سوريا وفلسطين: من التاريخ المشترك إلى أسئلة الدولة الجديدة

دمشق - واصل حميدةالأحد 2026/06/14
المركز العربي سوريا
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، يجتمع باحثون وحقوقيون وناشطون سوريون وفلسطينيون في فضاء واحد
حجم الخط
مشاركة عبر

"لستُ بصدد ردّ الجميل. أنا جزء من هذا النسيج، شاء من شاء وأبى من أبى"، الأستاذ خليل الخليل، مدرّس وباحث فلسطيني-سوري. 

 

انطلق في دمشق، صباح السبت 13 حزيران/يونيو 2026 في فندق «البوابات السبع» اليوم الأول من ورشة العمل التي نظمها المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة بعنوان: «سوريا وفلسطين: من التاريخ المشترك إلى أسئلة الدولة الجديدة». للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، يجتمع باحثون وحقوقيون وناشطون سوريون وفلسطينيون في فضاء واحد لمناقشة ملف ظلّ أسير الخطاب السياسي، بعيداً عن التفكيك العلمي.
لم تكن الورشة مجرد مؤتمر أكاديمي، بل أقرب إلى تفكيك جماعي لجراح مفتوحة: كيف تشكّلت علاقة الفلسطيني بسوريا؟ وكيف تبدلت بعد الحرب؟ وما موقع اللاجئ الفلسطيني في «سوريا الجديدة» بعد أن أعادت الحرب إنتاج السؤال من نقطة الصفر: أين يقف الفلسطيني في الدولة القادمة؟

 

القانون بين الإنصاف والذريعة

ترسانة القوانين: حكاية قانون ولد ناقصاً.

افتتح المحامي أيمن فهمي أبو هاشم النقاش القانوني بعبارة: «الحكومة السورية تعاملت مع الفلسطيني في عهد نظام الأسد كأداة سياسية لا كإنسان». تتبّع أبو هاشم مسار القانون 260 لعام 1956، الذي وُلد بوصفه صيغة إنصاف ثم جرى تقليصه لاحقاً عبر أدوات أمنية وتشريعية، وأشار إلى أن منظومة السفر والوثائق، خاصة منذ السبعينيات، خضعت لهيمنة الأجهزة الأمنية، ما جعل الحقوق النظرية قابلة للتجميد العملي، وختم بعبارة حادة: «ما قيمة القانون إذا كان القرار الأمني يعلوه؟».

وأكد في سياق تعريفه الذاتي: «أنا فلسطيني وأنا سوري بكل معنى الكلمة»، رافضاً تحويل الهوية إلى معادلة إقصاء، ومطالباً بحقوق مواطنة كاملة تشمل أعلى المناصب.

 

القانون 260: من المساواة إلى التقنين

الدكتور إبراهيم دراجي قدّم قراءة تاريخية لمسار القانون، موضحاً أنه بدأ من نقاش برلماني حقيقي في الخمسينيات، حين حاولت الدولة استيعاب كوادر فلسطينية في مؤسساتها.

لكن القانون مرّ بثلاث صيغ متتالية، انتهت إلى تقييد الحقوق بمن كانوا موجودين قبل 1956، واستُخدم لاحقاً لتحديد العمل والتملك والخدمة العسكرية.

وأشار دراجي إلى المفارقة الأشد إيلاماً، وهي استخدام القضية الفلسطينية لتبرير قيود على الفلسطينيين أنفسهم، مضيفاً بسخرية مرّة: «أصبحنا نُمنع باسم فلسطين»، وكشف أيضاً عن لحظة مفصلية عام 2005 حين أُجهض التوقيع على اتفاقية اللاجئين الدولية خوفاً من «توسيع الحقوق»، ما أبقى الفلسطيني في فراغ قانوني ممتد حتى اليوم.

 

الملكية العقارية: سقف زجاجي

الدكتورة رنا عبود الأكاديمية والباحثة القانونية، عرضت مسار تآكل حقوق الملكية العقارية، موضحة أن سلسلة قرارات بين 2008 و2022 أدت تدريجياً إلى إخراج الفلسطيني من تعريف «المواطن السوري» فيما يتعلق بالملكية، وقالت: «الأخطر أن الموافقات الأمنية أصبحت شرطاً غير مكتوب لأي عملية بيع، وغالباً ما تتحول إلى وسيلة تعطيل كاملة»، وأضافت أن الفلسطينيين لجأوا إلى حلول بديلة غير محمية قانونياً، في ظل غياب أي حماية قضائية فعلية. وختمت عبود بتوصية مركزية: «التملك لا يعني التوطين، ولا يتناقض مع حق العودة».

في النقاش العام، قالت إحدى المشاركات: «أحمل مفتاح بيتنا منذ 70 عاماً.. لكنني لا أستطيع الوصول إليه»، وتساءل آخرون عن غياب التمثيل الفلسطيني في التشريع السوري، وعن التناقض بين حقوق العمل شبه المفتوحة مقابل إغلاق باب الملكية، وردّ د. دراجي بدعوة لتشكيل لجنة قانونية لمراجعة التشريعات القائمة ورفع مقترحات للبرلمان القادم، مؤكداً أن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تستثني أي مكوّن اجتماعي.

 

فلسطين في الوعي السوري: التعليم والفن والذاكرة

حين تتحول القضية إلى خطاب ثقافي
الدكتور عبد الحميد السويس تناول حضور فلسطين في الدراما السورية، مشيراً إلى أن الفن لم يكن انعكاساً فقط، بل أداة إنتاج للوعي السياسي، واعتبر أن أعمالاً مثل «التغريبة الفلسطينية» شكّلت لحظة توازن بين الفن والسياسة، رغم أن الإنتاج السوري المرتبط بفلسطين بقي محدوداً نسبياً، لكنه أشار أيضاً إلى الرقابة: «كانت هناك كتابة موجهة للرقيب، والرقيب بدوره كان يعيد تشكيل النص».

الدكتورة هناء برقاوي قدّمت قراءة للمناهج التعليمية، معتبرة أنها استخدمت فلسطين كقضية مركزية ضمن خطاب أيديولوجي، مع تغييب أي تعقيد سياسي في المقابل، وأكدت أن المنظومة التربوية كانت جزءاً من بناء وعي جمعي أحادي، عبر المدرسة والمنظمات الشبابية.

الصحافي محمد صفية أشار إلى أن التجربة السورية بعد الثورة أحدثت فرزاً قاسياً داخل النخب الثقافية، فيما أضاف آخرون أن المناهج لم تكن بعيدة عن «أيديولوجيا السلطة» أكثر من كونها خطاباً وطنياً عاماً.

كما أشار أحد المتداخلين إلى توظيف القضية الفلسطينية سياسياً، وتحويلها أحياناً إلى غطاء لتبرير سياسات داخلية.

 

فلسطينو سوريا بعد 2011: الهوية في الحرب

أرقام الحرب وتفكك المخيم

الدكتور محمد عثمان محمود قدّم سرداً رقمياً واسعاً، آلاف القتلى والمعتقلين والمفقودين، وتدمير واسع لمخيم اليرموك بنسبة كبيرة، إضافة إلى تهجير مئات الآلاف. وأشار إلى انخراط آلاف الفلسطينيين في العمل المسلح ضمن سياق الثورة، ما يعكس تشابك الهويتين السورية والفلسطينية على الأرض.

وأكد عثمان أن استهداف المخيمات لم يكن مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل جزء من عملية تفكيك اجتماعي ممنهج.

وقدّم الكاتب والباحث السياسي ماجد كيالي أطروحة مركزية: أزمة المنطقة ليست في الهوية، بل في غياب مفهوم المواطنة، وقال: «الدولة المدنية تقوم على أفراد متساوين، لا على جماعات مغلقة»، ورفض فكرة أن التجنيس يهدد الهوية الفلسطينية، مستشهداً بتجارب الشتات في أوروبا.

أما الأستاذ خليل الخليل كان الأكثر حدةً وعاطفية، إذ تحدث عن التورط السياسي لبعض الفصائل الفلسطينية خلال الحرب، مؤكداً ضرورة المحاسبة دون تعميم، وقال: «لا يمكن أن يُعامل الفلسطيني كاستثناء، وإلا فقدنا معنى العدالة»، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن الفلسطينيين جزء من النسيج السوري، لا خارجه.

وتناول الأستاذ ماهر شاويش تحولات الهوية عبر ثلاث مراحل: اندماج نسبي قبل 2011، تفكك بعد الحرب، ثم حالة غموض بعد ما بعد النظام، وحذّر من أزمة الجيل الجديد في الشتات، حيث تتراجع اللغة العربية كحامل أساسي للهوية، وقال: «الجنسية لا تخرج الفلسطيني من قضيته، بل قد تعمّق وعيه بها».

المداخلات من الحضور تفاوتت بين الدعوة إلى التجنيس المنظم، والتحذير من تعويم الهويات، والحديث عن العدالة الانتقالية، وأشار بعض المتداخلين إلى أن الشرخ السياسي داخل الحركة الفلسطينية في سوريا كان جزءاً من إعادة تشكيل الهوية خلال العقود الماضية.

في المقابل، دعا آخرون إلى مشروع قانوني مشترك بين السوريين والفلسطينيين لبناء إطار مواطنة جديد.

 

مشهد ختامي

في الصفوف الخلفية، قالت امرأة خمسينية بصوت هادئ: «نريد دستوراً يعترف بحقوق الفلسطينيين المدنية والاجتماعية، دون أن يمس حق العودة أو الهوية السياسية»، ثم عادت إلى صمتها، لكنها تركت سؤالها معلقاً في القاعة.


خلاصة اليوم الأول

يمكن تلخيص مخرجات الجلسات في خمسة محاور:

أولاً: القانون 260 بحاجة إلى مراجعة شاملة، فيما تمثل القرارات اللاحقة خاصة المتعلقة بالملكية العقارية تراجعاً عن فكرة المساواة.

ثانياً: المواطنة ظهرت كمدخل رئيسي للحل، دون تعارض مع حق العودة أو الهوية الفلسطينية.

ثالثاً: ضرورة مقاربة ملف الفصائل الفلسطينية ضمن إطار مساءلة فردية لا جماعية.

رابعاً: وجود أزمة هوية متفاقمة لدى الجيل الفلسطيني الجديد في الشتات.

خامساً: العلاقة السورية–الفلسطينية ليست سردية واحدة، بل تاريخ مركب من التضامن والتوظيف والاختلاف، ما يستدعي إعادة تعريفها على أساس الحقوق لا الشعارات.
يتواصل اليوم الثاني من الورشة في 14 حزيران/يونيو 2026، لبحث الإطار القانوني المستقبلي، وملف الصراع الإقليمي، ومستقبل الفلسطينيين في سوريا ما بعد التحولات.

المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة — مؤسسة بحثية مستقلة غير ربحية، مسجلة لدى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في سوريا بموجب القرار 5522 بتاريخ 9 كانون الأول/ديسمبر 2025.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث