كرة العيون الشاخصة

فوزي ذبيانالاثنين 2026/06/15
أي عصر شتوي في إنجلترا كريستوفر ريتشارد وين نيفينسون (1889-1946)
"أي عصر شتوي في إنكلترا" لكريستوفر ريتشارد وين نيفينسون (1889-1946)
حجم الخط
مشاركة عبر

قد لا يجد المرء حرجاً في تسمية كرة القدم باسم آخر ككرة العيون الشاخصة مثلاً، أو كرة كزكزة الأسنان، أو كرة الأصابع المشدودة داخل بواطن الأكف، أو كرة القفز من فوق المقاعد لحظة تسجيل الهدف، وصولاً لتسميتها بكل جرأة وقبول، بكرة الكوكب والقلوب.

 
ترى الكوكب وقد تربّص أمام الشاشات، ترى الملامح وقد استدارت مع كل استدارة للكرة أو دحرجتها فوق أرضية الملعب أو صعودها إلى السماء.

لطالما كان أصل هذه اللعبة وفصلها محل تناتش محموم من قِبل مجموعة من الدول لترى إليها، لترى إلى كرة القدم، ترفع راية "الفاوْل" بوجه ادّعاء شرف امتلاك جذورها الأولى من قِبل أي كان...إنها ملك الجميع (لوثيانو بيرنكي – أغرب الحكايات في تاريخ المونديال – ترجمة محمد الفولي – مسعى للنشر والتوزيع – الطبعة الأولى 2018).

لعبة كرة القدم. توماس ويبستر، 1839
لعبة كرة القدم. توماس ويبستر، 1839


فمنذ تلك الصيحة الأولى والتي ترافقتْ مع أول هدف في تاريخ المونديال وهو الهدف الذي سجّله الفرنسي لوسيان لوران في مرمى المكسيك في مونديال الأورغواي سنة 1930، ترى الكرة تزيد من حدة الصيحات، من حدة الانفعالات وبشكل خاص من حدة تدافع السيقان فوق تلك المساحة الخضراء التي لا تعرف حدوداً. إنها اللعبة التي تدفع بكوكب الأرض لأن يردد خلف الكرة قولها الرائع: أنا أعدو فإذن أنا موجود. إنها اللعبة التي تجيد لنفسها بملء الثقة والخفة والغنج والغرور في أن تخلط الثقافات وتمزج اللغات بل وتُداخل في لحظة واحدة سبل التعبير عن الفرح أو الحزن، عن المضاضة أو الانشراح وبشكل رئيسي إنها اللعبة التي قد تنسف الانتماءات وفي البال الأخوين كيفين بواتينغ وجيروم بواتينغ في مواجهتهما لبعضهما البعض حيث كان الأول منهما في مونديال ال 2010 ضمن منتخب غانا بينما الآخر ضمن المنتخب الألماني وهو ما تكرر في مونديال البرازيل.


لست أدري إذا ما كان ثمة حدث في هذا العالم الفسيح يستطيع رسم ملامح البشر بحركة واحدة كحال كرة المونديال، ولست أدري إذا ما كان بالمستطاع عدم مجاراة أجساد اللاعبين في الملعب ولست أدري إذا ما كان للمرء إمكان الفرار من ضرب الأكف بالرأس لحظة تضييع الهدف أثناء ضربة جزاء مثلاً أو أثناء توغّل مدروس. 
إن المساحات التي تخطّها أقدام اللاعبين في ملاعب المونديال هي مساحات لا نهاية لها بل ترى هذه المساحات تتاخم في بعض انفلاتاتها حدود السماء وأقاصي القلوب. أما الكرة، أما تلك الكرة الكوكبية فلا أخمّن أن ثمة مايسترو في هذا العالم الفضفاض يملك قدرتها على شدّ الأنفاس أو تراخيها، يملك القدرة على دفع الأنفاس للهاث أو ربما انقطاعها المؤقت للحظات. 

سيدات صينيات


إن كرة المونديال الهائلة هي في متنها الأعم بمثابة الحس المشترك الذي يجمع كل البشر مهما تفاوتت الخلفيات والثقافات والتوجّهات والأعمار. إن المونديال يجيز بقوة لنفسه تدجين ملامح كل البشر عطفاً على حركات كراته وحركات لاعبيه وكأننا إزاء كوكب مرادف لكوكب الأرض. كوكب يجيد بكل خفة مداخلة اليوميات العادية للناس فيزيح مللهم المتراكم منذ أربعة سنوات. فتلك الأقدام التي تفتن الملايين تراها تعقد ألسنة البشر وتدفع بالأجساد إلى الإنكماش أو الإستطالة، تدفع إلى صمت قلق ثم إلى صراخ مدو: غوووول...غووول!!! إن تلك الأقدام الغفلة عن كل تعيين تراها الأقدر على فكّ ارتباط الناس بالعالم إلا عالم الملعب الأخضر وإن كان إلى حين. نعم، إن سيادة أخبار المونديال هي بمثابة شارة حمراء في وجه سيادة أخبار الحروب والكوارث والأزمات. شارة حمراء ضخمة جداً لا تحدّها الحدود تراها تُرفع بزخم من قِبل "معشر الكرويين" إذا أردنا أن نستعير عبارة الأورغوياني إدواردو غاليانو بلا تحفظ أو تردد أو مواربة على الإطلاق. إن الكرة التي تدفع بأجساد اللاعبين لأن تبوح – هذه الأجساد – بأسرارها تراها لا تأبه بالتردد أو بالتحفّظ أو بالمواربة ذلك أن جلّ همّ هذه الكرة هو ذلك العدو فوق كوكب قد تحوّل بجملته إلى ملعب يتمنى المرء أن يعمّ اخضراره العالم، أن يسود هذا الاخضرار فوق تلك اليبوسة التي تزمّ الحياة. فإذا كان مجد عظماء هذا العالم يقاس بالوسائل التي استخدموها لبلوغ هذه العَظَمة أو تلك فإن الملعب يختصر العَظَمة في الأقدام التي تعدو فوق الأرض وفي الأجساد المشدودة إلى كرة لا تعرف المستحيل. 


إن هذه البداية الجديدة التي تفتن البشر كل أربعة سنوات تشرّع لنفسها التدحرج بحرية فوق ملل الأيام وتراخيها وفوق تثاؤب الروتين لتعود فتشدّ من وتيرة العيش وكأني بالكرة التي تداخل الأقدام وتتطاير فوق الصدور والرؤوس تقول لنا، لا الملل ينال مني ولا زخم ساعات العمل في هذا المصنع وذاك أو في هذا المكتب أو غيرها من شؤون. فهذه الكرة الصاعدة المتهاوية، المستقيمة التوجّه والإنحناءات في آن تبثنا حقيقة مفادها أنه على وقع أنفاسها يتنفّس العالم عن بكرة أبيه... سبحاني ما أعظم شأني، ترى كرة المونديال تقول، سبحان ما أعظم شأني أنا الفرح المستدير.     

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث