صدرت حديثاً عن "محترف أوكسجين للنشر" في أونتاريو رواية "لقيط النّاصرة" للكاتب السويسري مِيتين أرديتي، نقلها عن الفرنسية المترجم المغربي المصطفى صبّاني. وهي روايةٌ تُقدِّم إعادةَ تفسير متماسِكة وجريئة لحياة يسوع الناصري ورسالته، من منظورٍ جديد أدبيّ وإنساني يجمعُ الأحداث المتناثرة عبر فصول سرديةٍ قصيرةٍ، واضحة، ومُحكمة.
يستند مِيتين أرديتي في روايته "لقيط النّاصرة" –جزئياً- إلى أحدَث الأبحاث التاريخية، ولا سيما عمل دانيال مارغيرات، وهو مفسّر وباحث في اللاهوت البروتستانتي والكتاب المقدّس، ومؤلّف كتاب "حياة ومصير يسوع الناصري" الشهير، والذي يُرجِّح أنّ يسوع واجه شكوكاً حول عدم شرعية نسبه! من هذا المنطلق يتخيَّل مِتين أرديتي كيف يتحوّل يسوع المولود لأبٍ مجهول، والذي يُعتبر منبوذاً، إلى رجل مدفوع بعطشٍ للعدالة والإصلاح والثورة ضدَّ الظلم والإقصاء، يتحِّد مع "ابن غير شرعي" آخر، يهوذا، للدفاع عن المهمّشين، وإن بدت دوافع هذا التلميذ الجديد غامضة، إلّا أنه متمرّد وثوري ومحنّك.
من وجهة النظر هذه وانطلاقاً من جرح الطفولة الجوهري، كما تقول كلمة الغلاف: يرسمُ الروائي مِيتين أرديتي صورة مؤثرة وإنسانية ليسوع الناصري، مدفوعاً بنداء المنبوذين والمتمرِّدين من ذوي العقول المستنيرة، منطلقاً من رؤية نفسية لطفولة مجروحة، وتحدِّيات ومصائر متشابكة يستندُ في سردِها روائيّاً إلى مصادر تاريخية حديثة. وإذ يُؤنْسِن أرديتي بطلَهُ الأيقوني الذي يجادلُ كبارَ الكهنة ويرافعُ ضدَّ الاضطهاد والاقصاء، يمنحُ يهوذا الماكر دوراً محوريّاً كبطلٍ مضاد، ويمضي مع أهمِّ الشخصيات والأحداث في روايةٍ تخييليَّة آسرة، يملأ الفراغات، ويطرح الأسئلة، وينتصر لمن لم يرضَ بعيشِ حياةِ المذَلَّة والهوان، وثارَ على الشرائع الظالمة في سبيلِ حرِّية وكرامة الإنسان.
هي إذاً رواية تاريخيّة، تخييليَّة، تُعيد قراءة الأحداث الرئيسية في حياة يسوع، منها مواجهته لكِبار الكهنة، والوقوف على الجبل، و"عزلة الأربعين يوماً" في الصحراء، ومن هذا الفصل نقرأ:
"بعد مرور أربعة أيّام على فِراقهما، عاد يهوذا لزيارته من جديد، يحدوه الأمل برؤية صاحبه مستعدّاً لخوض مغامرة المواجهة مع كبار الكهنة، وكلّه عزم على شدّ أزره ليكون على أتمّ استعداد لإقناعهم بسداد موقفه. عندما رآه متحمّساً للوقوف في وجههم، طلب منه أن يُعِدَّ جيّداً للمرافعة أمام مجلس القضاء، وألّا يخوضَ في التفاسير التي تجرّ عليه غضبهم فتزيدَ نقمتهم على المنبوذين، وتنقلب محاولته لمساعدتهم إلى الإضرار بهم أكثر. ومن المحتمل أن تلقى أفكاره صدىً مِن بين مَن ليسوا من المنبوذين، وتحفز اليهود على القيام بحركة ثوريّة تنجح في خلق طائفة تحتضن كلّ من وصموا بعار الدناسة في كلّ ربوع الأرض. فردّ عليه يسوع محذّراً:
- ألا نخاطر بفعلنا هذا على تعريض المنبوذين إلى مزيد من القهر، وندفعهم إلى خلق طائفة جديدة؟
فأجابه يهوذا:
- مِن المحتمل جدّاً أن تؤول الأمور إلى ما كنّا نخشى عقباه، فنُتَّهَم بالكفر وبخلق الفتنة ولو كانت هذه الطائفة الناشئة تدعو إلى التراحم والتعايش والمحبّة والوحدة".
***
"لقيط النّاصرة" التي صدرت ترجمتها العربية الأولى هذه في 184 صفحة، روايةٌ مدهِشة في جرأتها ومُقلقة في طرحها؛ تستكشف البدايات وتحكي عن يسوعٍ يتمتّع بكاريزما آسرة، يجذب في طريقهِ المظلومين والمحتاجين، والذين سيكتبون أسطورته الذهبيَّة بأنفسهم، بوصفه إنساناً ثائراً، يعارض النظام القائم ويدعو إلى دينٍ أقلّ جموداً وأكثر تسامحاً.
ومِيتين أردِيتي كاتب سويسري فرانكوفوني من أصل تركي، مواليد 1945. ألَّف العديد من الأعمال الروائية التي نال عنها جوائز مهمّة، منها: "توركيتو" (2011) -جائزة جون جيونو. و"الطفل الذي يقيس العالم" (2016) -جائزة البحر الأبيض المتوسط. و"راسم الأرواح" (2021) -جائزة الجامعة الكاثوليكية للغرب. و"ستصبح أبي" (2022) -جائزة مكيافيلي. و"جزيرة السائحة الفرنسية" (2024)، وأخيراً ثلاثية القسطنطينية التي صدر منها: "الراقص الشرقي" (2025)، و"جاسوس أتاتورك" (2025).




