بقي الروائي والقاص السوري نيروز مالك وفيا لرؤيته وأسلوبه الخاص، من دون أن يكرر نفسه. انتقل ما بين الأعمال الأدبية، والأشكال الفنية بلا صخب، أو ضجيج إعلامي. ظل يكتب عالما قريبا من نفسه لعقود، ويعمّق مشروعه الأدبي بصمت وهدوء. ورغم أنه استقر في منطقة فنية آمنة، قبل بلوغ الثمانين، فإنه لا يزال يكتب، ويمارس نشاطه وعاداته اليوم بحيوية لافتة. بقي صامدا في مدينة حلب، حاضرا في تفاصيلها، لم ينقطع عن عالم المقهى، حيث يمكن للزائر أن يلتقيه مع جمع من كتاب ومثقفين ومحامين واقتصاديين، يجتمعون بصورة شبه يومية في مقهى القصور في حي الجميلية، بعد أن أغلقت الحرب آخر مقهى للكتاب في الفندق السياحي المطل على الحديقة العامة، وساحة سعد الله الجابري التي ترسم الحدود بين شطري المدينة.
تعكس بعض مقاهي وسط البلد في حلب صورة عن نشاط المهتمين بالشأن العام، إلى ما يتجاوز الثقافة، ولذلك ليست حكرا على الكتاب وحدهم. هناك تداخل بين المقهى الشعبي والمقهى الثقافي؛ فقد تجد على طاولة شاعرا وقصاصا، وعلى الطاولة المجاورة تاجرا أو حرفيا أو متقاعدا. ومن المعروف عن مقاهي حلب أنها ليست مجرد أماكن لتناول القهوة والشاي، بل كانت لعقود صورة مصغرة عن عالم المدينة. وعلى المستوى الثقافي، كثير من العلاقات بين الشعراء والرسامين والقصاصين، تشكلت حول فناجين القهوة والشاي، أكثر منها في المؤسسات الرسمية. وقد تكرر كثيرا في كتابات ومذكرات الكتاب اسم مقهى "القصر"، كما تكررت اسماء مقاهي النجمة والقنديل والهافانا في دمشق، وريش في القاهرة، والهورس شو في بيروت.
صار مقهى "القصر" من زمن حلب البعيد، ورمزا من معالم السبعينيات والثمانينات من القرن الماضي، لأن مدينة اليوم، لم تعد كسابق عهدها. تغيرت كثيرا. كبرت، وتوسعت، ونشأت أحياء جديدة، وكان للحرب في العقد الأخير دورها في تهشيم صورتها الراسخة بقوة في التاريخ والجغرافيا، كما لحق بالثقافة قسط من الخراب الذي حل في كل مكان. وقد غيب الموت بعض كتابها كالروائي وليد إخلاصي والقاص جورج سالم والشاعر سعيد رجو، وغادر آخرون إلى الخارج مثل عبد الرزاق عيد، وجمال باروت، وعمر قدور، بينما بقي روائيون وقصاصون وشعراء ومنهم نيروز مالك، فيصل خرتش، محمد أبو معتوق، محمد شويحنة.
تعد حلب العاصمة الثقافية الثانية بسوريا بعد دمشق، وقد امتازت باستقبال أجيال من الكتاب القادمين من محافظات سورية أخرى، وعدد من الكتاب والصحفيين الفلسطينيين بعد النكبة 1948، وبرز من بين هؤلاء الشعراء الأربعة، عصام ترشحاني، عادل أديب آغا، ونظيم أبو حسان، ومحمود علي السعيد الباقي الوحيد على قيد الحياة، ومن جيل آخر الشاعر خالد درويش الذي هاجر في وقت مبكر ولم يعد إلى سوريا.
فرع اتحاد الكتاب الذي كان محركا للنشاطات في المدينة، يبدو في حال سيء، ويشهد على ذلك الوضع المزري لشارع بارون، الذي كان ذات يوم ضاجا بالحداثة. يقع مقره في أحد مباني الشارع في مدخل يتصدره مرآب لغسيل وتصليح السيارات، ولم يعد أحد يتحدث عن دوره أو نشاطه بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024، وتغيير مسؤوليه على إثر استقالة مديره السابق الناقد نذير جعفر، الذي غادر سوريا للعمل في مجلة البيان الصادرة عن اتحاد كتاب الكويت.
يواصل نيروز مشروعه الروائي الذي تقع منه حلب في موقع خاص. وكتب الناقد والروائي نبيل سليمان أن مدينة حلب كانت الفضاء الأساسي لمعظم كتابات نيروز مالك، مع استثناءات قليلة مثل رواية" فتى قيبار" المرتبطة بقريته الأصلية في منطقة عفرين، ويتجلى حضور حلب في أعماله: زهور كافكا، وميدان الزيزفون، وظلال الليالي، والمتجول في حلب. واللافت أنه تجاوز حاجز المحلية، وحضر في الترجمة للغات الأجنبية، وأشهر أعماله المترجمة المتجول في حلب الذي صدر بالفرنسية عام 2015 بترجمة فواز حسين، وهو نص يجمع الشهادة الأدبية والتأملات القصيرة عن الحياة في حلب أثناء الحرب. وقد كان أول عمل له يحقق انتشارا واسعا خارج العالم العربي. كما صدر الكتاب نفسه بالألمانية، عام 2017 بترجمة لاريسا بندر، ولقي اهتماما نقديا جيدا، حيث قُدِّم الكاتب بوصفه "شاهدا أدبيا على حلب" أكثر من كونه مراسل حرب. والعمل الثالث المترجم الذي لقي اهتماما هو رواية ظلال الليالي، المستلهمة من أجواء ألف ليلة وليلة، وصدرت بالفرنسية أيضا بترجمة فواز حسين. ويرى نقاد أنها تُظهر جانبا مختلفا من كتابته، أكثر حلمية وتخييلا من نصوص الحرب.
تفصح نصوص نيروز عن علاقة خاصة مع حلب، عكست ولعا بالمشي والكشف، وخاصة كتابه المتجول في حلب، الذي كتبه خلال سنوات الحرب. وفيه يتجول في أحياء المدينة ويستعيد منها ما عرفه قبل الدمار. وتظهر المقاهي بوصفها أماكن للذاكرة واللقاءات والأحاديث أكثر من كونها مجرد محطات لشرب القهوة. المدينة كلها تبدو وكأنها مقهى كبير فقد رواده تدريجيا. وقد لفت نقاد ترجمته الفرنسية والألمانية إلى أن الكاتب يقدم صورة حميمة لحياة حلب اليومية، بما فيها الشوارع والمقاهي والعلاقات الإنسانية الصغيرة.



