كرة القدم: وراء كل ركلة...لا بدّ من وجود فكرة

محمد شرفالأربعاء 2026/06/10
نيقولا دي ستيل
نيكولا دي ستيل، 1952 - حديقة الأمراء Parc Des Princes
حجم الخط
مشاركة عبر

"فعل الشيء الصحيح، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب - هذا هو جوهر الفن" (جوزيف بويز، فنان ألماني، 1921- 1986).

 

في الفكر اليوناني القديم، كان التفوق البدني والكمال الأخلاقي ركيزتين لا تنفصلان. ولذلك، نجد في المنحوتات والتماثيل والمزهريات والفسيفساء، وحتى في اللوحات الجدارية القديمة، العديد مما يصوّر الرياضيين أثناء الحركة. فالعضلات البارزة، والحركة الرشيقة، والإيماءة، هذه كلّها تصلح أدوات تُذكّرنا بأهمية تحقيق التناغم التام بين الجسد والروح. وبهذا المعنى، سعى الفن دائمًا إلى تصوير الرياضة، حتى قبل أن يُطلق عليها هذا الاسم. ومن أشهر تماثيل العصور القديمة، المنسوبة إلى النحات الأثيني ميرون، والتي يعود تاريخها إلى القرن الخامس قبل الميلاد، تمثالٌ يُمثّل رياضيًا يرمي قرصًا. يُعرف هذا التمثال باسم "رامي القرص"، وهو تمثال هندسي ونظري، يُقدّم لنا رجلاً يتمتع ببنية عضلية مثالية. 

"رامي القرص" ميرون
"رامي القرص" للنحات الأثيني ميرون

ولطالما كان عالم كرة القدم الملون والبطولي والديناميكي مصدر إلهام لا ينضب للفن المعاصر (اللوحات، والمنحوتات، وفن الغرافيتي). ومن الأمثلة على ذلك، إجابة الفنان الألماني الناميبي ماكس سيدنتوبف على سؤال "هل يمكن اعتبار قمصان كرة القدم أعمالًا فنية؟" بالإيجاب، حيث أعاد إنتاج قمصان أيقونية لأندية كبرى مثل بايرن ميونخ، وإنتر ميلان، وتشيلسي، وبرشلونة باستخدام الأكريليك على القماش، معتمدًا أسلوب الرسم بالألوان. جُمعت هذه القمصان في كتاب "رابطة اللوحات"، العام 2022. ولا يزال هذا الافتتان الدائم بالقمصان، باعتبارها قطعًا فنية شعبية أصيلة، قائمًا. يقول الفنان المرموق نيل هيرد في فلسفته: "لو نظرنا أنا وأنت أو أي شخص آخر إلى هذه القمصان، لوجدنا الذكريات نفسها. إنها شيء يوحدنا كلغة عالمية".

Image-1781082648.Png
جان - لوك لوبيز

تُعدّ استخدامات وتصميم المساحات مؤشرات تُتيح لنا فهم مجتمعاتنا. تُعتبر كرة القدم من أكثر الأنشطة وضوحًا للعامة، فهي جزءٌ من ترفيهيّات البث المباشر. وسواء شوهدت في الشارع أو في أماكن مُخصصة، فهي من أكثر الرياضات شيوعاً. في الواقع، تُتيح المساحة الحضرية طيفًا واسعًا من نتائج هذه اللعبة، ويُشير الملعب، والذي يصبح أحيانًا رمزًا للمدينة، إلى الأهمية المُعطاة لهذه الرياضة، من دون الحاجة إلى مشاهدة اللاعبين أثناء اللعب. على أساس من ذلك، تصبح بعض الأماكن العامة ذات شهرة نظراً لارتباطها بهذه المباراة أو تلك، أو بأحد اللاعبين المشهورين.

 

النظام الجمالي

سواء كان ذلك نتيجة محتملة لتوجهات معينة، أو مجرد تطور في الأهداف الفنية التي لم تعد تسعى إلى تمثيل الواقع كما هو، فقد أصبح تصوير الرياضة في الفن وارداً في النصف الثاني من القرن العشرين، سواء في شكل مباشر أو غير مباشر. تُظهر لوحات فرانسيس بيكون وسلسلة نيكولا دي ستايل التي تتناول لاعبي كرة القدم وملعب "بارك دي برانس" أن الاهتمام بهذا الفن لم يتلاشَ. لكن هذه السلسلة الباهرة التي أنجزها دي ستايل، العام 1952، كانت موجهة بالفعل نحو عالم معاصر لم يعد فيه التركيز على الموضوع الرئيسي (في هذه الحالة هي مباراة فرنسا – السويد)، بل على النظام الجمالي. وقد أوضح الفنان ذلك قائلاً: "اخترتُ أن أتعامل بجدية مع المادة المتحركة". 

كلاوديو برافو

يُبرر بيير- أوليفييه دوفيس، وهو أحد الباحثين في تاريخ الفن المعاصر، هذا الأمر بقوله: "إذا كان دولوناي مهتمًا بالرياضة، فذلك لأنه يسعى إلى تمثيل طاقة العالم الحديث وديناميكيته تصويريًا". مع ذلك، يفسح الرسم والنحت المجال تدريجيًا لثورة تكنولوجية بدأت تكشف عن إمكاناتها، وستُغير بشكل جذري العلاقة بين الفن والرياضة وهو التصوير الفوتوغرافي. إذ شيئًا فشيئًا، ستُصبح الكاميرات قادرة على تمثيل جماليات وحركة الرياضة، مع احتلال التصوير الزمني مكانة بارزة في هذا المجال. كان المبتكران المُلهمان إتيان- جول ماري وجورج ديميني أول من حلل حركة الجسم أثناء الجري أو القفز أو حمل سلاح المبارزة. وبسبب نجاح التصوير الفوتوغرافي والسينمائي الرياضي، فقد حوّلته الأنظمة الديكتاتورية الناشئة، في مطلع ثلاثينيات القرن العشرين، إلى أداة دعائية للفاشية والنازية والستالينية. وكرمز لهذه الحركة، تحتفي المصورة الألمانية ليني ريفنشتال (1902-2003) في صورها وشرائطها بالقوة القتالية والروح الألمانية التي رفعت النازية من شأنها.

نطحة زيدان
"نطحة زيدان" للجزائري الفرنسي عماد عبد الصمد في باريس

لماذا الفوتبول فن؟

"وراء كلّ ركلةٍ للكرة، لا بدّ من وجود فكرة." - دينيس بيركامب (لاعب كرة هولندي شهير)

هذه الرياضة، التي تحوّل مئات الملايين من الناس إلى حشدٍ في لحظةٍ واحدة، وتجعلنا نكره بعضنا بعضًا، لكننا نحبّ غريبًا لمجرّد حبّنا المشترك لشعارٍ أو مدينةٍ أو لونٍ أو اسم، هل يُمكن اعتبارها فنًّا بالمعنى الحقيقيّ للكلمة؟ هل هي من الفنون؟ هل اللاعبون فنانون؟ 

 

ماذا نعني بالفن؟ أولًا، إنّ تعريف هذا المفهوم أمرٌ معقّد، نظرًا لكثرة ما يُمكن قوله وتطويره. بالنسبة للفلاسفة، الفنّ ليس سوى إبداعٍ بشريّ بسيط، على عكس الطبيعة. أما بالنسبة لآخرين، فالفنّ هو تجسيدٌ، بكلّ أشكاله الممكنة، للروح الإنسانيّة. يبدو أنّ أبسط تعريفٍ وأكثرها بلاغةً هو التالي: يُقال إنّ الفنّ هو نتاجُ مزيجٍ من الوسائل والتقنيات والعمليات والمشاعر التي يستخدمها الإنسان لتحقيق هدفٍ جماليّ محدّد. إذن، الفن هو نتاج فكرة، ومضة فكرية، وهدف يتحقق من خلال تقنية معينة. هذا هو أبسط تعريف لكرة القدم، كما نعتقد. 

كرة القدم

هل يمكن القول إن الفن وكرة القدم عالمان متناقضان تمامًا؟ ليس بهذه السرعة! فمن رسوم عصر النهضة للاعبين، إلى نطحة زين الدين زيدان الشهيرة، التي جسّدها الفنان الجزائري عماد عبد الصمد في منحوتة عُرضت في غير مكان، تُلهم كرة القدم الفنانين وتأسرهم على حد سواء. فإلى جانب كونها رياضة تُلعب بأحد عشر لاعبًا ضد أحد عشر، حيث الغاية هي تسجيل أهداف أكثر من الخصم بدفع الكرة - التي يجب ألا تلمس يد اللاعب أبدًا - إلى داخل المرمى، فإن كرة القدم تستند إلى شيء مشترك مع الفن: ترجمة الفكرة بنجاح إلى فعل ملموس من خلال تقنية دقيقة. التمريرة المتقنة، التوقيت، التمريرة إلى المساحة الخالية، التمريرة الطولية، أو العرضية إلى القائم البعيد، التدخل الانزلاقي. كل هذه الحركات هي من ابتكار اللاعب، العامل على تحويلها في ثوانٍ معدودة إلى حركة واحدة بفضل تقنية دقيقة. ويضاف إلى ذلك ذكاء اللعب، تحليل المباراة، التحكم، الدوران، والقوة. كل هذا باستخدام أصعب الأدوات: القدم.

 

بل والأفضل من ذلك، أن هذا الانتقال من الفكرة إلى الفعل يحدث في جزء من الثانية بفضل عوامل مختلفة (ضغط الخصم، احتمال تسلل أحد الزملاء، إلخ)، مما يجعل هذا الفعل أكثر سحرًا، وأكثر تميزًا لأعظم اللاعبين - الفنانين. في بعض الأحيان، تتعرض هذه الفكرة التي تدور في أذهاننا للتهديد، وتُحبطها عوامل مختلفة، لكن هذه العقبة، التي تظهر وتُعيد ترتيب أوراق اللاعب في اللحظة الأخيرة، قد تُولد أحيانًا أروع ما في كرة القدم، وأروع ما في الفن: الارتجال والإبداع.

نطحة زيدان

ماذا ستكون كرة القدم من دون تلك الإيماءات الفخمة، الأسطورية، العابرة للأجيال، وكلها نابعة من ارتجال مُبدعيها؟. من تمريرة بين ساقي الخصم، ومن بانينكا إلى مادجر، ومن حركة سومبريرو إلى الركلة المقصية، ومن تمريرة الكعب إلى ريفيلينو - قبل أن يشتهر بها رونالدينيو - كل هذه الإبداعات، كل هذه الأعمال التي لم تكن موجودة قبل أن تتجسد جرأة وعبقرية مبدعيها على أرض الملعب، هي التي تسمح لكرة القدم بأن تلامس بين الحين والآخر ما هو استثنائي، تمامًا كما يفعل الفن. من غير الفنان يمكن أن يخطر في باله مثل هذه الفكرة الثورية والمبتكرة في لحظة واحدة؟ تمرير الكرة بين ساقي الخصم، فوق رأسه، توجيهه إلى اليمين، ثم إلى اليسار، ثم إلى اليمين مرة أخرى دون حتى لمس الكرة، التسجيل بالكعب، كل هذه الإيماءات التي تُنفذ في جزء من الثانية، بعضها متخيل ومُبتكر مسبقًا، والبعض الآخر نتاج ارتجال عفوي، تسمح لكرة القدم ألا تقع أبدًا في الرتابة والملل، بل أن تجدد نفسها باستمرار من خلال الإيماءات، حركات تترك بصماتها في ذاكرتنا، مثل الرسم أو الموسيقى أو الرقص. 

كريستوفر ريتشارد وين نيفينسون (1889-1946)
كريستوفر ريتشارد وين نيفينسون (1889-1946)

هذه اللمسات الفنية، وهذه الخيارات اللونية، وهذه الأشكال، وهذه البراعة، وهذا الذوق الرفيع الذي يميز الرسام ويجعل أعماله فريدة بين أعمال غيره، نجدها أيضاً على أرض الملعب. من خلال المهارات التقنية الدقيقة، كما ذكرنا سابقاً، وأيضاً من خلال أسلوب اللعب، ولمسة خاصة في الكرة، أو الأناقة التي تصاحب التحكم بها. أخفِ الوجه أو ركّز على أقدام زيدان، وريكيلمي، ورونالدينيو، وميسي، ونيمار، ومارادونا، وكرويف، وغيرهم الكثير من اللاعبين المميزين، وستتعرف غريزياً على اللاعب المسيطر على الكرة، والذي ينفذ تلك الحركة. تماماً كما يمكنك تمييز تجزئة لوحة بيكاسو أو واقعية لوحة كوربيه في معرض فني، لأنه في هاتين الحالتين المتباينتين، الرسامون أو عباقرة كرة القدم، يتعاملون مع أدواتهم ويمارسون فنونهم بطريقة فريدة ومميزة تجعلهم يبرزون عن الآخرين، ويرفعون من شأن من هم أقل منهم موهبة إلى مصاف المتميزين.

كرة القدم
نيكي دي سانت فالي، لاعب كرة قدم، 1993

هذه الإبداعات، التي لا تزال راسخة في مخيلتنا، تُعاد صياغتها وتقليدها، أو حتى تشويهها، حتى يومنا هذا، وتتردد أسماء مبدعيها في أذهاننا كلما قلدت تلك الحركة أو أُعيد ابتكارها. البابيناد، والمادجر، والبانينكا - إبداعات، سواء على العشب أو القماش، تترك بصمتها على فنونها، حتى تصبح نماذج نقتدي بها، حيث لا نحتفظ إلا بالإبداع نفسه ومبدعه، وحيث يطغى سحر الإبداع وجماله على السياق والسبب والكيفية. لا نريد أن نعرف؛ نحن نتأمل فحسب. سواء أُديت على ساق واحدة ممدودة بالكامل، بباطن القدم، أو بالكعب، أو بتشابك الساقين، أو بعبور الساق اليسرى لليمنى، أو بارتفاع مترين في الهواء، متحدية أحيانًا قوانين الجاذبية نظرًا للقدرات البدنية والحركات المعنية، فإن هذا الإبداع، المراوغة، يتطلب خيالًا لا حدود له، ومهارة خارقة، وأداءً لا تشوبه شائبة. إنه تألق الفكر الذي أُحيي بتقنية مثالية. إنه فن.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث