في زاوية منسيّة من تاريخ النكبة الفلسطينية، حيث تتقاطع الأرقام مع الأسماء، تختار الروائية الأردنية صفاء الحطّاب أن تفتح كوّة سردية على عالم "أقفاص" 1948، وهي تلك المعسكرات التي أقامتها العصابات الصهيونية لاحتجاز المدنيين الفلسطينيين خلف الأسلاك الشائكة، وأطلقت عليها اسماً يكاد يكون اعترافاً صريحاً بطبيعتها "Cages" أي الأقفاص.
النوفيلا أو الرواية القصيرة "791 معسكر الاعتقال رقم 1" الصادرة حديثاً 2026، إضافة جديدة إلى الأدبيات الفلسطينية المتعلقة بالنكبة، ومحاولة لفتح ملف ظلّ مغلقاً طويلاً في الذاكرة الجمعية العربية، إنه ملف معسكرات الاعتقال المدنية التي سبقت تأسيس دولة الكيان بأسابيع، وامتدّت لتشمل آلاف الفلسطينيين الذين تحوّلوا في عرف المحتل إلى مجرد أرقام قابلة للشطب.
تستهلّ الحطّاب عملها بمقطع صحفي مقتبس من مراسل نيويورك تايمز في الحادي عشر من تشرين الأول 1948، يصف معسكر "إجليل القبلية" قرب يافا، حيث احتُجز نحو 2500 أسير عربي خلف الأسلاك الشائكة في خيام تزيد على المئتين. هذا الاختيار الافتتاحي ليس مجرد توطئة توثيقية، وإنما هو إعلان جمالي وأخلاقي، فالرواية ستشتغل في المنطقة الحرجة بين الوثيقة والمتخيّل، وبين الأرشيف الموثّق والذاكرة الحيّة التي تستعيد تفاصيل لم يلتقطها المراسلون الأجانب لأنها أعمق من أن تُختزل في تقرير.
بنية مزدوجة.. قبل الكارثة وفي قلبها
تنقسم الرواية إلى فصلين متقابلين كأنهما مرآتان متواجهتان. الفصل الأول، المعنون "القدس"، ينقلنا إلى ما قبل الكارثة، إلى حي الطالبية الراقي وحي القطمون الغربي وقرية بتير وتلال إجليل، حيث تتشابك حيوات شخصيات الرواية - نائلة ونعمان وعيسى وإبراهيم وصفية - في نسيج اجتماعي فلسطيني عامر بالحياة، فتعرف على مدرّس يعمل في إذاعة "هنا القدس"، ومذيعة شابة تقدم برامج الأطفال، وفلاح من بتير يكافح لدفع الضرائب البريطانية ليتزوج ابنة عمه، وعائلة بورجوازية مقدسية تخطط لحفلات الزفاف. هذا العالم الذي تبنيه الخطّاب بصبر في الفصل الأول شرط ضروري لكي يكتسب الفصل الثاني قوته المدمّرة.
أما الفصل الثاني، "معسكر الاعتقال 791 - حزيران 1948"، فيدخلنا مباشرة إلى الكابوس، حيث نائلة وصفية واللواتي معهنّ من قرية إجليل القبلية يُساقون إلى المعسكر، وتُجبر صفية على الولادة في العراء بمساعدة داية تستخدم سكيناً صغيرة، ثم تموت لتُحرق جثتها مع جثث المعتقلين الآخرين، بعد أن تُدفن جثة المولود حديثاً في حفرة عجلى خلف بيت الولادة. ويصبح الطفل، الذي تسميه نائلة "إبراهيم عيسى نعمان"، حاملاً لأسماء الموتى جميعاً ولذاكرة عائلتين تكاد تُمحى.
شعرية التسمية وسياسة الترقيم
العنوان نفسه " 791" يحمل نواة المشروع الجمالي للرواية. فالأرقام في هذا النص ليست محايدة؛ إنها أداة المحتلّ في تحويل الإنسان إلى وحدة قابلة للإحصاء والشطب. حين تصرخ صفية في ليلتها الأولى داخل المعسكر: "من يكون مولودي مجرد رقم في هذا المكان البائس!"، فإنها تطلق إعلاناً وجودياً يقع في صميم التراجيديا الفلسطينية أي الصراع الدائم بين الاسم والرقم، بين الذاكرة الفردية والمحو الجماعي. وحين يردّ الجندي الصهيوني بإطلاق رصاصة قاتلة على صفية، فإن الرواية تكشف كيف أن سلطة الترقيم لا تتسامح حتى مع المحاولة اللفظية للخروج منها.
في المقابل، تشتغل الحطّاب على شعرية الأسماء بذكاء سردي لافت، فشخصية سلامة اليافاوي، المقاتل الذي شارك في معركة وادي الصرار قبل وقوعه أسيراً، يحمل وصية الشهيد عيسى إلى نائلة وهي أمانة من سلاح خفيف ومسدس مخبأ في مغارة في جبال القدس تسمى "كهف القناديل" أو "الكهف العجيب". ونلحظ هنا أن الأسماء الشعبية للأمكنة، بما تحمل من شعرية فلكلورية، تقف نقيضاً صريحاً للأرقام العسكرية. ويمكن قراءة الرواية بأكملها بوصفها حربا بين نظامين للتسمية، أي نظام يصدر عن الأرض ويسكنها، ونظام يفرض من فوّهة البندقية.
الاقتصاد السردي وكثافة المشهد
ما يميّز هذه الرواية القصيرة هو اقتصادها السردي اللافت. في ست وتسعين صفحة فحسب، تتمكّن الحطّاب من رسم لوحة بانورامية لمجتمع كامل قبل النكبة، ثم تدميره أمام أعيننا، دون أن تسقط في فخ الإطناب الميلودرامي الذي كثيراً ما يطارد الأعمال التي تتناول هذه الحقبة. ثمة في النص حساسية برختيّة (من بريخت)، حيث يُترك للقارئ أن يستكمل المسافات العاطفية بنفسه. حين تكتب الحطّاب أن نعمان "شرد بعيداً يفكر بالأوضاع العامة المقلقة المحدقة بفلسطين، والأخبار التي ترد من هنا وهناك" خلال حفل خطوبة شقيقته، فإنها لا تقول لنا إن الكارثة قادمة؛ إنها تجعلنا نشعر بها من خلال صدع صغير في حضور البطل لحظة فرحه.
تستخدم الكاتبة تقنية القطع المونتاجي بفعالية مذهلة. مشهد الخطوبة المضيء في حي القطمون يقطعه فجأة وصول إبراهيم في صباح اليوم التالي ليكتشف أن عيسى - الذي كان يحتفل بخطوبته قبل ساعات - قد قُتل في عملية فدائية ضد الإنجليز والصهاينة. هذا التحوّل المباغت حيلة سردية متقدمة؛ كما إنه يعكس البنية الزمنية للنكبة نفسها، حيث كانت الحياة الفلسطينية تتداعى بسرعة لا تتيح للوعي أن يلحق بها.
الكتابة بضمير الناجي
تشتغل الحطّاب في نص يصعب تصنيفه، فهو ليس رواية تاريخية بالمعنى التقليدي، وليس شهادة وثائقية صرفة، وليس أيضاً مرثاة شعرية. إنه نوع هجين يستفيد من قوة الثلاثة معاً. وتتخلل النص اقتباسات من محمود درويش ("من يكتب حكايته يرث أرض الكلام، ويملك المعنى تماماً") ومراجع إلى كتاب "كي لا ننسى" لوليد الخالدي، إضافة إلى ملحق مصور في نهاية الرواية يضم صوراً أرشيفية بما فيها صور التقطها الجيش الإسرائيلي نفسه لمعسكر إجليل، والتي تعمل كشهادة بصرية تُعزّز المتخيّل السردي.
هذا الاختيار له دلالة عميقة، فالحطّاب لا تطلب من القارئ أن يصدّقها على إطلاقها؛ إنها تقدم له المواد الخام إلى جانب معالجتها السردية، كأنها تقول: هاكم الأرشيف، وهاكم ما يمكن للأدب أن يفعله به. الصور الفوتوغرافية للمعسكر، بأسلاكها الشائكة وأبراج المراقبة وخيامها، تقف شاهدا بصريا على واقعة طُمست طويلاً، فيما تأخذ الرواية على عاتقها مهمة استعادة الأصوات الفردية التي ابتلعتها الأرقام.
النساء حاملات للذاكرة والمقاومة
من أهم منجزات الرواية هو تمركزها حول الشخصيات النسائية كحاملات لخيط السرد وفعل المقاومة. نائلة، المذيعة في "هنا القدس" التي تخسر عائلتها بأكملها، تتحوّل في المعسكر إلى مريم الفلسطينية - أمّ لطفل ليس طفلها، حافظة لأمانات الشهداء، مهرّبة للأسلحة عبر تواطؤ صامت مع سلامة اليافاوي. الست روز، أم عيسى التي تطلق الزغرودة فوق جثة ابنها بدلاً من البكاء، تجسّد نموذجاً للمرأة الفلسطينية التي ترفض أن تكون مجرد ضحية، وتصرّ على أن الفقد يُقاوم بفعل ثقافي.
حتى صفية، التي تموت في المعسكر قبل أن تكاد تظهر، تترك أثراً يتجاوز موتها، حيث ابنها يحمل اسم زوجها وأخيها وأبيها معاً، ويصبح وعاءً لذاكرة لا تكتفي بأن تُحفظ، بل تتحرّك في الزمن. حين تختم الرواية بمشهد روز وهي تضع يدها على كتف نائلة قائلة "لن يحيا عيسى من جديد إلا بكما"، فإن الحطّاب تطرح أطروحتها الأعمق وهي أن البقاء الفلسطيني ليس مجرد بقاء بيولوجي، بل هو فعل وراثة ثقافية يتمّ عبر النساء والأطفال والأمانات والأسماء.
ملاحظات نقدية
ثمة في الرواية مواضع يبدو فيها التوتر بين الطموح التوثيقي والطموح الجمالي غير محسوم. الاقتباسات الصحفية المباشرة وبعض الإحالات التاريخية المفصّلة (كأرقام موظفي إذاعة "هنا القدس" أو تفاصيل قانون الضرائب البريطاني) تثقل أحياناً النسيج السردي وتُذكّرنا بأننا نقرأ نصاً يحاول أن يعلّم بقدر ما يحكي. كذلك، فإن حوارات بعض الشخصيات في الفصل الأول تميل إلى الخطابية، حيث تنطق الشخصيات بمعلومات تاريخية أكثر مما تنطق بأصواتها الخاصة. ولو منحت الكاتبة هذه الشخصيات قدراً أكبر من الكثافة النفسية الداخلية، لربما اكتسب النص قدرة أعمق على الإقناع الجمالي.
كما أن الانتقال السريع بين الشخصيات في الفصل الأول، رغم أنه يخدم الغاية البانورامية، قد يربك القارئ في بعض المواضع، حيث يجد نفسه أمام عالم مزدحم بالأسماء قبل أن يتمكّن من بناء علاقة عاطفية متينة مع أيٍّ منها. الفصل الثاني، حين يضيق الفضاء السردي إلى داخل المعسكر، يستعيد كثافته ويغدو أكثر إقناعاً، لكن السؤال يبقى: هل كان ممكناً للفصل الأول أن يكون أقل اتساعاً وأكثر عمقاً؟
رواية تعيد رسم خريطة الأرشيف
على الرغم من هذه التحفّظات، تنجح الحطّاب في ما هو أهمّ، وهو استعادة فصل منسي من تاريخ النكبة وإعادة إدراجه في الذاكرة الأدبية العربية. معسكرات الاعتقال المدنية التي أقيمت في 1948، رغم أنها وُثّقت في الأرشيف الإسرائيلي نفسه (تظهر صور المعسكر بالعبرية والعربية في ملحق الرواية)، فقد ظلّت بعيدة عن المتن السردي الفلسطيني الذي تركّز على المجازر الكبرى (دير ياسين، الطنطورة) وعلى رحلة اللجوء.
وتفتح هذه الرواية ملفاً مغلقاً وتطرح أسئلة جديدة: ماذا حدث للمدنيين الذين لم يُقتلوا ولم يُهجّروا مباشرة، بل احتُجزوا لشهور في معسكرات عمل قسري؟ كيف تختلف ذاكرة المعسكر عن ذاكرة المنفى؟ ما الذي يفعله نظام الترقيم بالإنسان حين يستعيره دولة ناشئة من نظام آخر طُرد منه يهود أوروبا أنفسهم قبل ثلاث سنوات فحسب؟
ويحمل السطر الأخير في الرواية - "لن يحيا عيسى من جديد إلا بكما" - مفارقة دقيقة. هذا "عيسى" المسيحي الاسم، الذي قُتل في عملية فدائية على يد جنود يهود، يبعث من جديد في طفل يحمل اسمه لكنه ليس ابنه بيولوجياً، تربّيه امرأتان مسيحيتان (نائلة من حي الطالبية، وروز أم عيسى) في دير مار الياس. الانبعاث الفلسطيني، تقول الحطّاب، يحدث في الفجوات بين الأسماء والأنساب الرسمية، عبر تبنّيات روحية تتجاوز منطق الدم والوراثة المباشرة. وهذه ربما هي أعمق فرضية في الرواية وهي أن الذاكرة الفلسطينية لا تورّث جينياً، بل تُختار وتُحمل كأمانة، تماماً كما حمل سلامة الياسوي صرّة عيسى من حي الطالبية إلى مغارة في جبال القدس، وكما حملت نائلة طفل صفية من قبر أمه إلى دير في القدس، ومنه إلى المنفى.
ويمكن القول ختاما أنه في زمن تُعاد فيه كتابة تاريخ النكبة من زوايا متعددة، تأتي رواية الحطّاب لتذكّرنا بأن الأدب ليس مجرد أرشيف موازٍ، بل هو الشكل الوحيد القادر على إعادة الاسم إلى الرقم، والوجه إلى الإحصاء، والحكاية إلى الصمت الطويل الذي خلّفته الأسلاك الشائكة عام 1948.




