مع أني لستُ مشجعاً كروياً ولست مواظباً على مشاهدة مباريات مونديال كأس العالم، وأعتبر نفسي سريع الملل من أي شيء واتفادى تشجيع أي منتخب حتى لا أتورط في دراما الربح والخسارة والزكزكة الجماهيرية، لكن حين أتابع من خلال الفايسبوك، لقطات متفرقة من المباريات وتسجيل بعض الأهداف، أجد فيها حياة كاملة وشيء أقرب إلى الخيال تصنعه لغة الاقدام والأجساد الرياضية، شيء من طرب بصري إذا جاز التعبير، خصوصاً حين يعاد التصوير من أكثر من زاوية، وتعرض الأهداف على البطيء. ففي اللحظات المثيرة، الكرة تتدحرج وتنطلق مثل فكرة فلسفية مثل قصيدة لامعة، والجمهور يكون في لحظة "أفيونية" صوفية طقوسية متوحدة، وربما غوغائية، مع الغبطة والشعور بالانتماء والهويات القومية والإقليمية، والمفارقة أن لبنان، على نحو ما هو بلد القناصل والسفارات، فهو بلد مونديال العالم، تتوزع فيه أعلام المنتخبات العالمية، ولكل منتخب جمهوره خصوصاً تلك العريقة منها مثل المانيا والبرازيل والأرجنتين وحديثًا اسبانيا وفرنسا... ولم يتردد بعض الجمهور اللبناني المتعدّد في تكسير المقاهي والكراسي بسبب خسارة فريق المحبّب، أو اطلاق الرصاص والمفرقعات من أجل فريق آخر.
كرة القدم المستديرة هي مجاز الكرة الأرضية في كون الملعب المستطيل وعلى العشب الأخطر أمام جمهور الاستاد وجمهور الشاشات والانترنت، ولم يخطئ الفيلسوف الإنكليزي ومشجع نادي ليفربول سيمون كريتشلي حين أكد في كتابه "فيم نفكر عندما نفكر في كرة القدم" أن اللعبة تحتاج اليوم إلى شعرية تقوم على إبراز ما تتحلى به كرة القدم من جمالية. وهو يرى أن مشهد دخول الملعب أشبه بمشاهده فيلم سينمائي تختلط فيه الحقيقة مع الخيال، كل شيء يبدو نابضاً بالحياة، حتى الكرة تبدو حية تجري، ويبدو أنها تُعقل نفسها وتتمتع بنوع من الذكاء والوعي.
وعدا السينما، كرة القدم "مجاز عن الحياة" يقول سارتر، ويقصد بذلك أنها تجريد لعدد من المعاني مثل الصراع والانتصار والهزيمة، مثل الرفاق والخصوم، ومثل الجمال والبراغماتية. ويرد عليه الإيطالي جوفيني بأن "الحياة مجاز كرة القدم"، أما الشاعر المخرج الإيطالي بازوليني، فقد وجد فيها لغة تقوم على منظومة من الرموز، وقال بأنها من أعظم المتع بالنسبة له، وتغني المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، بكرة القدم ووصفها بأنها "مملكة الوفاء البشري التي تمارس في الهواء الطلق". وأبعد من لغة الحياة والمشهدية السينمائية، وفيلم الملاعب الذي يشاهده الملايين عبر الشاشات العملاقة في قارات العالم، ليست الكرة بعيدة عن السياسات وصناعة الهويات الضيقة في مقابل الاقتصاد والمعولم والشركات العملاقة، باعتبار الكرة أبرز لحظات "مجتمع الفرجة"(غي ديبور)، إضافة إلى مجاز الحروب.
يرى الروائي الأميركي بول أوستر أن الكرة "بديلاً عن سفك الدماء" وأن "الدول اليوم تخوض حروبها في ملاعب كرة القدم، بجنود يرتدون سراويل قصيرة. ورغم أنه يفترض أن هذه لعبة، وأن المتعة هي هدفها، غير أن الذكريات المرعبة لعداوات الماضي تخيِّم على كل مباراة، وكلما سُجّل هدف ترددت أصداء الانتصارات والهزائم القديمة"، يشير أوستر الى أن عنف هذه الرياضة لم يكن وحده سبب انزعاج الملوك القدامى، لأنهم في الواقع كانوا أيضًا يخشون من أن يؤدي كثيرًا من الانغماس في هذه اللعبة الى إلهاء الناس عن الوقت المخصص للتدرب على الرماية، وأن المملكة بذلك ستصبح أضعف في استعدادها العسكري لمواجهة الغزو الخارجي". ولم يكن الكاتب البريطاني جورج أورويل ببعيد عن أوستر في وصف كرة القدم قائلاً بأنها "حرب دون إطلاق نار"، معتبراً أن الرياضة الدولية الحديثة تحولت إلى ساحة رمزية تتواجه فيها الأمم. ورأى أنها تثير الكراهية وتغذي المشاعر القومية والتعصب بدلاً من تعزيز السلام والتقارب بين الشعوب. أما الكاتب الأرجنتيني إرنستو ساباتو فقال: "كلما زادت قذارة السياسة، زادت روعة كرة القدم".
والحال أن تعريفات كرة القدم لا تعد ولا تحصى، بين السحر والنقد والتفسير والوصف والتأويل والأبعاد والدلالات والحكايات والاسقاطات، هي لعبة المتع...




