توفي عالم الاجتماع والنائب البرلماني السابق جون زيغلر (1934 - 2026) يوم الأربعاء في جنيف عن عمر يناهز 92 عامًا بسبب مرض باركنسون. كان زيغلر شخصية فكرية بارزة في اليسار السويسري، يُعتَبَر واحداً من أكثر مُنتقدي الرأسمالية والمُمارسات التجارية السويسرية. وقد ترك بصماته على الحياة السياسية والأكاديمية لأكثر من نصف قرن.
وُلِد زيغلر في أسرة من الطبقة المُتوسطة في سويسرا، وعاش طفولة سعيدة وإن كانت مُحافظة جداً. مع ذلك، كانت مشاهد الفَقر تُصيبه بالصَدمة. كان والده يقول دائمِاً: "هذه مَشيئة الله". لكن ما كانوا يسمّونه القَضاء والقَدَر كان وَضعاً لا يُطاق بالنسبة إليه.
خلال دراسته في باريس في خمسينيات القرن الماضي، مَنَحه جون بول سارتر وسيمون دي بوفوار الأدوات اللازمة لِفَهم العالم والنِضال من أجل التغيير. ومن خِلالَهما، أصبح الكتاب سلاحاً بالنسبة إليه. كانت دي بوفوار أيضاً هي من أَطلَق عليه اسمه. فعندما رَأَت اسمه الأصلي [هانز] على أول نَصٍ كتبه لـمجلة Les Temps Modernes (الأزمنة الحديثة)، سألته: "ما هذا الاسم"؟ قالت له أن هذا ليس اسماً، وشَطَبَت عليه واستبدلته باسم "جون".
في عام 1964 عندما كان في الثلاثين من عمره، شارك زيغلر في لقاء كان سيغير حياته. طُلب منه وهو ناشط شيوعي مرافقة تشي غيفارا، الذي جاء إلى جنيف لتمثيل كوبا في أوّل مؤتمر حول تجارة السكر. وعندما اضطرت الشخصية الثورية إلى المغادرة مرة أخرى، اعتقد جون زيغلر أنه يجب أن يتبعه إلى أميركا الجنوبية.
لكن الثائر تشي غيفارا نصحه بعدم فعل ذلك. وفي برنامج على قناة التلفزيون السويسري الناطق بالفرنسية (RTS)، روى زيغلر كلام غيفارا: "في جنيف، حيث نرى كل أنواع الإعلانات للمصارف الكبرى وشركات التأمين والمجوهرات. قال لي: "هنا، في قلب النظام، عليك أن تحاربه، لأن عقل الوحش موجود هنا'". وظل مقتنعًا بهذا الأمر طوال حياته: على كل إنسان أن يناضل في المكان الذي وُلد فيه.
في عام 1976، نشر جون زيغلر كتابه "سويسرا فوق الشبهات"، هاجم فيه النخب بشكل مباشر وندد بالأرباح التي تحققها الشركات السويسرية متعددة الجنسيات على حساب أفقر الناس. كما انتقد أيضًا السرية المصرفية، وهيمنة عالم المال على مؤسسات البلاد.
وفي عام 1997، نشر كتاب "سويسرا والذهب والموتى". وفي مقابلات أجريت معه حول كتابه، لم يتردد في القول بأن المصرفيين السويسريين لعبوا دور "أسوار هتلر" طوال الحرب العالمية الثانية. وقد أكسبه موقفه الحاد، حول هذا الموضوع وغيره، الكثير من الإعجاب بقدر ما عزّز صفوف معارضيه.
في سن التسعين، نشر زيغلر آخر كتبه. وحمل هذا الكتاب عنوان: "من أين ينبع الأمل؟" وهو نداء للمقاومة في مواجهة الأزمات العالمية والكوارث المعاصرة المتمثلة في الحرب والمجاعة وعدم المساواة. لقد دعا هذا الماركسي المؤمن، الذي كان معارضًا للرأسمالية الليبرالية الجديدة ولطالما اعتبرها "مصدر كل مصائب العالم"، إلى صحوة الضمائر من أجل مستقبل أفضل.. كما دعا بإلحاح إلى ضرورة تجاوز هذا "النظام القائم على مبدأ وحيد هو الربح". لأن هذا المبدأ غير قابل للإصلاح، ولأنه يقوم على "الغياب التام للرقابة الشعبية أو البرلمانية أو رقابة الدولة".
صورة من السخرية والتعاطف
في عام 2016، أنتج المخرج السينمائي الفرنسي نيكولا فاديموف فيلمًا وثائقيًا عن عالم الاجتماع الشهير، الذي لم يتغير التزامه السياسي منذ عقود. وقد نجح فيلم "جون زيغلر، تفاؤل الإرادة" في التحدي المتمثل في تقديم صورة لا للمحاكمة ولا للتقديس.
فقد بدا صادقًا ومحبوبًا ومتماسكًا جدًا، لكنه أعمى، وأحيانًا، مغرورًا بنفسه. وأوضح المخرج، الذي كان تلميذه لعدة أشهر في جامعة جنيف: "إنه يثير أعصابي أحيانًا، لكنني أكنّ له الكثير من الاحترام". "أردت أن أكشف حقيقة هذا الرجل الذي يظهر دائمًا بمظهر الممثل باستمرار".
وقد أكد صانع الفيلم الوثائقي عند عرض الفيلم: "كان على الجمهور أن يتساءل عن تعليقاته وعن عمى بصيرته، ولكن بقية أفكاره كانت مسموعة". ويضيف: "لا أعتقد أن جون زيغلر مخدوع تمامًا بالثورة الكوبية. لديه هذه الرؤية الرومانسية. إنه يريد أن يؤمن بها، وهو يؤمن بها لأنها جميلة".
الأمل حتى النهاية
اعتنق جون زيغلر الكاثوليكية في وقت متأخر، وقد تحدث عن علاقته بالموت في وسائل الإعلام. "الحياة الأبدية هي الغياب النهائي للموت"، قال لـ RTS في عام 2024: "هذا واضح. وأكرر: هناك الكثير من الحب في العالم … يجب أن يكون هناك مصدر لهذا الحب في مكان ما. وهذا المصدر هو الله الذي يمنح الخلود".
هذا الرجل ذو الشخصية المركبة كان لديه أمل في الحياة بعد الموت. في كتابه الأخير "أين الأمل"، وهو آخر كتاب له نُشر في عام 2024، تساءل أين نجده في عالمنا المليء بالنار والدم… بالنسبة إلى جون زيغلر، يكمن الأمل "في قدرة البشر على المقاومة".
ولئن كان القارئ العربي يجد في مؤلفات زيغلر العديدة ما يشفي غليله لدفاعه عن بعض قضاياه كما لو كان ينتمي الى العالم النامي، فإن الكتاب الذي صدر قبل مدة للكاتب والصحافي التونسي رياض الصيداوي تحت عنوان "جون زيغلر يتحدث إلى العرب"، يُـعد بمثابة كشف النقاب لأول مرة عن مواقف هذه الشخصية السويسرية من القضايا العربية الهامة، كالقضية الفلسطينية التي ساندها منذ مدة، ورفضه لما يسميه "العنهجية الإسرائيلية". جاء الكتاب الصادر عن مركز الوطن العربي للنشر، على شكل حوارات ساخنة مع المفكر السويسري، أفشى فيها ببعض انطباعاته عن القادة العرب ممن التقى بهم في مناسبات مختلفة، كصدام حسين أو الجزائري عبد العزيز بوتفليقة أو الليبي معمر القذافي أو النائب السابق وليد جنبلاط، الذي تربطه به علاقات وثيقة، من دون أن ننسى ياسر عرفات.
جون زيغلر عُرف بمواقفه الجريئة والداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني. في كتبه وحواراته، يصف زيغلر الاحتلال الإسرائيلي بأنه "نظام استعماري" وأحد أسوأ أشكال الاستعمار عبر التاريخ، مشدداً على أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي ترفض الالتزام بالقانون الدولي ومعاهدات جنيف.




