يجول بي مشهد ملتقط على عجل بكاميرا الهاتف لأحد الشبان. يصحب المشهد تعليقه الصوتي على الدمار الذي لحق بمقهى عكنان قرب دار العلم في مدينة صور. تتبع العدسة شقاً كبيراً في إسفلت الطريق وتخسفات، قبل أن تنتقل إلى الحفرة التي أحدثتها صواريخ العدو حيث كان المقهى. اختفى المقهى هشّ البناء. أكان يستأهل تدميره قنابل بهذا الحجم غيّرت معالم المنطقة واقتلعت الأشجار والرصيفين المتقابلين وشوهت معالم الأبنية الثلاثة في الجهة المقابلة من الشارع؟ غريب! لا. الحقد ليس غريباً على إسرائيل، فهو من طينتها وقد جبلت به.
أغمض عيني فأرى هناك، أمام المقهى، طاولة بلاستيكية أعدّت للعبة "أربعتعتش"، أربعة كراس عليها الأحمدان وعدي وأبو تيمور... ومع كل "دق" تزيد حماستهم وتصل أصواتهم إلى آخر الطريق. وأنا، حين كنت أمرّ بهم، وهم في طقسهم اليومي ذاك، أجلس على كرسي بلاستيكي وأشرب فنجان قهوة "كبستين" في فيء تلك الأشجار التي رأيت جثثها متناثرة قرب الحفرة الهائلة في المشهد.
يصلني مشهد آخر
الشاب نفسه، يجول حول "الحفريات" (موقع الآثار داخل المدينة)، ليصل إلى مبنى الزيات التراثي. اختفى المنزل الحجري البهيّ ذو القناطر. كنت أسترق النظر إلى داخل هذه التحفة المعمارية العثمانية كلما مررت بها. كم عدد المنازل التراثية التي دمرتها إسرائيل في صور خلال العدوانات المتكررة؟ لا أعرف. لكن تصفح مشاهد العدوان على المدينة أثناء اجتياح 1978، وقصف المدينة بمدفعية سعد حداد حتى احتلالها في الاجتياح الثاني، يظهر عشرات البيوت الحجرية ذات القناطر التي دكتها القذائف.. مبان أثرية جميلة كمنزل الزيات الذي بات ركاماً بعد عين.
ربما لو تمكن أبو حسن خليل بواب من إنجاز مشروعه التوثيقي التراثي قبل العدوان الحالي، لحظِي هذا المنزل بمكان يليق به في دليل المباني التراثية. حاول البواب حفظ الذاكرة البصرية للمدينة، للبيوت والأزقة والأدراج و"السيباطات" (العقد الحجرية)، وإلى جانب كل ذلك عمل جاهداً على حفظ الذاكرة الشفهية عبر حكايات بالمحكية المحلية، كان يدوّنها على طريقة الحكواتي، وتنشر، فتلقى بين متابعيه في شبكات التواصل الاجتماعي رواجاً كبيراً.. كنا نأمل معاً أن تبصر النور مطبوعة، وما زلنا نأمل ذلك على الرغم من كل الجراح.
أغمضت عيني من جديد وفكّرت. ذكرني مشهد منزل الزيات المدمر برحلة العودة إلى صور قبل نحو شهرين.
"وقف إطلاق النار"
بعد فراق طال منذ الأول من آذار، جاء الإعلان "عن وقف إطلاق النار" في 17 نيسان الماضي. صدّقت أنه وقف لإطلاق النار، ربما لسذاجتي أو ربما لأنني كنت بحاجة ماسة إلى تصديق ذلك بعد شهر ونصف الشهر من النزوح. كنت قد غادرت المدينة بما عليّ من ثياب قبل يوم واحد من الحرب. وكان يوم أحد، وأنا المدمن على العمل أيام الآحاد منذ عملت في جريدة يومية. مشيت بهدوء من منزلي إلى محطة البص، وانتظرت أن يمتلئ الفان (الميكروباص) بالركاب قبل انطلاقته. وليلة اليوم التالي استعرت حرب إسناد إيران.. اشتقت إلى مكتبتي، وكان علي أن أعود إلى نصوص ترجمتها وبحوث تركتها. وهكذا كان.
آنذاك، وبعد تجاوزنا مفترق الخرايب بنحو خمسمئة متر، توقف السير، فأمامنا جسر القاسمية المدمر. ترجّلت من السيارة ومشيت. مشيت بين صفوف السيارات لساعة أو أكثر حتى وصلت إلى لافتة "القاسمية". خلال تلك المدة كنت أفكر في أن "حقد الإسرائيليين على كل ما هو قديم وجميل لدينا هو جزء من عقيدتهم". سمعت هذا الكلام للمرة الأولى من أبي ثم من آخرين من أبناء جيله. ظننت في البداية أنها "لوثة" القوميين العرب، وقد كان أحدهم... لكن العدو يثبت يومياً صحة هذه المقولة منذ استعرت حرب إسناد غزة، التي لا ناقة للمدينة فيها ولا جمل، في تشرين الأول 2023، ودمّر خلالها العدو بين أيلول وتشرين الثاني 2024 عدداً كبيراً من المباني الجميلة والتراثية في صور.
آخر مع تحدث إلي بهذه المقولة كان صاحب "دليل صور" الصديق الراحل منير بدوي. كان ينوء بحمل أوراق بحثه عن مئة شخصية أدبية وإعلامية من المدينة، وكانت اللقاءات معه غنيّة ومثيرة دائماً. فرد أوراقه وأفكاره في مقهى أبو علي مصطفى ناصر وتحدث عن ذلك. وكذلك استمعت إلى جوانب من ذلك في تحليل للمربي محمد نعمة وآخرين. آنذاك لم يكن هناك إسناد ولا من يحزنون. ابتسمت وتذكرت والدي الراحل الذي عبّر عن حقد إسرائيل ببساطة أكثر. فالقوي المتغطرس الذي يدعمه العالم المتحضر، بلا جذور ولا ماض في أرضنا. يمكنه أن يسخّر الإعلام العالمي لخدمته متى شاء، وأن يشوّه صورة أبناء الأرض بشتى السبل، لكن على الرغم من جهوده المستمرة لعقود، كانت إنجازاته ضئيلة. بقي لدينا ما هو أجمل وأعرق، على الرغم من كل ضعفنا وتشظينا وقلة حيلتنا. لديه عقدة نقص هائلة تحولت إلى حقد. حقد يصبّه ليدمّر كل ما هو أجمل منه ومرتبط أكثر منه بالمكان، وكذلك كل ما هو أعرق منه وأقدم في المكان نفسه.
كيف له أن يبقي على الأبنية التراثية الجميلة في بلادنا؟ مجرد وجودها يؤذيه... لا أعرف متى أو كيف تواطأ أهل المدينة على اعتناق هذه المقولة. على أي حال، أثبتت الأيام والوقائع صحتها، وإلا فما الداعي إلى كل هذا الدمار والكل يعلم – العدو والصديق – أن لا وجود لعناصر حزب الله أو عتاده في المدينة؟
"ما إلنا غير بعضنا"
أهل المدينة تواطأوا كذلك على مسلك أكثر أهمية من تلك المقولة، وهو العيش المشترك على طريقتهم.
ربما لن يفهم ذلك إلا من عاش معهم أو عاشرهم مدة كافية. فالمدينة متنوعة المذاهب والطوائف يتعايش أبناؤها معاً وفق صيغة لطيفة جداً تحفظ لكل فرد اختلافه ضمن التنوع. هذه الصيغة نموذجية وربما هي قابلة للتعميم، لكنها على أي حال أكثر نفعاً لبلد متعدد الطوائف مثل لبنان، من شعارات فارغة دأب الساسة على تردادها منذ اتفاق الطائف، سواء عن "إزالة الطائفية المقيتة من النفوس قبل النصوص" أو أن "الطائفية نقمة والطوائف نعمة"...
بعيداً من الشعارات والأشعار، إذا ما أنصتنا بتأنٍّ إلى صدى كلمات الكاتب صخر عرب، في قصصه وحكاياته عن المدينة وأهلها، والتي يجمع فيها قطعاً متناثرة من موزاييك المدينة وناسها، ومعظم ما يذكره مبني على أحداث حقيقية جرت مع أبناء المدينة وجوارها، واللاجئين إليها والمقيمين فيها.. وإذا ما تمعنّا في صرخة الكاتب محمد طرزي عبر روايته "ميكروفون كاتم صوت"، وهي صرخة واقعية نابعة من ألم ما قبل حرب إسناد غرة، ومنطلقة من المجتمع المحلي بكل أطيافه... ربما يمكننا رسم معالم هذا التواطؤ وخلفيته.
تقدم مدينة صور نموذجاً على طريقتها وعلى مزاج أهلها، يصلح لهذا الوطن تحديداً، أي للصيغة اللبنانية المستمرة وإن حاول البعض، اليوم، التستر بـ "عباءة الدولة" كون "الحزب دولة ضمن دولة"، وأن مجرد التخلص منه يجعل من لبنان "دولة القانون والمؤسسات".
نموذج أهل صور في التواطؤ على العيش المشترك من باب "ما إلنا غير بعضنا"، وهو قابل للاستخدام حتى لو كان مقدراً لنا أن نبقى ضمن الصيغة الحالية المهترئة المرقعة. أليست هذه معجزة في حد ذاتها؟




