الذاتية عند شيموس هيني: الهوية تبدأ إرثاً وتنتهي علاقة

علي هاني شمس الدينالثلاثاء 2026/06/16
شيموس هايني
مسألة الهوية تبلغ ذروتها في علاقة هيني باللغة الإنكليزية
حجم الخط
مشاركة عبر

 لا ينفصل إنجاز شيموس هيني (1939-2013) الشعري عن مسألة الهوية، غير أن هذه الهوية لا تُطرح عنده بوصفها بناءً يتشكّل داخل التجربة الشعرية، بل معطىً سابقاً على الكتابة: ذاتاً تاريخية وثقافية وعائلية مثقلة بالانتماء والذاكرة والمسؤولية. فقصيدته لا تُنتج هذه الذات ولا تكتشفها، بل تدخل معها في حوارٍ طويل ومضنٍ، تحاول من خلاله فهم حدودها، وإعادة التفاوض مع أعبائها، وتوسيع أفقها الإنساني دون إنكار جذورها الأولى. وُلد هيني في أيرلندا الشمالية لعائلة كاثوليكية، وترعرع وسط توترات بلد منقسم وبيئة ريفية مزارعة، قبل أن يقوده مساره التعليمي إلى الأكاديميا في بلفاست ودبلن ثم إلى مؤسسات دولية مرموقة في أوكسفورد وهارفرد. غير أنّ هذا الانتقال لا يظهر في شعره بوصفه تحرّراً فردياً من الأصل، بل توسّعاً قلقاً لهوية قائمة تبحث عن لغة قادرة على تحمّلِها، بحيث تصبح الكتابة مسعىً لإعادة فهم هذه الذات لا لتكوينها من جديد وانسلاخها عن الأصل. 


ذاتية هيني لا تقوم على بنية فردية صلبة أو أحادية، بل على تركيب داخلي تتداخل فيه طبقات العائلة، والمجتمع، والتاريخ، وجغرافيا المكان، واللغة. غير أن هذا التركيب لا يعني تشتّتاً أو تفكّكاً، بل تماسكاً بنيويّاً بين المكونات في شبكة علاقات نشأت فيها الذات وتحرّكت عبرها. فهذه الطبقات لا تتراكم بوصفها عناصرَ منفصلة، بل تتشابك لتشكّل محيط الإدراك نفسه، بحيث لا يمكن فصل «الأنا» عن شروط عيشها. ومن هنا، لا تبدو الذات عنده جوهراً مغلقاً ولا بنية متشظية، بل نقطةَ التقاء حيّة بين انتماءات متعددة تُعاد صياغتها باستمرار دون أن تفقد ترابطها الداخلي. فوعيه المبكر بالريف، وبإرث العمل اليدوي، وبالانقسام السياسي، لا يُلغى في الشعر، بل يُعاد ترتيبه لغوياً ليحافظ على تعدّده ضمن وحدة قابلة للفهم والمساءلة.


العائلة والعمل: الإرث الأول للذات
بدأت ملامح هذه البنية المركّبة تظهر بوضوحٍ في الحضور الكثيف في أعماله للعائلة بوصفها الجماعة الأولى التي تتشكّل داخلها الذات. فديوانه الأوّل « Death of a Naturalist »  عام 1966 — الذي يمكن ترجمته تأويليّاً بـ «موتُ الفِطرة»، لا بمعنى الفطرة الإنسانية العامة، بل بوصفه أفول النظرة الطفولية الأولى إلى الطبيعة وانحسار دهشتها — يشكّل نقطة انطلاق حاسمة في تشكّل وعيه الشعري. ولا سيما في قصيدة «Digging/حَفرْ» حيث يبدأها بتثبيت فعل الحَفر كاستمرار لعمل الأهل في الزراعة: «بين إصبعي وإبهامي/يستقرُّ قلمٌ مكتنِز/مُحكَمٌ كأنّه مسدّس» ولكن هيني يُجاهِر في نهاية القصيدة أنه سيُكمل المسيرة بهذه بالكتابة: «بين إصبعي وإبهامي/يستقرُّ قلمٌ مكتنِز/سأحفر بهِ». وفي هذا يعلن الشاعر اختلافه المهني عن سلالة المزارعين، لكنه يفعل ذلك من موقع الوفاء لا القطيعة؛ فالحفر يستمر، غير أن مادته تنتقل من الأرض إلى اللغة. اللغة هنا لا تُنتج الوعي بالذات، بل تحمله وتضعه موضع اختبار دائم: كيف يمكن تحويل إرث العمل اليدوي إلى صنعة لغوية دون خيانته؟  وفي قصيدة « Follower/ المُتابع»، لا يُقدَّم العائلة بوصفها موضوعاً نوستالجيّاً، بل كنظام من القيم والمعرفة وإيقاع العمل. الأب ليس رمزاً أخلاقياً مجرداً، بل حاملاً لمهارة ودقة وطريقة في النظر إلى الزمن، فيبدأ القصيدة بـ: «كان أبي يعمل بمحراثٍ تجرّه الخيول/ كتفاه مُدوَّرتان كالشراعِ المشدود بين ذراعَي المحراثِ والأثلام» ولكن هيني يسير بالقصيدة ليُقدّم الإرث بما هو عمليّة تبادل للأدوار، حيث يختمها ب: «كلُّ ما كنتُ أفعله/ أن أتبعه في ظلّه العريض حول المزرعة/ كنتُ عبئاً، أتعثّرُ وأسقط، /أُثرثرُ دائمًا /لكن اليوم/ أبي يتعثّر خلفي/ ولا يختفي». هذا التبادل في الأدوار هو تعميق للإدراك بأنه يتلمّس إرث العائلة عبر تصوير التلمذة والعجز الأولي، حيث إن عدم التطابق مع الأصل لا يولّد أزمة، بل يؤكّد أن الذات تبدأ من وعي هذا التفاوت لا من إنكاره.


وتبلغ أسبقية الذات العائلية ذروتها في قصيدة «عطلة نهاية الفصل/ Mid-Term Break»، حيث يرثي فيها هيني أخاه الصغير. وهنا لا يضعنا الشاعر أمام رثاء تقليديٍ، بل أمام اختبار قاس لحدود اللغة: «جلستُ طوالَ الصباح في /… /المدرسة، / أعدُّ الأجراسَ تُنهي الحصصَ…/عند الثانية، أعادني الجيران إلى البيت/ في المدخل، التقيتُ أبي وهو يبكي/… وجيم إيفانز الضخم يقول إنها ضربةٌ قاسية/…/ حين دخلتُ، وشعرتُ بالحرج/من رجالٍ مسنّين ينهضون لمصافحتي/ ويقولون إنهم (يأسفون لمصابي) /وكانت الهمساتُ تُخبر الغرباء أنني الابن الأكبر، / كان في المدرسة/ بينما كانت أمي تمسك يدي/ وتسعُلُ بتنهّدٍ غاضبٍ بلا دمع/عند العاشرة وصلت سيارة الإسعاف بالجثمان/ مُوقَفَ النزف ومضمّداً على يد الممرّضات/ في صباح اليوم التالي صعدتُ إلى الغرفة/ زهور قطرات الثلج والشموعُ هدّأت المكان عند السرير/ رأيتُه للمرة الأولى منذ ستة أسابيع/ أشدَّ شحوباً الآن/ وعلى صدغه الأيسر كدمةٌ كزهرة الخشخاش/كان مستلقيًاً في صندوقٍ بطول أربعة أقدام/ كما في مهده / لاجروحَ فاقعة /لقد أطاح به الاصطدام مباشرةً/ صندوقٌ بطول أربعة أقدام/ قدمٌ لكل سنة».
 

القصيدة لا تحاول اكتشاف الحزن أو تفسيره، بل تحاول احتماله لغوياً. الجمل قصيرةٌ وتقريريةٌ، والمشاهد تتقدَّم بلا تعليق انفعالي، فيما يشبه بلاغة الصمت، ولكنها ليست بلاغة تقنية، بل تدارك مبكر بأن اللغة لا تملك إمكانية التفسير الكامل للفقد. العائلة عند هيني لا تُنتج هوية جديدة في هذه اللحظة، بل تدخل في منعطف تكتشف من خلاله هشاشة هوية قائمة.  وهذا اكشاف مبكر لحدود لغته أمام الألم، حيث تظهر التجربة بوصفها مشاطرة للألم بين أفراد العائلة، لا مختزلة في صوت واحد. وهذا أولى مداخل قصيدة هيني إلى الجمع، وفيه استنتاج شعري مفاده أن القول لا يمكنه ان يوازي دائما الألم، ولكن الألم يقسّم بين الأفراد. 


المكان والعيش: الأرض خارج الأسطورة
وفي مكان آخر يظهر المكان في أعمال هيني كبناء محلّي بعيد عن الأسطورة، إذ يبدو كانّه مراكمة للعيش والحركة، حيثُ تبقى الطبيعة «على طبيعتها» بما هي تحدّ للعيش لا ملاذاً رمزيّاً لشيء أكبر منها.  ففي« Bogland/أرض المستنقعات» مثلا يقول هيني: «ليست لدينا براري تشطر شمساً كبيرةً عند المغيب/ ففي كل مكان يستسلم النظرلأفق زاحف/ ويُستدرجُ إلى عين عوراء:/ بحيرة جبلية معتمة / بلادنا بلا سياج/ مستنقعٌ يراكم قشرته تحت مرأى الشمس / أَخرجوا الهيكل العظمي للأيل الإيرلندي العظيم من الخثّ / ووضعوه صندوقاً مدهشاً مملوءاً بالهواء/ وزُبدةٌ طُمرت تحت أكثر من مئة عام/ استُعيدت مالحةً وبيضاء/ والأرضُ نفسها طيّبة/زبدةٌ سوداء/تذوب وتنفتح تحت الأقدام/ينقصها تعريفها الأخير بملايين السنين/ …».


هيني يتعامل مع المكان بوصفه مادّة حيّة وتاريخاً متراكماً، لا فضاءً أسطورياً متعالياً. فالقصيدة، على الرغم من احتوائها إشارات بدائية وتاريخية، لا ترفع الأرض إلى مرتبة الرمز القومي أو الميتافيزيقي، بل تُبقيها في مستوى الكثافة الحسية والجيولوجية. المستنقع عند هيني لا «يُمثّل» أيرلندا بقدر ما يُجسّد مادّتها الفعلية: رطوبة، وتراكماً، وتحلّلاً بطيئاً، واحتفاظاً عضوياً بآثار الزمن. فالمكان الأيرلندي ليس فضاءً بطولياً واسعاً، بل أرضاً منخفضة وغائرة تُجبر النظر على الانحناء نحو الداخل. الأفق هنا «زاحف»، والنظر يُستدرج إلى البركة الراكدة كعين عوراء، لا إلى امتدادٍ رومانسي. الطبيعة ليست مسرحاً للتسامي، بل تضاريس تُقاوم الرؤية نفسها. ولهذا لا يظهر المستنقع بوصفه رمزاً قومياً جاهزاً، بل بوصفه بنيةً تحفظ طبقات الزمن داخل مادتها. فالأرض عند هيني تحفظ التاريخ، لكنها لا تمجّده.


وبهذا يظهر تأثير باتريك كافاناه (1904 - 1967) شاعر أيرلندا الكبير كمؤثّر حاسم في تشكيل موقف هيني من مسألة المحليّة. لم يقدّم كافاناه الريف كمادة للتمجيد القومي ولا مدخلاً إلى خطاب أسطوري، بل واقعاً أخلاقياً مكتفياً بذاته، يمكن أن يحمل توتّراً وجودياً كاملاً دون حاجة إلى تضخيم رمزي او أسطوري. ففي قصيدة «Epic/ملحمة» يُفكَّك كافاناه مفهوم «الملحمي»: «عشتُ في أمكنة مهمّة/ في أزمنة كانت تُحسَم فيها أحداثٌ كبرى: / مَن يملك تلك الرقعةَ الصغيرة من الصخر/ أرضاً لا لأحد / تحيط بها ادعاءاتُنا المسلّحة بالمذاري/…/ حتى جاء شبحُ هوميروس يهمس في خاطري/ قال: لقد صنعتُ الإلياذة من نزاعٍ محلّي صغير كهذا/ الآلهةُ تصنع أهميّتَها بنفسها». الحدث الريفي البسيط يصنع إرثاً كاملاً، وهو درس استوعبه هيني عميقاً. ومن هنا يختلف عن ييتس الذي حوّل الريف إلى مسرحٍ لهوية قومية كبرى، بينما فضّل هيني تثبيت المعنى في العمل اليومي والطبيعة بوصفها إرثاً لا أيديولوجيا.

شيموس هايني


الهوية السياسية ومأزق الانتماء
ومع ديوان «الشمال/ «North (1975)، تنتقل الذات من فضاء العائلة إلى فضاء جماعة سياسية منقسمة، دون أن تفقد ثقلها الأصلي. غير أن هذا الانتقال لا يُنتج ذاتاً جديدة، بل يضع الذات القائمة أمام مأزق أخلاقي. ففي قصيدة «Punishment/عِقاب» ، يستدعي هيني جسد امرأة معاقَبة من العصر الحديدي ليقيم تشبيهاً مع العنف المعاصر، لكنه لا يتخذ موقع الإدانة أو التبرئة، بل موقع الانقسام: «أستطيع أن أشعرَ بشدِّ الحبلِ على رقبتها، /والريح تلفح صدرها العاري/…/ أستطيع أن أرى جسدَها/الغارق في المستنقع/…/ رأسُها المحلوق/ بقايا حصاد حقل ذرة سوداء /عصابة عينيها خرقة متّسخة / وحبل مشنقتها خاتم يختزن ذكريات الحب/أيتها المذنبة الصغيرة/ قبل أن يعاقبوك/ كنت شقراء الشعر بلون الكتّان/…/ يا كبش فدائيّ المسكين/ أكاد أحبك/ ولكني كنت اعلم / أنني سأرمي حجارة الصمت/ أنا المتلصلص الماكر/على دماغك المكشوف/…/أنا الذي صمت خرساً/…/ أنا الذي كان سيمالئ / بغضب متحضّر/ ولكنه يفهم الانتقام القبلي المبرم الحميم».


الشاعر لا يتكلّم هنا من موقع ذات مستقلّة، بل من موقع منغمس في شبكة من التواطؤات والولاءات. تعاطفه مع الضحية لا ينفصل عن وعيه بصمته، وهذا التوتر لا يمكن فهمه إلا بوصفه علاقة بين ذات وذوات أخرى، لا بوصفه موقفاً فردياً. هنا تتحوّل القصيدة إلى مساحة إدراك مشترك للذنب، لا إلى بيان أخلاقي أحادي. ما يميّز هذه القصيدة أن الذات لا تتوارى خلف الأسطورة، ولا تتشكّل عبرها، بل تُعرَض للمساءلة. ضمير المتكلم حاضر بوصفه اعترافاً بالعجز والصمت. فاللغة هنا لا تُستخدم لبناء خطاب سياسي، بل لكشف حدود القدرة على الكلام باسم جماعة تمارس العنف ويمارس عليها،  فالهوية السياسية ليست اختياراً، بل قدراً تاريخياًّ يُحاوَل فهمه.


اللغة بوصفها فضاءً للمشاركة
غير أن مسألة الهوية تبلغ ذروتها في علاقة هيني باللغة الإنكليزية، فكما أوضح في كتابه النقدي « The Redress of Poetry » التي يمكن ترجمة هذا العنوان تأويليّاً «إنصاف الشعر» وهو مقترح هيني للدفاع عن الشعر لا بوصفه تغييراً للواقع، بل لغة تعيد الاعتبار لما أهمله العقل العملي والسياسي، حيث رأى فيها غنىً ثقافياً متراكماً ومدى حضاريّاً جامعاً وليس مرادفاً للاستعمار، بل لغة حيّة قادرة على احتضان التجارب المختلفة داخل المجتمع الأيرلندي الشمالي ومدخلاً إلى محيط أنغلوساكسوني أوسع. وهو بهذا لم يسعَ إلى استبدالها، بل إلى إعادة توطينها من الداخل، بحيث تحمل أثر» الكلتية Celtic/  «وإيقاع الريف وذاكرة الجماعة، وتبقى في الوقت نفسه منفتحة على أفق ثقافي أوسع. بهذا المعنى، تصبح الإنكليزية عنده لغة مشاركة، لا لغة هيمنة. وهذه نظرة كانت قد وجدت تسوويغها في أعمال كتاب وشعراء أيرلنديين سابقين كييتس وجيمس جويس.


جزيرة المناسك: الذات تحت المحاكمة
يشكّل ديوان « Station Island/جزيرةُ المناسك»، عام 1984 واحداً من أكثر أعمال هيني الشعرية تركيباً وقسوة في مساءلة العلاقة بين الشاعر وجماعته، وبين الكتابة والعبء الأخلاقي للتاريخ. تستند القصيدة المركزية التي تحمل أسم الديوان إلى موقع حجٍّ كاثوليكي في جزيرة « Lough Derg » بأيرلندا، المعروف تقليديّاً باسم «مطهر القديس باتريك»، حيث يمارس الحجّاج الصوم والسهر والتنقل بين محطات تعبّدية بوصفها طقساً للتكفير والتطهر الروحي. غير أن هيني يحوّل هذا المكان من فضاء ديني إلى فضاء شعري أخلاقي، تصبح فيه «المناسك» سلسلة من المواجهات مع الذاكرة والذنب والعنف والسؤال السياسي. والمفارقة التأسيسية في الديوان أن الحجّ يتحوّل إلى رحلة داخل الذات الشاعرة نفسها، مما يطرح السؤال المحوري الذي يتردّد في كل محطة: هل يحقّ للشاعر أن يكون وحيداً وسط جماعته المنكوبة؟


القصيدة تحوي اثنتي عشر «محطة» شعرية طويلة نسبياً، تقوم كل واحدة منها على لقاء أو مواجهة مع شبحٍ أو شخصية من الماضي الشخصي والثقافي لهيني. والبنية هنا تستدعي «جحيم دانتي»، فكما يعبر دانتي طبقات الجحيم ويلتقي شخصيات من التاريخ والسياسة والأدب والدين، يعبر هيني بدوره طبقات الذاكرة الإيرلندية والذات الشاعرة. لكن القصيدة لا تكتفي بمحاكاة دانتي، بل تقلب بنيته الأخلاقية رأساً على عقب. فدانتي يجتاز الجحيم واثقاً من منظومته القيمية، واضعاً الآخرين موضع الإدانة، بينما يقف هيني نفسه داخل قفص الاتهام. الأشباح التي يلتقيها لا تطلب التعاطف، بل تحاكمه، وتدفعه إلى تبرير موقعه بوصفه شاعراً يكتب من داخل مجتمعٍ ممزّق بالعنف.


في المحطات الأولى يهيمن حضور الدين والطفولة والذاكرة الشخصية. تظهر شخصيات من البيئة الكاثوليكية التي نشأ فيها هيني: كهنة، معلمون، وأقارب، لا بوصفهم ذكريات حنينية، بل كأصوات تستدعي الإحساس بالذنب والالتباس والمسؤولية. وهنا تبدأ الذات بوصفها ذاتاً مثقلة بإرث سابق عليها: العائلة، الدين، والجماعة. فالقصيدة لا تبحث عن تكوين الذات، بل عن احتمال ثقلها الأخلاقي.
ثم تنتقل ستانزات القصيدة تدريجياً إلى مواجهة العنف السياسي في أيرلندا الشمالية، وهنا تبلغ «المناسك» ذروتها بوصفها محاكمة أخلاقية للكتابة نفسها. ومن أكثر المقاطع إيلاماً لقاء هيني بقريبه المقتول الذي لا يطلب الحداد ولا التضامن، بل يوجّه اتهاماً للشاعر: «رأيتَ ذلك، وكتبتَ ذلك — لا الواقعة نفسها/ لقد خلطتَ بين المراوغة واللباقة الفنية/ البروتستانتيُّ الذي أطلق النارَ على رأسي/أتّهمه مباشرةً / لكنني أتّهمك أنت أيضاً، على نحوٍ غير مباشر/ أنتَ الذي تُكفّر ذنوبك الآن/ ربّما، فوق هذا الفراش/عن الطريقة التي بيّضتَ بها القبحَ/ ورسمتَ الستائرَ الجميلةَ لـ«المطهَر» / وحلّيتَ موتي بندى الصباح السكّري». هيني ينوء تحت ثقل الاتهام «لقد حوّلتَ موتي إلى قصيدة!». هذا السؤال يبقى معلّقاً: هل تستطيع القصيدة أن تمثّل العنف دون أن تُجمّله؟ وهل الاستعارة الشعرية شكلٌ من أشكال التواطؤ؟ فالمشكلة عند هيني ليست فقط في العنف، بل في حق الشاعر في تحويله إلى لغة.

جزيس.jpg
جيمس جويس


أما المحطة الأخيرة في هذه «المناسك» فهي مع جايمس جويس فهي ترقى لتكون الذروة الفكرية والروحية للعمل كله. بعد سلسلة الضغوط والاتهامات الأخلاقية، يظهر جويس بوصفه توجّه مغاير بين الانغلاق داخل الجماعة والانفصال الكامل عنها. فجويس، في المخيال الأدبي الإيرلندي، هو الكاتب الذي غادر أيرلندا دون أن يتوقّف عن كتابتها، ورفض أن يتحوّل إلى ناطقٍ قومي مباشر رغم بقائه مشدوداً إلى بلده وثقافته. ولهذا يصبح حضوره عند هيني نوعاً من التحرير الرمزي: ليس تحريراً من الجماعة، بل من فكرة أن الشاعر يجب أن يكون ممثّلاً مباشراً لها. حين يدعو جويس هيني إلى أن يكتب «من أجل متعة الكتابة»، فهو لا يدعوه إلى اللامبالاة السياسية، بل إلى حماية حرية الخيال من الاختزال الأيديولوجي. فالشعر، في هذا التصور، لا يخدم الجماعة عبر الشعارات، بل عبر الحفاظ على صدق اللغة وتعقيد التجربة.
«المناسك» لا تنتهي الى تطهّر أو مصالحة نهائية أو يقينٍ أخلاقي. فهيني لا يحسم التناقض بين الانتماء والانسلاخ، بل يتعلّم كيف يحمله. يبقى في آنٍ واحد، منتمياً ومنفصلاً، مذنباً وغير مذنب، شاعراً للجماعة وخادماً للغة وحدها. فالطقس لا يمنح الخلاص، بل يعيد الذات إلى نفسها أكثر وعياً بأسئلتها التي لا تهدأ. ولهذا تبقى «جزيرة المناسك» واحدة من أكثر الأعمال الشعرية الحديثة صدقاً في مواجهة السؤال الذي يطارد الأدب بعد العنف: ماذا تستطيع القصيدة أن تفعل أمام التاريخ، دون أن تخون الضحايا أو تخون اللغة.


من الإرث إلى العلاقة
في أعمال هيني اللاحقة تبدأ النهايات تتسلل إلى القصيدة وفيها تتكشف انتقالات الذات من مرحلة المواجهة الأخلاقية الحادّة مع التاريخ والجماعة إلى مرحلة أكثر تأمّلاً وهشاشة وإنسانية، من غير أن تتخلّى عن جذورها الأولى. فالتحوّل عند هيني لا يقوم على القطيعة، بل على تغيّر طريقة حمل الذاكرة والزمن داخل اللغة.
في« The Haw Lantern / فانوس الزعرور» عام 1987 لا يزال أثر المرحلة السياسية السابقة حاضراً، لكنّه يظهر بصورة أكثر تقشّفاً وتأمّلاً. فالضوء هنا لم يعد نوراً كاشفاً واسعاً، بل ومضةً محدودة وهشّة وسط العتمة: «تتوهّجُ ثمرةُ الزعرور الشتوية خارج أوانها/سرطان الشوك، ضوءٌ صغيرٌ لأناسٍ صغار/لا تريد منهم أكثر/من أن يحفظوا فتيلَ احترام الذات من الانطفاء /دون أن تعميهم بالاستنارة، لكنّ أحياناً حين تتصاعد أنفاسك في الصقيع/ تتّخذ هيئةَ ديوجين المتجوّل بمصباحه/ يبحث عن رجلٍ عادل/ وهكذا تجد نفسك موضعَ تفحّص من وراء ثمرة الزعرور/التي يرفعها بمحاذاة عينيه على الغصن/فترتدّ أمام لبّها الحجري المتماسك/وأمام وخزتها الدموية التي تتمنى لو تختبرك وتطهّرك/وأمام نضجها المنقور الذي يمسحك بنظره ثم يمضي».  وهذا يعبّر بدقة عن تحوّل هيني نفسه: من الشاعر الذي يواجه الجماعة والتاريخ مباشرةً إلى شاعر يبحث عبر الاختزال والتأمل الأخلاقي عن أشكال أصغر وأكثر حذراً من الحقيقة. 


وهكذا تكمل لغة هيني تحولها مع تقدّمه بالعمر إذ يصبح العالم أقلّ ماديةً وثقلاً. لا تختفي الأرض والذاكرة، لكنهما تكتسبان شفافية جديدة. ففي عمله «رؤية الأشياء/Seeing Things»  يوحي بأن الرؤية لم تعد مقتصرةً على الملموس، بل أصبحت محاولةً لرؤية ما يتجاوز الحضور المباشر للأشياء، فلغته هنا توظف العناصر بهدوء: الضوء، الهواء، العبور، وكأن الذات بدأت تتحرّر من ثقل التاريخ دون أن تنكره: «هطولٌ متواصل طوال الليل/يفيض على أرضية الشرفة/ أقمتُ بلا تفكير في زحامه الطويل/ثم استفقت على قطراتٍ من إفريز السقف/ ومن ضوء النهار/أقول لنفسي/ تلك الأقوال الموروثة عن الموتى/ التي فقدت وزنها/ أشياء من قبيل: سنفتقده وليعطنا الصبر السلوان». هكذا تتخلى القصيدة عن النبرة الأخلاقية والمساءلة، ولكنها تعتمل في تأمل هشاشة الوجود وسطوة الزمن. 


وهذا التحول يتجوهر في «سلسلة بشرية/Human Chain » عام 2010، حيث تبدأ اللغة تُظهر وعي الشاعر بالفناء، ولكن دون مرارة أو تفجّع. وهنا ينشغل هيني بمؤازرة البشر بعضهم لبعض: حمل الأشياء، التذكر في حضور جسد هش ومتعب يحتاج للمساعدة من الآخرين: «ليس ذاك الذي حمل سريره ومضى/ بل أولئك الذين عرفوه طوال الوقت/ وحملوه إلى الداخل/ أكتافُهم خدرة، والوجعُ والانحناءُ موثقان عميقاً في ظهورهم/ ومقابضُ الحمّالة زلقةٌ من العرق/ لا هوادة /حتى يُشدَّ إليها بإحكام/ ويصير قابلا للإمالة /و يُرفع إلى السقف المبلّط/ثم يُنزَّل للشفاء/كان واعياً لحضورهم وهم واقفين ينتظرون/أن تبرد لسعةُ الحبال المرخاة في أكفّهم/وأن يزول دوارُهم الخفيف وعدمُ تصديقهم/أولئك الذين عرفوه طوال الوقت».


هذه الهشاشة التي تأخذ مساحة أوسع في أعمال هيني المتأخرة لا تؤدي إلى تفكك الذات، بل إلى تعميق بعدها الإنساني والجمعي. فالفرد هنا لا يكتشف نفسه عبر الاستقلال، بل عبر إدراك اعتماده على الآخرين إبتداءاً من العائلة ثم في سلسلة العلاقات التي تحمله عبر الزمن. ولهذا يبدو الديوان كله تأملاً في معنى الاستمرارية البشرية.
هكذا يختار هيني أن ينهي مسيرته: كيف ينتقل الحمل من يدٍ إلى أخرى، وكيف تستمر الحياة عبر هذا التعاقب الصامت. الفرد لا يوجد بمعزل عن الآخرين، لكنه أيضاً لا يذوب فيهم؛ بل يُحمل ويَحمل ضمن «سلسلة بشرية» متصلة عبر الزمن.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث