في هذا الحوار مع "المدن"، يتحدث الروائي السوري - الفلسطيني، يوسف م شرقاوي عن لغته ومصادر حكايته وعوالمه وأبطاله وعلاقته بالواقعية السحرية والقراء ومدنه المتخيلة وسوريا..
- اخترتَ الواقعية السحرية لتروي أحوالاً شديدة القسوة. لماذا؟
عندي جوابان. يتردد في الأدب، عادةً، أنّ الكاتب لا يختار موضوعه، بل إنّ الموضوع هو الذي يختاره. أظنّ ذلك ينطبق على النوع أيضاً، وأظنّ خوان رولفو، وهو يؤسس لهذا النوع، لم يكن معنياً بتفصيلات النوع، بقدر ما هو معني بحساسية ما يتناوله.
جوابي الثاني، أنّ معطيات الواقع السوري في زمن كتابة الرواية، 2024، هي المعطيات الخارقة للواقع، وبوسعي القول إنها كانت: المستحيل المحقق. كان العيش بالنسبة لمعظم السوريين مكابدة، وعناء، وشيئاً إلزامياً لا بد من فعله، إلى أن يشاء الله. من ذلك، أظن، أنّ ما يجري في الرواية، ممكن الحدوث في الواقع. كما أنّ الواقعية السحرية، وهي تقف على اليومي والمفاهيمي، تمنحه جمالاً. كان بوسع ماركيز القول، مثلاً: فلانة ماتت. لكنه اختار لها أن تصعد نحو السماء، وكان بوسعه القول: فلان وقع في الحب، لكنه فضّل القول إنه رأى بضع آلاف من الفراشات الصفراء، ولم يشكّ واحدٌ منا في ذلك.
- "عين غوزانا" تبدو للقارئ مدينة متخيّلة، لكنها رغم ذلك مألوفة جداً. إلى أي حدّ كنت تكتب عن سوريا؟ وإلى أي حدّ كنت تكتب عن كلّ بلد عربي رازح تحت الخوف؟
عين غوزانا، في الحقيقة، مكان موجود في سوريا، ويمكن للباحث الفضولي أن يكتشفه. كنت أكتب عن سوريا فعلاً، بوصفها جغرافيا يائسة، منذورة للعنة في السياسة، والجغرافيا، والتاريخ. لعنة تصورها الرواية على أنها "عزمي أبو سمكة". ومع ذلك، فإنّ لسوريا نحو أربعين بلد شبيه، لا شك في ذلك.
- الملفت في العنوان أولاً كلمة "مجراويّة". لماذا اخترتها؟ وما الذي منحتك إياه هذه المفردة الشعبية للسرد أو العنونة؟ رغم أنّك كان يمكن أن تختار "حكاية" مثلاً أو "سيرة"؟
مجراوية، هي تطويع لما جرى ومجريات، واستُخدمت قديماً في وصف السير الشعبية، ومنها نقول: مجراوية الزير سالم. الرواية كذلك، تخلط ما بين السيري والشعبي، والتجريب الأدبي. وأظنها، مثلما يمكن أن تُقرأ بين دفتي كتاب، يمكن أيضاً أن يرويها حكّاء في مقهى، من دون أن تفقد من نفسها شيئاً.
- ولادة جوزيف تأتي متزامنة مع صعود الديكتاتور. هل قصدت القول إن الفرد العربي يولد داخل السلطة قبل أن يولد داخل العالم مثلاً؟
من الفلسفات التي أحبها، فلسفة كارل ياسبرز حول مواقف الوجود النهائية أو الحدية. يقول مثلاً إنّ ولادة سين من الناس لعائلة كذا في تاريخ كذا وبلد كذا ولون بشرة كذا ودين كذا، هو موقف نهائي للوجود. أظنه نسي شيئاً واحداً: الولادة في ظلّ نظامٍ سياسي معين، موقف نهائي للوجود أيضاً. هذا الشرط التاريخي يُملي على الإنسان، في بعض الأوقات، طبيعة وشكل حياته.
- من أقسى المشاهد في البداية، هو مشهد ضرب جوزيف على قفاه كي يبكي. ماذا أردت أن تقول عن هذا الإنسان في هذه البلاد؟ أيُدرَّب على الخوف منذ ولادته ونشأته؟
يشير توم لوتز في كتابه "تاريخ البكاء"، هكذا ببساطة، إلى أنّ منطقتنا أنتجت أقدم تسجيل للدموع في التاريخ. كان التسجيل مكتوباً على شظايا متفرقة لألواح طينية كنعانية من القرن الرابع عشر قبل الميلاد، في قرية ساحلية شمال غربي سوريا. هذه الألواح، المعروفة بنصوص رأس شمرا (أوغاريت)، تحتوي على قصيدة تروي قصة موت إله الأرض "بعل"، وبكاء الإلهة العذراء "عناة"، أخت/زوجة بعل، بعد سماعها خبر وفاته. الترجمة العلمية المعتمدة تظهر أن عناة "أتخمت نفسها بكاءً حتى صارت تشرب الدموع كما الخمر!". هذا النص هو أول ذِكر مكتوب للدموع. وبعض النسخ تشير إلى أنّ دموع عناة، لكثرتها، تعيد بعل إلى الحياة.
في جلجامش، الفراتي العراقي الحزين، تبلغ دعوته لبكاء صاحبه أنكيدو مبلغاً جنونياً، أبدياً، وأظنّ بكاء عناة، وبكاء جلجامش، كلا البكاءين هما المسار الطبيعي الذي جئنا منه جميعاً، فقد جئناها باكين، أيضاً، كما يقول الملك لير عند شكسبير. هذه البلاد محكومة بهذا النص. هذه البلاد منذورة للبكاء، ولا شيء غيره: "وعسى ألا يبطل النواح عليك مساء نهار".
- نبوءة جوزيف بأنّه سيقتل أمه بقيت تلاحقه لزمن مهم. لماذا وضعتَ بطلكَ تحت لعنة فوق لعناته؟
ما الذي ينقص بطلاً تراجيدياً؟ نبوءة، أو رؤيا. أوديب رأى أنه يقتل أباه، ماكبث رأى الساحرات الثلاث، فاوست تحالف مع الشيطان. ما الذي ينقص بطلاً شعبياً أيضاً؟ مُحدِّدٌ ما، لسيرته: سوف تقتل أمك. متى، كيف؟ لا أحد يعرف. طبيعة القتل نفسه غير مُشار إليها. هل النية طيبة، شريرة، خيّرة؟ كان على جوزيف أن يواجه ذلك.
- إذا نظرنا إلى "نعمة" الأم، نراها صورة مصغّرة عن الوطن المتعب والبراءة المفرطة المستنزفة. هل توافق على هذا المعنى؟
نعمة، في الحقيقة، هي شيءٌ من أمي أنا. نعيمة حناوي هي نموذجي المثالي عن الحق والخير والجمال، عمّا يمكن أن تقاسيه امرأة في حياتها وتظل تضحك في وجه العالم، عن عينين انطفأتا لفرط ما رأتا الآخرين، لكنهما لم تلتفتا إلى نفسيهما، عن الحكاية، بوصفها حكاية، عن البطولة التي لا أحد عرف شيئاً عنها، عن الفناء والوجود في آن، عن أبسط حلم ممكن في العالم، وأعصى الأحلام على التحقق، لأنّ هذا شرط حياتها.
هذه المرأة هي بطلتي الدائمة المطلقة والأبدية، بطلة كل الحكايات، وما أظنني تعلمت الكتابة إلا لأكتب عنها، ومع ذلك أظل أراها أسمى من اللغة، أسمى من أن تُكتَب، وأعرف أنّ في حكايتها شيئاً نادراً يجب أن يعرفه العالم كلّه.
هي البطلة الوحيدة في العالم التي لا تدرس إمكانات وجودها في الأدب، بل تدرس إمكانات الأدب لتوجد به: هي الحس النادر، النقلة العجيبة مما قبل العاطفة إلى ذلك الإحساس السامي النبيل النادر الذي نطلق عليه لقب: الحنان... لأنه المُعطى الثابت في حياتها في وجه المتحوّلات، وبوسعها أن تحوّر كل قسوة العالم، كل قباحته، كل ما قاسته في حياتها، أن تبرر هذا كله، لتظلّ حنونة. لذا، فإن نعمة في الرواية، هي شيءٌ من نعيمة حناوي.
- والد البطل "مهاوش" أخفيته بضغوط كثيرة من العنف والخوف والترهيب. هل اختفى معه معنى الحماية والسلطة والأمان؟
مهاوش، في الحقيقة، هو نموذج الإنسان الملعون بموقفه النهائي للوجود في ظل نظام سياسي مثل نظام أبو سمكة. ثمة مرحلة لاحقة اسمها "إيضاح الوجود". كانت لدى جوزيف إمكانات الخوض فيها، أما مهاوش، فأظنه أنجز دورته الحزينة.
- هل أخطر ما تفعله الأنظمة القمعية هو تحويل الإنسان إلى كائن خائف من ذاته؟ أسألكَ هذا السؤال وفي بالي السجن في روايتك الذي يعذّب الجسد ويعيد تشكيل النفوس..
سوريا، في الحقيقة، طيلة نحو ستين عاماً، سجن كبير. خلال سنوات الثورة، كان الرعب من السجن مُحدِّداً للعيش، لما يُقال وما يُفعل. سجن الرصاص، في الرواية، هو حصيلة ما أنتجته الأنظمة القمعية في شرقنا هذا.
- قدَّمتَ لنا القلم بصورة أنّه يمتلكُ قدرة عجيبة، تارة يحذف الأحداث وأخرى يستعيد الموتى. ماذا أردتَ من ذلك؟ وهل في ذلك شيء من الوهم أو التعويض؟
القلم، بشكلٍ خاص كما تعرف، مرتبط بسجن الرصاص، وسجن الرصاص هو عين غوزانا، وعين غوزانا هي نعمة وجوزيف ومهاوش وعوني وفريدة وأبو عرنو ووو.
هناك شيء لافت في الواقعية السحرية، أنّ وسائل من هذا النوع لا تُعامل على نحو ملحمي، ولا كوسائل لإنقاذ الأبطال. بل، تبدو مغرقة في اليومية. هي أشياء عادية، قابلة للحدوث، وضمن الذاكرة الجمعية. السجاد الطائر، ألِف بورخيس، المغناطيس، وغيرها. ما من تفسير علمي، وبالعادة ما من تفسير سحري. لكني تنازلت عن الشق الأخير: مصدر القلم واضح، وآلية عمله واضحة. وهو إشارة سياسية، نفسية، اجتماعية.
- يجوز لك أن تعتبر سؤالي كليشيه، ولكن هل "مجراويتك" يمكن اعتبارها رواية ضد الرواية الرسمية؟
في الحقيقة لا أعرف ما هي "الرواية الرسمية".
- إذا انتقلت معك إلى لغة "المجراوية"، لقلتُ إنّها مكتوبة بشِعرية عالية، ومع ذلك لا نجدُها تفقدُ شيئاً من قسوة الواقع. الكلمات مسنّنة، لكن إلى حدّ لا تختفي معه الأحداث. كيف وازنتَ بين الجمال اللغوي وخراب العالم الذي تصفه؟
اللغة تنطوي على نقيضها، ولكنها غير معزولة عن سياقاتها. كما أنّ فيها ذلك الشيء الخلّاب الذي أحب أن أسمّيه: الإنكار. عوض أن أقول أني كنت أئن طيلة الليل من وجعٍ في السن مثلاً (وثمة كتّاب يحبون ذلك)، تمنحني اللغة قدرةَ أن أقول: كنت أعوي مثل ذئب طيلة الليل.
السياسة، أحياناً، تضيّع اللغة، ولذا يصبح على الأخيرة، في أقسى اشتباكاتها، أن تعيد توكيد قدرتها على ألا تذوي وتضيع في مواجهة العالم، في مواجهة النظام. تصبح بمكان ما، أداة تفسير، وأداة جمالية. تحاول بمكان آخر أن تنافس ما توصّفه، أن تتفوق عليه، أن تسحره. وأظن اللغة العربية، استخداماً، وسيّما في السنين الأخيرة، لم تقف على ما هو جمالي بقدر ما وقفت على اليومي والتعيس والتراجيدي، وقد استطاعت، بمجهود المشتغلين فيها، أن تجمع بين الشيئين معاً: جمالها الخاص، وخراب العالم.
- هل كنت تشعر فعلاً أنّ سقوط الأسد سيحصل؟ لا يمكنني تجاهل هكذا سؤال خصوصاً أنّك كتبت الرواية قبل سقوط نظام الأسد.
في الحقيقة لا. لستُ أدّعي أن الرواية استشراف أو قراءة للمستقبل. كان السياق في زمن الكتابة يدل - أكثر ما يدل - على أنّ العالم متفق على تعويم نظام الأسد مجدداً. دعوات، ولقاءات، وإعادة اعتبار. كانت هذه الطعنة الأخيرة في ضمير الإنسان السوري. لكي لا يموت المرء يأساً، يكتب كي يصنع انتصاراً ولو على مستوى التخييل.
- بطلكَ جوزيف البديري، في نهاية الرواية نشعر أنّه انتصر، وربما ينجح في الهرب من أن يكون نسخة عن جلّاده...
ليس عندي جواب يقيني على هذا السؤال. الرواية لا تقدّم مآلات الثورة التي بدأها جوزيف البديري. لكني، مما أعرفه عنه، أجزم أنّ عنده ما يكفيه كي يفهم أنه سيخسر نفسه لو انمسخ إلى صورة ما يواجهه. ما يميز جوزيف أنه لم ينتفض في وجه الظلم لأنه ليس هو الظالم، بل انتفض ضده لأنّ هناك ظلماً قائماً بحق الناس. وأظنه لم يثُر في وجه أبو سمكة كي يحل محله، بل كي يعيد تصويب التاريخ.
- الحب نادر وقليل في الرواية، وكأنه مشتهى أو حلم. أين أخفيته؟ ولمَ؟
لا أظن ذلك. إنّ رحلة جوزيف الأغنى، على مستوى الذهن، هي بحثه عن عشيقة المتنبي. وأظنه قد فعل ذلك. كما أحبَّ حبَّ المتنبي، وحبَّ نفسِه. قصته، سواء في الطفولة والصبا مع خولة، أو في الشباب والثورة مع ماري، تشغل حيزاً لا بأس به مما يقوله. أظن أنّ الحب حاضر، لكنّه ربما يبدو شيئاً هامشياً في ظل نظام أبو سمكة. وأظن، أنه لو بدا ذلك فعلاً، فقد تحققت الغاية على نحو صحيح.
- ما الذي أضافَه للرواية قدومُكَ من النقد المسرحي؟
في الحقيقة لا أظن أنّ هذا العامل قد أضاف شيئاً. الاشتغال المسرحي شيء، والروائي شيء آخر. لكنه ربما منحني القدرة على أن أكون ناقداً وكاتباً في آن، وقاسياً على ما أكتب.
- ما علاقتك بالقراء مثلاً؟ أو بالأحرى ما الذي أردت للقارئ أن يشعر به بعد الصفحة الأخيرة؟ هل تدفعه "مجراويتك" لأن يكتب مجراويته الخاصة؟
أعرّف نفسي، بادئ ذي بدء، قارئاً. وأظنني لم أكتب الرواية إلا لأني أشتهي قراءتها. أتمنى للقارئ، أن يستطع في يومٍ من الأيام قَول ما قاله جوزيف في عنونة فصلٍ من حياته: "لقد عشت".
- بعد "مجراوية جوزيف البديري" هل تشعر أنّك بدأت مشروعاً أدبياً عن الذاكرة السورية الفلسطينية والعربية، أم أنّك تهرب من التصنيفات أصلاً وهذا لا يعنيك؟
أحاول الهرب من التصنيفات، كما أسلفت، أرى أنّ الموضوع هو الذي يختار الكاتب. وأعتقد أنّ موضوعاً اختارني منذ سنوات، وما أزال أنتظر الفرصة المناسبة لكتابته، رواية بعنوان "البرقع"، أنتظر أن تؤكد أنها تختارني فعلاً. أما المشروع الحالي، كما أشتهيه، فهو مشروع متصل بالمجراوية، وربما لا تكون لي علاقة به، إذ ما زلت أرتّب الأمور مع جوزيف البديري، على نشر شيءٍ ما. فجوزيف البديري، في نهاية المطاف، موجود، وفي يده القرار.




