتمائه وجذوره. هو دعوة من غاليري تانيت وفناناته وفنانيه للتوقف والتأمل في الأرض وما تقدمه، في ظل الأزمات السياسية والحروب، والحياة المتسارعة التي تسرق من الإنسان تلك اللحظات بفعل إغراءات العالم الحديث العابرة.

 

(*) يستمر المعرض في الغاليري حتى التاسع من تموز/ يوليو في مار مخايل، بيروت.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث