هايدغر الذي أحبّ كرة القدم وبكنباور

محمد حجيريالأحد 2026/06/14
بكنباور
فرانز بكنباور قيصر الكرة الألمانية
حجم الخط
مشاركة عبر

أبدى العديد من الفلاسفة والروائيين والشعراء حماسًا جليًا للرياضة على أنواعها وتحديدًا كرة القدم الساحرة المستديرة، ويتجلى ذلك من خلال مقالاتهم وحواراتهم وابداعاتهم، ولم يكن الاعجاب بالكرة وعالم الملاعب لحظة عابرة، بل عدّت لعبة الكرة مصدر إلهام وابداع ومدرسة وحركات اللاعبين بمثابة قصائد شعرية، أو بأقدامهم يكتبون دواوين العالم. ففي عام 1959، قبل وفاته بأقل من عام، أخبر الروائي ألبير كامو(1913- 1960) أحد محاوريه بأن ملعب كرة القدم، إلى جانب المسرح، كان أحد "جامعتيه الحقيقيتين". وكتب الشاعر الفلسطيني، محمود درويش (1941 -2008) نصًا عن اللاعب الأسطوري دييغو مارادونا تحت عنوان "لن يجدوا دمًا في عروقه بل وقود الصواريخ". ومن أشهر الوجوه التي انتقلت من ساحة الملاعب إلى ساحات الأدب، كان الروائي المصري النوبلي نجيب محفوظ (1911 -2006)، الذي عُدّ لاعبًا من طرازٍ نادر، كما كتب عنه صديقه الأقرب أدهم رجب، في مجلة "الهلال" القاهرية عام 1970، قائلًا إنّه لم يرَ لاعبًا في سرعة نجيب محفوظ في الجري "كان أشبه بالصاروخ المنطلق"، ويضيف أنّ "عقل نجيب محفوظ في قدميه"، وفي شهادة نجيب محفوظ عن نفسه؛ أنّه لولا الأدب لأصبَحَ أحدَ نجوم كرة القدم البارزين.

هاير.jpg

والمفاجأة في سياق الحديث عن كرة القدم، وهذه حقيقة غير معروفة على نطاق واسع، أن مارتن هايدغر (1889 – 1976)، أحد أبرز فلاسفة القرن العشرين، وصاحب كتاب "الوجود والزمان" كان من محبي كرة القدم ومعجبًا بمواطنه اللاعب فرانز بكنباور(1945 – 2024) "قيصر" الكرة الالمانية، مبتدع طريقة الظهير الحر المهاجم، وأحدث ثورة في تكتيكات اللعبة و"كان من يتحكم في عرائس الماريونيت، يبقى في الخلف ويحرك الخيوط التي كانت تجعل ألمانيا الغربية وبايرن ميونيخ يحققان أكبر الألقاب" بحسب الصحافي الشهير كير رادنيدغ ذات مرة في مجلة "وورلد سوكر". (سبق لبكنباور أن فاز بكأس العالم كلاعب العام 1974 وكمدرب للمنتخب الالماني العام 1990).

 

وسرّ حماسة هايدغر لكرة القدم كشفه ابنه، هيرمان، من خلال حوار أجرته معه صحيفة "لا ريبوبليكا" الايطالية قبل سنوات. ليس من المستغرب أن يكون هايدغر - "الذي كان يعشق الجمال الفني والتقني للعبة"، كما يكتب بعض دارسيه، قد مارس لعبة كرة القدم في شبابه. وكتب كاتب سيرته روديغر سافرانسكي كيف أصبح الفيلسوف الكبير مهووساً باللعبة في الفترة التي فازت فيها ألمانيا الغربية بكأس العالم لكرة القدم عام 1974. 

كان هايدغر آنذاك رجلاً مسنًا وقورًا، وقد خفت حدّة طبعه السابق مع مرور السنين. كان يذهب إلى منزل أحد الجيران لمشاهدة مباريات كأس أوروبا على التلفاز. كان هايدغر معجبًا للغاية بتحكم بكنباور الدقيق بالكرة، حتى أنه حاول أن يُظهر بعضاً من مهاراته لجاره المذهول. وصف هايدغر بكنباور بأنه "لاعب مُلهم" وأشاد بـ"منعته" في المواجهات الفردية على أرض الملعب. و"عبقرية بكنباور، أو إلهامه، هي الرد الذي وجد فيه هيدغر تأكيدا لنقده للتقنية: فإن كرة القدم التي باتت شبه تقنية ملساء لا تعتريها أية نتوءات، تحتاج لتصبح لعبة إلى نوع من التعالي على التقنية، إلى نوع من العبقرية" (محمد أبو هاشم محجوب في مقال "يراوغ ثم يسدّد: فينومينولوجيا الاستباق"). كان بكنباور ليبرو الكرة، ويربط بعض المحللين الليبرو بالفلسفة الوجودية والليبرو أو "القشاش" كما يعرف باللغة العربية، والذي يشغله لاعب يتمتع بمواصفات تجعله قادرًا على قراءة المباراة بشكل جيد، ويملك القدرة على بدء اللعب من الخلف. ويقطع "الليبرو" الكرات من الخصم، ويشارك بالدفاع إلى جانب الخط الخلفي، كما ينطلق للمساعدة بالهجوم وصناعة وتسجيل الأهداف أيضًا وصناعة الهجمات.

 

كانت فكرة هايدغر أنه بتحريك رافعة يمكن إعادة كل شيء إلى نصابه. وبالتطبيق على كرة القدم، يعني هذا أنه عندما يهيمن على المباراة تبادل الكرة بشكل روتيني لا معنى له، يجب أن تُضفى عليها لمسة رائعة بتمريرة حاسمة. بالنسبة لهايدغر، كان بكنباور مثالًا على هذا النوع من الممررين، لاعب ليبرو متجاوزًا القيود الفنية الروتينية للعبة. والمراد القول إنه على الرغم من أن هايدغر كان يكره التكنولوجيا إلى حد ما، ولم يسمح للتلفاز بأنْ يلوِّث سكون مسكنه وكوخه. إلا أنه كان يشاهد مباريات المنتخب الألماني عند جاره، ربما هو سحر بكنباور وفلسفته الكروية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث