"ليسوا أرقاماً": تدوين المعتقل الأسدي ليس موضة تنتهي

علي سفرالاثنين 2026/06/08
ملابس تركها السجناء بعد تحريرهم من سجن الفرع 215 (15 كانون الأول/ديسمبر 2024 - Getty)
ملابس تركها السجناء بعد تحريرهم من سجن الفرع 215 (15 كانون الأول/ديسمبر 2024 - Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

يضع الكاتب الشاب محمد بلال، عمله الصادر عن دار نرد قبل أيام، ضمن خانة الرواية، لكنه ومنذ البداية يسرد التفاصيل التي جرت معه وعائلته منذ اعتقال والده بسبب التحاق ابنه الاكبر حسن، بأحد فصائل الجيش الحر، إذ لم يمر وقت طويل حتى جاءت دورية أمنية وأخذت كل الذكور في البيت، فصارت العائلة منكوبة فعلياً بأربعة أفراد في المعتقل مسجونين كرهائن بدلاً من الأخ الأكبر الثائر.


ربما يمكننا كقراء، نعرف واقع حال كل من اعتقل في سجون النظام الأسدي وكتبت له حياة جديدة، تفسير الأمر من زاوية أن من ينجو سيحدث الآخرين عن وقائع تشبه الخيال، لكن ما يحكي عنه بلال يتجاوز كل أطوار التحليق الذهني، ليهبط بنا نحو الجحيم، حيث لا يمكن توقع شيء سوى الألم والمعاناة.


يتحدث الكاتب الذي سجل تفاصيل اعتقاله بعد سنوات من رحيله عن سوريا إلى المنفى الألماني، عن سجن فرع سرية المداهمة الشهير ببطشه، وكيف أن النجاة كنهاية محتملة هي جزء من متوالية موت حقيقية، فمن بين أعداد المعتقلين ثمة رقم محدد سينجو بينما سيفقد البقية حيواتهم، وهذا يحصل بقرار متعمد من السجانين الذين يريدون إبادة أي شخص سيق إلى المكان. 
 

نتحدث هنا عن مكان يعرفه السوريون، ويدركون أنه من أبشع ما حصل في تاريخ ثورتهم، فهنا لا يمكن للمنطق أن يفسر شيئاً، طالما أن ثمة من يمتلك قرار الحياة أو الموت؛ النجاة كصدفة والقتل كقرار! وفي تتبع المصائر سينجو محمد مع أخويه بينما سيختفي الأب من الزنزانة الجماعية ليصبح مصيره مجهولاً طيلة سنوات حتى سقوط الأسد، وكذلك سيختفي الأخ الأكبر، في إطار مأساة عائلية لا يمكن نسيان أسبابها.
 

القصة هنا لا تتعلق بإعادة سرد تفاصيل، تكرر الحديث عنها في الشهادات التي سجلها خارجون من المعتقل، بل تكمن أهميتها في فعل التدوين ذاته، وهذا سبق وأكدنا عليه من موقع التمعن في آليات الكتابة المتعلقة بتاريخ المأساة السورية خلال 14 سنة. ومحمد، خريج كلية الحقوق في جامعة دمشق، يدرك أهمية تدوين التجربة من زاوية حقوقية في البداية، فهو يذكر محتوى شهادته التي أرسلها إلى المنظمات الحقوقية عما يجري مع المعتقلين في الأقبية، لا سيما الانهيار الجسدي الذي يحولهم مع مرور الوقت وتراكم الأمراض والإنتانات إلى مشاريع موتى، لا يمكن تفسير تركهم هكذا سوى أنه قرار صادر بإعدام بعضهم وترك بعضهم الآخر، وفقاً لآلية انتخاب تمارسها الأمراض؛ أمراض البيئة غير الصحية لمكان الاعتقال، وأيضاً العسف والتجبر على المعتقلين المتهالكين، وهي أعمدة النظام الاستبدادي.


بالتوازي مع سيرة الاعتقال، يحكي محمد بلال عن الثورة السلمية في شوارع وأزقة مدينة دمشق، فقد كان حاضراً في التفاصيل حتى تاريخ اعتقاله، أي أنه عاصر تحولات الحراك الشعبي منذ صرخات الحرية الأولى حتى وصوله إلى بناء الفصائل المسلحة بكل تلاوينها، والاشتباك الدائم مع قوات النظام والفصائل الشيعية التي جاءت من خارج الحدود، لتساهم في قمع السوريين وتعويم الأسد.


في هذه الفترة التي عاشها المؤلف في الخارج وفي الداخل، أي في الحياة اليومية وأيضاً في المعتقل، أمست الحياة السورية في عمومها أقرب إلى ما يقوله الناس عن "الداخل المفقود والخارج المولود"، فالسوري قاب قوسين أو أدنى في أي لحظة لأن يتحول إلى معتقل أو مخطوف أو مفقود، ليضاف اسمه إلى لوائح اسمية سرية عوضت عنها الأجهزة الأمنية بالأرقام. لكن إخفاء حيوات الضحايا وجعلهم مجرد أرقام لا ينجح أمام إصرار الكاتب هنا على رواية أحوال الشخصيات التي عاش معها التجربة المؤلمة. فهؤلاء، وبغض النظر عما فعله بهم الاعتقال، أمسوا أبطالاً تراجيديين يكافحون من أجل البقاء أحياء، حتى ولو اضطروا لأن يكون ذلك على حساب الآخرين؛ ففي هذه السجون تصبح قاعدة "البقاء للأقوى" أمراً محققاً طالما أن القدرات الجسدية والعقلية هي ما سيحدد مصير الشخص المتروك في جحيم الـ215.


قيض لمحمد ومؤمن ومجد، من عائلة بلال، أن ينجوا بينما فقدت العائلة الأب والأخ الأكبر، وفي وقت ما بعد سقوط النظام قرر محمد أن يسجل هذه الوقائع ليقدمها لابنه كي يتعرف على جدّه وعلى عمه، لكن ما كتبه هنا سيضاف إلى لائحة تطول، هي لائحة الشهادات واجبة التدوين عما عاشه أفراد يروون التاريخ من زاويتهم ومن ألمهم. وهذه الكتب تستحق أيضاً أن نقول عنها إنها ليست مجرد أرقام في السجل، بل هي حكايات بشر من لحم ودم وآمال أيضاً.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث