كرة القدم..أو لعبة الأنساب المنسيّة

فاضل نجّارالاثنين 2026/06/08
magritte-football.jpg
ماغريت
حجم الخط
مشاركة عبر

"لا ألعب ضد فريق محدد بل ضد فكرة اسمها الخسارة" - إريك كانتونا
"لا يمكن للإيطاليين الفوز علينا ولكن يمكننا أن نخسر أمامهم" - يوهان كرويف
"كانت الكرة تقبل كالبرق فأوقفها بحركة إصبع ... كنت هناك بكاملي، ولكن بلا شفيع . كائن بلا شفيغ هو حقل رجراج ... " - كاظم جهاد


توضيح
في مرحلة الصبا تابعت مباراة لكرة القدم، عبر صوت المعلق الرياضي منقولة في الراديو وكنت حينها مريضاً في بيت جدي في الريف، فتركت أثراً في نفسي وتعزيم ساحر ما زلت أسمعه وأكاد أراه وجد طريقه الى هذا النص.

 المعلومات التي في بداية القطعة الثانية مأخوذة عن كتاب " 100 حاجة يجب معرفتها عن كرة القدم" لماتيو لومو وبول ميكيل  Mathieu le Maux et Paul Miquel 2010 GQ  France

كرة.jpg

1

ما إن تتحرك الكرة، حتى تكون في سباق حميم مع ظاهرها بذاكرة الوحا الوحا والبدار البدار               
وما إن يتحرك اللاعب، حتى يكون في سباق حميم مع ظاهره بالذاكرة نفسها. 
كلّ في مدار الآخر من الفرقاء يخاطبان معاً
حيادية الاستدارة في شكل الكرة في ما يشبه المحاورة 
ويستدعيان الناحية التي يميل بها العزم الى ناحية الانكشاف يحدسها اللاعب كعقيلة لضربة متفرّدة. 
في الجانب الآخر للتكليف الذي لا يدركه البصر من لعبة كرة القدم 
سر كسحر الأباطيل يدخل الوهم إليه من أوسع باب 
ويحرر في داخله الخبيء كمعلن. 
لكن ما هذا الجانب الذي لا يدركه البصر؟ 
إنه اليقين الذي يربك الأرقام بإحالتها الى درجة صفر تجبّ ما قبلها 
يقيناً لا يدحض يفعّله تسجيل الهدف 
يا للغرابة، إنه هدف بحق تماما كما جاء في الصورة؛ 
أسباب الفوز المعلن متحركة بذاتها 
تتطابق مع أسباب الفوز في المنشور الملصق على الجدار في أكبر شارع يتوسط المدينة 
يا لها من مزاوجة ممتعة، التأمل يأخذ طابع المناورة 
اللاعب السريع المتميز يلامس حدسُه اليقينَ بحركة ترى في الفوز حرفة 
إنه ومن خلال المناورة يؤكّد وجوده مرتين عيانا في منطقتين إحداهما على حافة المرئي مثل ظله 
هذا الظل هو منطقة التجليات المرشحة للعبور الى الفوز.

 

تبدو اللعبة للوهلة الأولى كأنها مصابة بدوار بحر يربك سهم البوصلة؛ 
مع كل ضربة تخرج الكرة من حيزها المحايد الى حيز الممايلة والتخمين 
كرة مسترسلة أولاً ثم متداولة، سابحة في الفضاء ومترجّلة 
فالكرة كرقم مقفل بدايته نهاية يمثل كلاً ملتبساً يستوعب كافة الزوايا والمعادلات 
ينفتح بالضرورة على الضربة المبدعة من الجهات كافة 
تنبض القلوب لها في صدورنا، حجّرتها البدايات المريرة 
وليّنتها الأزمنة كقلب مطابق 
تستطيع أن تضع يدك على صدر صاحبك لتتيقن أن فيه قلبك

زيادة السرعة تعني زيادة المتعة قانون رياضي أولاً 
بدت ألوان الملصق وخطوطه متموجة لكنها تظل كصورة، غيض من فيض المناورة  
بدت المراوغة مستتبة في جانب آخر تغمره الشمس مثل عجينة طيّعة   
بدت الأقدام في فضاء آخر مجاور تنجزه ضربة متفردة   
بدا اللاعبون وفي حوزتهم الكرة يحيق بهم قوس قزح 
يتصاعد مثل قبة، يربطها خط الزوال بحشد من الأخيلة 
بعضها يؤكّد لنا انتماءه الى لاعب اعتزل الرياضة من زمن 
يكاد حضوره يكون عقائدياً الى اليوم.   


2
في يوم من أيام نهايات تشرين الأول/أكتوبر 1863، هكذا تقول الرواية، اجتمع ممثلون عن إحدى عشرة جامعة انكليزية ووضعوا قواعد لعبة كرة القدم الأوليّة. ووضعوا في الوقت نفسه، حداً لقرون طويلة من النظام الاعتباطي المتبع لهذه اللعبة، بدءاً من القرن الثاني قبل الميلاد عند الصينيين حيث يذكر أن محاربيهم قد عرفوا هذه اللعبة ومارسوها بينهم، ثم في انكلترا القرن الثاني عشر، بداية مرحلة النمو الطبيعي للعبة، وصولاً الى هذا الاجتماع. 
توشك لعبة كرة القدم، وفق دلالات موحية، أن تكون لعبة عسكرية 
ولدت في المعسكرات في أوقات السلم لكسر الملل 
ثم في الجامعات في مرحلة لاحقة 
وربما لهذا السبب هي لعبة تجمع الفوز بالنجاح والافتخار وعناصر أخرى أكسبتها المتابعين والمشجعين. 
لكنها اكتسبت على أيدي بعض المتنورين خصائص أخرى منحتها خصال جديدة فلم تتوقف عند حدود الاستعراض الرياضي والمنافسة بل صارت لها مساهمات في اللقاءات الوطنية والدولية في ما بعد، وتغييرات تدخل في صميم اللعب. كان أهم الإضافات التي أنعشت اللعبة هو إيجاد وتنظيم مسابقة بطولة لكأس العالم تمّت اقامتها للمرّة الأولى في الأوروغواي سنة 1930 أوجدها ونظمها الرئيس السابق ـ للفيفا 1921ـ 1954 الفرنسي جول ريميه ـ وإضافات أخرى متتابعة منها تبنّي الفيفا الفانيلات المرقّمة في بطولة كأس العالم 1950 ولم تكن قبل ذلك اجبارية عند استخدامها للمرة الأولى من قبل الأوستراليين في 1912ـ ولا عند الانكليز لاحقاً في الثلاثينات. لكن دخول الكفلاء من الأشخاص والمؤسسات المالية الداعمة في 1968 لغايات متعددة أشهرها الدعائية، كان حاسماً، وأحدث شبه طفرة هي التي نشهد نتائجها اليوم.  

 

كانت لعبة كرة القدم في طورها الجنيني مشاعية على جانب من الشراسة فظّة غرائزية 
محدودة ومقيّدة تنتصر فيها العرامة على المراوغة والتدبير، مدعاة للتجنب والحذر أكثر منها للمشاهدة 
وحتى المشاهدة في بداياتها لم تكن تخلو من تطفل العامّة المشوب بالفضول والتساؤل 
مجرد مخاصمة اعتباطية قوامها الفرجة. 
لا غرابة أن تبدو اللعبة لمن لم يألفها، أشبه بإحجية، اللاعبون فيها عناصر اهتزاز وخلخلة بقصد الحيلة 
ينقصها الفهم والتذوّق وتنقصها المتعة بالضرورة. 
لقد تعود الإنسان أن يكون للجهد المبذول ثمن، فهو يبحث أولاً عن ثمن الجهد 
ولا يستطيع أن يفهم أن الثمن يكمن في حقيقة جمالية وفنيّة لم تأخذ بعد نصيبها من التبلور 
ومراس المشاهدة في عيون النظارة. لعبة كرة القدم ما هي إلا محاولة لترويض النزاعات والحروب 
التي لم تكن تتوقف بين التجمعات البشرية. 
تغيير المفاهيم يغير الحضارة، ولهذا أسباب تتعلق بقوانين القوّة 
ذلك أن امتناع السعادة في داخلنا يشبه العلة الموروثة ممثلة بحمولة تاريخية من الصعاب والقلق والبلايا عودتنا الكآبة، فتاريخ أهل الأرض إرث من الخصومات موغل في القِدَم يجعل من كل تجمع بشري 
شبهة نزاع توجب الفرجة.   
حضور القوانين المفصلي وعوامل التشجيع أمدتّ اللعبة بعنصر نمو اجتماعي 
أخذ طابع المكان والوجوه والمرحلة وتحولنا من الصراع الوحشي الى السباق الودّي 
وصار الانتصار فوزاً، والمنافسة لقاء، وحل التسامح بدلاً من البغضاء. 
أحلى ما في القوانين أنها كانت متسامحة مع طبيعة البشر وطبيعة اللعبة وأخطائها 
فلم تفكر في إقصائها بل غضّت الطرف عن بعض الخشونة التي م دونها لا مذاق للعبة 
هل يتصور أحد كيف كان يمكن أن يكون منظر اللعبة بلا أخطاء هي في الحقيقة 
استفزازات لا بد منها؟  

 

لعبة كرة القدم ثمرة نقية تؤكل بقشرتها  
لولا مناكفات اللعبة، التي تعد أحياناً من الأخطاء، لما كانت هنالك فرص للمناورة 
وفرض واقع حال سرّب إليها رشاقة الفن من كل ناحية 
تتألق لعبة كرة القدم حين يشرق في ثناياها طابع الفنون.
لقد بدأت اللعبة شخصية متقلصة تقتصر على لاعبيها 
ثم صار لها جمهور ضيق من الأصدقاء وجمهور أوسع فعميم، لكنها بفضل بعض الأوائل من أصحاب النظر صارت اليوم تحلّق بجناحين يجمعان الفن والمتعة بالفائدة، وسبيلاً الى التحابب كفيلاً، لو أتيح له المجال، بتحويل الشياطين الى ملائكة. 
لعبة كرة القدم بطابعها الاحتفالي وما لها من قبول سلبت الطبيعةَ سوءاتها فصارت تدعو الى التقارب 
إذا كانت الدموع بشرية بامتياز فهي أيضا ضيقة بامتياز. 
من الصعب جداً أن تتفق الجماهير على الحزن إلّا في حالات نادرة، لكنها تتفق غالباً على السعادة 
ذلك لأن الفرح كوني المزاج. 
وتكاد ليلة اللقاء الأخير تتميز بمزاج وطني جامع يجعلها ليلة من ليالي البطولات للبلد الفائز بكأس الدورة.. طبول وأناشيد كنت شاهداً على إحداها  
شاشات بحجم واجهات المقاهي عملاقة والهتافات ألوان توحدها بين حين وحين صيحة حماس ملتفّة تنبعث كاللهب مع كل ضربة.  
المدينة متحزّمة بالصخب، عشاق وأصدقاء يتعانقون متكئين على أعمدة النور 
وفوق رؤوسهم الزهور دوالي، أعمدة النور متكئة على الليل والليل بألف نافذة مضاءة 
زحام أعياد وحشود من كل درب ترضع الفرح وتتراضع المحبة 
ودموع للغرابة، السعادة قاسمها المشترك، جماهير تطوف بين المنازل والساحات ومدن ساهرة 
ومع الفجر، شبه نهاية معركة، سكون ونشوة مترسبة رسوب الأحجار والمعادن 
مليون سقط متاع وأوراق ونفايات وأعقاب سكاير وقناني فارغة، تشهد كالأثر بعرس الليلة السابقة   

كررة.jpg

3

متابعة مباراة كرة القدم عبر المذياع رصد لانحياز الخط الى عبقرية النقطة.
مترحلاً في مكاني 
وركيزتي في الفضاء المترامي تندفع خلف زحف إبرة 
أقرأ اختطافاً بلغة الجسد سجل الجسد 
بأن أقع على نفسي دفعة واحدة. 
شعب من الأذرع والسيقان 
تحمله ريح موجية محملة بالأرواح 
لهذا الرأس الذي تتباعد فيه الأزمنة 
يبدو أنها مسألة تعوّد ليس أكثر؛ 
تمارين على التكرر والتدفق في لمح البصر أتقنتها متخذاّ الحركة لباسا ونمط تفكير 
يمكنني أن أقود حركة اللاعبين الى جلسة على العشب 
يتعرّف فيها البصر على عبقرية مختومة في طبيعة المراقبة التي تجعل مشجعا مثلي 
متموجاً بالقدر نفسه من الممارسة التي يساهم فيها الريف 
هذياناتي وخيالاتي جزء من مادة التكوين، وبحال واحدة جزء من عموم المشهد 
لا مزارع يمر أو عصفور إلّا وله شيء من التمثّل والتمدد 
لا بكيانه بل بشخصه، في مشهد عموم الملعب  

 

في الحركة الثانوية البعيدة من السياق العام للمشاهدة الغامضة المشفوعة بالأعذار  
في الصورة الإجمالية لحركة الشراكة البشرية بشكل متقطع 
من خلال زوايا نظر متعددة تتداخل فيها السيقان في ضرب من ضروب التعشيق 
عند حرّاس الملاعب في المداخل أو فوق المدرجات 
قرب الأبواب والمرافق المسيجة  
في منظر أحد المشجعين يفك أزرار القميص  
في درجة هياج المشجعين ولحن النشيد  
في أحاديث سائقي الحافلات المنتظرين خارج الملعب  
عند بائع الأشرطة الملونة يضحك ويرقص بأسلوب التنقلات في وصلة السكسفون 
بين فقرات البرامج، التي يبثها الراديو كل حين 
ومع بعض التوسّع  
في شعلة السراج التي يأتي بها البستاني من قلب البستان مساءً وحواليه الهوام 
وأشياء أخرى استحسنتها مكتوبة باللهب تقول: إلى كل البشر . 


4

ما هذا الشرط الذي يلازمني في المناسبات المهمة مثل ظلّي 
طريقاً بين زمنين 
مسبوقاً بالنسيان 
متراجعاً في الذاكرة 
والذي لا طعم له ولا لون ولا يفصح عن معنى؟ 
أحاول أن أسبقه بخطوة او أتأخر عنه خطوة لأطابق بينه وبين مواعيد النهار 
وإلا، فلن أخرج من هذه الجملة الموسيقية التي تلح عليّ أبداً 
لأنني في كل مرة أتذكره أنسى أن أتذكر ما هو! 
ما هذا الذي لكي أتذكره يجب أولاً أن أنساه وبالعكس؟ 
يجب أن أكون مريضاً 
إنني مريض بالفعل 
لقد أجفلت في سيل من الرذاذ مفاجئ  
يا إلهي تذكرت، إنها لعبة كرة القدم 
لقد أيقظتني زخّة رحيمة 
لا نسيان ولا يحزنون 
بل هو العكس بل هي السعادة بل هي مجرد غفوة مسافر 
على جناح الطائر الميمون 
في انتظار لعبة، لفرط انشغالي بها، نسيتها.


أصادف هذه الحالة دائماً حينما أكون مثقلاً بحماس يتكفل بأن يشد أفكاري الى عالم مفقود 
كل ما لم يتحقق بعد مفقود لا فصال 
ووصولي إليه لا يعني وجودي فيه 
بل أصل إليه بنصفي، وأعيش فيه بنصفي 
بيني وبين النسيان مجرد خطوة أخطوها الى الوراء 
فإن دخلت، دخلته بنصف إنسان...  يا للحسرة   
حدث مرة وأنا أتابع قافلة من النمل تسافر بقطعة حلوى، أن أغمضت عيني على صوت الأذان 
محض هنّة، عدت منها بمتاع من الذكريات عشت على شرط نسيانه زمناً حتى اكتفيت. 
بعد قليل يحل موعدي المحروس بالإشارات المسحورة 
تقع جميعها مثل كنز، في مذياع قديم مضمّد بأكثر من ضمادة 
سددوني مثل سهم مريّش على وتر القوس وأطلقوني في أوان اللعبة 
لأرى بعيني ما كان نسيانه بين بين. 
كبرت ولم يكبر السحر ولا الإشارات، بل كبرت أسحاري من أرق 
يتوخى الشفاء فإذا به وباء. 
إن كان تبدد الحظوظ في الحياة سريعاً فلا شك أن تبدد الأعمار أسرع.
أسرع من كرة البخت في فم أرنب يقرأ الطالع ويفك الطلاسم 
أسرع من مطاردات تجد في الرقص استعارة وأسرع من أعراس قديمة 
نمت طقوسيتها الغابرة ووصلتنا كحاشية تتموضع خارج كادر الصورة عرفاً من بين أعراف


أسرع من نول العجائز يتطلعن الى القمر ويهمسن؛ 
لا لا إنه غير ذاك... حينما في الصبا 
كانت تتفتح لابتساماتهن الأزهار وتتدفق الأنهار. 
أسرع من عودة النسيان وشرط التذكر.

بكرّاس صغير 
أدفع الوباء ليلة إثر ليلة 
لا أغير جلستي  
في انتظار صباح جديد 
أفتح النافذة لأوسّع من سكني وأجعل له امتداده في الضوء 
أمنحه بعدا إضافيا يتجول فيه شخصي الثالث.  

رينيه ماغريت.jpg

5                
جنة الإنسان ليست في جمال الطبيعة فقط بل في انسجام القوانين مع العدالة. 
في لعبة كرة القدم، تعامل الإنسان مع العدالة في صورتها الغفل على مراحل فعل المَثّال مع الطين 
حاجة الإنسان الى العدالة أوصلته الى اكتشاف الشكل الكروي وخصائصه 
ذلك أن الكرة لم تكن كروية دائماً بل اكتسبت تكورها على مراحل، عن طريق معالجات فكرية 
تنهض في أرضها كأنها تنهض من تربة قريبة قرب الأزل 
الكرة بهذا المعنى كمادة أو كحالة؛ جراية ثقافية أنشأتها حاجة الإنسان الى التحاور مع طبائعه
الحق على وجه العموم فاعلية دوّارة لا يساوم ولا يهادن 
ولو كان له شكل لكان دائرياً بلا شك يوحي بالتصالح. 
وإذا كان لكل عمل عظيم بَرَكة يتم التبرك بها حال اكتماله، 
فللدائرة في حياة الإنسان مثل هذه البركة ومثل هذا الدور  
الدائرة كوحدة مستقلة وليس أكثر 
أما الكرة، وهي التي تشتمل على كافة الأشكال الهندسية في داخلها 
فعائلة من الدوائر ملتمّة، إنها دائرة من كل الجهات 
كيفما استقبلتها تجدها دائرة لا تتغير 
يكفيك جانبها الجوانب


يتزوّد شكلها الخفي من شكلها الظاهر لا يحيد عنه قيد شعرة 
كمل نصاب قوانينها فهي عادلة صالحة للتبني والانتماء. 
الكرة وحي الدائرة  
إنها بهذا المعنى متوحدة بكل ما لهذا التوحد من تأثير سايكولوجي وتاريخي يقترب من التقديس 
علاقة الأنسان بالدائرة وبالشكل الكروي قديمة رافقته في كل المراحل وعلمته أكثر بكثير مما تعلم بالعصا والحجارة، حاورته ونمت في داخله فصار يسعى بدوره الى الكمال والجمال والعدل 
فإذا كان تطور الإنسان قد تم على مراحل فلا شك أن المرحلة الدائرية كانت حاسمة  
وفيما يشهد كل ما هو حول الكرة وخارجها نمواً مادياً وثقافياً، تحافظ هي على نمو معنوي 
مزدوج لا يتغير، ينفذ إلى النفوس، يمكنها من أن تستجيب لشروط الزمن 
وما يستجد فيه بالتساوق مع نمو الإنسان جسداً وعقلاً  
بهذا المعنى، تكون الصناعة والاقتصاد والتجارة والإعلام أفلاك تتغير بها الكرة وتغيرها  
الرموز السماوية ذاتها دائرية أيضاً وكروية بشكل ملفت 
ببلوغه ذروة الحسن وهو يقمر، يصل الهلال الى نفسه ويتخلص من حالة التحدي والنقصان  
ترى ما الذي أمكن أن تكون عليه طبيعة الإنسان لو لم تبد الشمس كروية للعين الناظرة؟ 
مسننة مثلاً ومكعبرة على غير تناسق أو مذيّلة. ألا ينتج مثل هذا المنظور إنساناً مشوهاً 
لا علاقة له بالعدالة ولا بالجمال؟ ألا يبدو من البديهي أن تكون الشمس بمساواتها بين البشر 
باكتمال دائرتها أبد الدهر. قد طبعت الإنسان بطبعها يلتمس العدل والكمال بالتساوي؟ 
كرة القدم مقدسة رياضياً عند البعض لهذا السبب، تزحمها الرموز على طريقتها 
يحمل شكلها بعداً زمنياً وعقائدياً. 
قد يكون هذا كله مجرد وجهات نظر، وعذرنا دائماً أن حقائقنا لا علاقة لها بالحقيقة.

                                             

6
تنبيهات على طريقة المورس لتحديد منهجية الهدف:
استغلال المصادفة قبل حدوثها  
استثمار الكرة المحررة في منحنى الأقواس 
ومزاحمة السيقان بالسيقان واستبدال ضربة بضربة 
رؤية المعنى في الشكل، وهو جائز أيضاً في كل تكاليف الثقافة، 
شكل الكرة وهو شكل متحرك 
وشكل الشباك كهيولى للسكون       
جعل الأحكام في موقع الخطأ بين بين   
الإتيان بالهدف الثاني قبل الأول وبالأول قبل الأوان   
إيهال الخصم بحرف الطريق 
وإيهال غايته بإشغاله بالغاية   
استحضار الهدف القادم من خلال رؤيا متعزمة 
يصل إليها صاحب الرؤية والتعزيم قبل غيره  
تفعيل الرمال المتحركة وخلط الماضي بالحاضر
فوق سطح جلاتيني متكرر يتأخر فيه القادم كأنه يتقدم   
التعامل مع ضربة الرأس كفكرة جيومتريّة   
تشخيص عامل الفوز في ثنايا الخسارة  


منح اللياقة البدنية تذييلاً من النشاط المضاعف لصنع المطبات
تمويه أرض الملعب بممرات سالكة 
يراها الخصم حواجز
التماس العشق والمغامرة 
في غمزة العين وغمزة القدم للكرة 
بدعوى أن النبع واحد.
الاستغناء عن قانون الجاذبية بالسباحة أو الطيران في مجال اللعبة   

 

7
يمثل المدرب على أرض الملعب القطب المتأين لفريقه في المعادلة الكهرومغناطيسية للعبة
تقع على عاتقه مسؤولية تعديل بيانات الحركة في خريطة الاشتباك ذات الأشكال المتزوبعة 
ونقلها من أرض الخيال الى أرض الواقع.  
إنه يعرف اتجاهات العزم والنشاط، وسبل الرشاد في أرض المتاهة 
بغريزة الطيور المهاجرة التي لا تضللها سحب ولا حرائق 
يحدد مناطق القوة والضعف على الرقعة بحذاقة أبطال لعبة الشطرنج وهم يلعبون بالاستدبار 
فيتتبعون مسار القوة بعيون معصوبة.   
تبقى الحظوظ في هذا كله قدرية بين السيقان   
خبرة المدرب وذكاء لمحته هي البصمة المتملّصة التي يحملها الفريق 
أي مدرب، رغم تاريخه الرياضي، يوشك أن يغرق في خطوة السلحفاة في أية لحظة 
إن لم تكن له عين مدربة على قراءة البيانات المضببة 
التي قد يتسبب إغفالها في مدوّنة اللعبة بمفاجأة غير سارّة أو خسارة 
يتوصل مدرب الفريق الى تعيين النقاط المتميّعة وتشخيص مناطق النفوذ والمنفعة 
من بين عشرات الخرائط غير المرئيّة بأنوائها المحجّبة
تحت أقدام اللاعبين وتسارعاتها على أرض الملعب 
يداخل ويوازن بين معايير كل لعبة حسب الكفاءة في شبه خلطة عطار 
وهذا هو السبب الذي يحوّل الهدف أحياناً الى قطعة موسيقية أو قصيدة  

 

أي هدف، وإن جاء متأخراً، بدايته في أول اللعبة، ينحت العزم الدؤوب له شكلاً وعمراً وأجلاً. ينتصر له كقدر، يترجمه في خافية من التجليات مكانها الزمن وزمنها المكان، لا لكي لايزول، لكن ليخلد. ومن عجب أن لهذه الأهداف أعماراً، لها صروف حياتها وأرحام تتصاهر وتتناسب وتتشابه أحيانا تشابه النمل. إنه وبشكل دائم، نص متلاحق ينقصه التأويل  
قراءة اللعبة تتطلب قدرة على المراوحة بين أقدار اللعب المتحكمة 
والوصول الى قدر الفوز بأقصر الطرق   
يتواصل المدرب مع اللاعبين ببديهة حاضرة لها من التسارع، ما يلزم لتحويل المجرد إلى مجسم 
تجسيم المجرد مهمة ذات أبعاد؛ كرة تنجزها تسديدة نافذة 
ولا تكون التسديدة نافذة إلا وقد رافقتها كشوف بصرية راسخة في الضمير 
متمكنة من عالم الزوايا في ما وراء الأستار المتحكمة  
نشعر بالمجرد ولا نراه، إنه يحوم حول الكرة يلامسها يشابهها يكوّنها ويكونها
يحيق بها مثل هالة        
الهدف تجسيم لمجرّد يجسده العزم كفائض قوة  
تتجلى وظيفة المدرب، من خلاله، في انتداب درجة احتفالية للعقل 
في أعلى مرتبة تمكنه من أن يغرف من هذا الفيض ويؤسس للجمال المتبسط 
الجمال المتبسط يطرد العيوب واستدراج المجرّد الى حلبة فائض القوة تجسيم يمثلهما معاص 
كرة تتواصل في مرمى الهدف تعقبها كرة مشفرة مكشوف عنها الحجاب 
هي الجمال

 

8

لو كان عند لاعب كرة القدم شيء يمكن أن يلعبه دفعة واحدة ما كان سيفعل؟  
يلجأ بلا شك، بشكل غريزي، الى تاريخ النشاط في الجسد متخذاً الحركة كنمط تفكير                                   
مضاعفة الحضور عن طريق مضاعفة النشاط مهمة رياضية                                         
ينخرط في اجتهادات اللعبة.                                                                                               
يتخطف سريعاً كرفّة عين، من محدودية النظرة الى فضاء البصيرة 
فيمنح مكونات اللعبة حظوظها من المراقبة بأقل قدر من التركيز وأعلى درجة من المتابعة                                             
يتحول الى قطب فاعل ومتألق في حمل مسؤولية تعديل بيانات الحركة في خريطة الملعب             
أن لا يمنح اللاعب الكرة غير نظرة عابرة شرط من شروط اللعبة                                          
في المكان المحروس على أرض الملعب 
مقيّدة بحريتها، تخضع لعبة كرة القدم لضوابط صارمة النظر فيها هامشي 
يكفله التجمع العاصف لأجساد اللاعبين وتوزعهم بين مرميَين 
هاماتهم، قاماتهم، وجودهم مترامي الأطراف
والمنبعث لتوّه كل حين بين أستار الضجيج وحذر المسافة  
أجسادهم الساكنة في أوج الحراك والمتحركة في ريب السكون 
الجسد كله يرى بعين الغيب إيحاءات البصيرة  
في لعبة كرة القدم 
ترى القدم ما لا تراه العين  

                               
9

الكرة معلقة بخيط السلوى 
إنها معلقة بشكل خاطف 
يوحي بالشفاعة مثل ماء ممسوس
سلوانة يشرب من مائها العاشقون
رأس مسلوت في ظهره قوس ورمح 
تبتعد خلفه البراكين وحرائق الغابات ودخاناتها
تشحب إن شحبت شحوب القمر 
لا لعلة فيه بل في الغيوم 
جنية إنسية تلهب الأرض والسماء بصراخها طائرها في كل نظرة
رهانها على القوة من شكلها في الصميم لا يتعداه قيد شعرة
فيها شيء من رقاص الساعة لا تكفله الأرقام ولا صالات المنازل 
تمارس تكورها بشكل مستقيم
كهمزة وصل بين جاذبية الأرض وغبار الكواكب في أعلى سماء 
عزم منجز تحركه القوّة ويحركها 
مركز ثقل متنقل
تحتفي بالهتاف وبألق المكان بنفس الطريقة التي يتنافى بها تكوين الملاعب مع السكون
  

10
اللاعب أمام سليقته 
في طبيعته المجندة التي لا تخلو من نذر وأعراف تم نسيانها 
وأمامه الكرة المسكونة بتكورها والمسكونة بالتحرر  
كل مكور ينقذف للوهلة الأولى الى الداخل 
وكل متحرك ينطلق للوهلة الأولى الى الخارج 
فلا عجب أن تحمل الكرة إذن عبق التاريخ وطعم الحاضر
تسعى في دائرة محيطها ونذورها كالمسحورة
تلتف على حيادها العميق وترحّلها في المكان كأنها غير منظورة
رغم أنها منظورة، أكثر بكثير مما يسمح به حيادها 
موجودة في أكثر من مكان 
وجودا يوشك أن يعتقل المكان
ولا عجب أيضاً فالسحر توأم العجائب، أن تمثل في ذاتها الشكل وخارجه 
وتمتنع عن الجوانب فلا جانب لها 
الكرة كلها جانب                                                                
إنها جانب نفسها                                                                                             
ملعبها المبكر فضاء العقل على مزاجها يطول ويقصر                                                                  
يدرك اللاعب أن كرة القدم تأثيث حركي يفرز مطاطية المكان 
يحاول ترويضه بالتعهد وممارسة النظر 
في طبيعة المستويات المتحركة لكثافة الضوء  


مع صافرة الحكم 
تستسلم الرقعة الخضراء لرحاب الجذبة والرجرجة 
في دائرة مستطيلة نصف قطرها أحد عشر لاعباً  
فيض من النشاط يراه المشجع مثل شبكة تتصيد طرائد الخيال   
ينظراللاعب الى التسييج الطباشيري كمادة للتعويم 
أبعد ما تكون من العوائق 
فكونها مجرد خطوط لا يمنع استطالاتها   
تخطيط الملاعب في الأصل يخضع الى منظور أطلسي أملته الضرورة 
لأن المرئي من حركة الأجساد ليس بحتاً بل يقتصر على الواقع 
وإلّا، فحركة أخيلة الأجساد في المدى لا تقيدها خطوط 
خصوصاً أن خطوط الملاعب استرسالات لانهائية 
الخط من ناحية أخرى مراوحة وتشبيح   
الخطوط صورة من صور القوانين، داخلها المكين وظاهرها الذي يتلون مع كل ضربة   
ينظر اللاعب ويوشك أن لا يصدق استجاباته المتعاقبة لسلسلة من متتاليات غير واقعية 
يفرضها هو على الواقع.  
يوجد من ناحية أخرى حارس المرمى يقف على أرض ملغّمة 
كاستنتاج ميناتوري يفرزه يقين اللعبة يزحف، يركض، يمشي ويطير   
إنه الجوهر المتراجع الى آخر نقطة والمتحكم بالزلزلة التي في ملعب الخصم 
يشد ويدفع المسارب مثل إنشوطة 
يبدو لأكثر من وهلة مثل رادعة تتمطى  
إنه بالمقاييس الطبيعية، إنسان، لكنه في اللعبة دريئة لخط الهجوم، متأخرة 
وبمقاييس الأرقام 50 في المئة من فضاء أعجم تترصده السهام                        


11
لقد طبعنا كبشر على أن نعتمد المشترك بشكل فردي يأتي دائما لصالح العموم 
يمكننا أن نعيد قراءة سجل أجسادنا بطريقة معاصرة، قراءة تظل بحاجة دائمة الى التدشين الذي 
هو عبارة عن تأويل فعاليات قديمة على قدر من التوحش  
الحركة وجه آخر للوعي، والنشاط بما هو حركة تغذيها الطاقة   
مادة تاريخية تخضع للقراءة عن طريق ممارسة اللعب وتخضع قبل ذلك لتفاصيل صيرورة 
يدخل إعجاز عملية الخلق في ثناياها 
فلا هي مفهومة أو مسموعة ولا هي منظورة إلّا بشكل هامشي يمثله النشاط   
أجسادنا صورة مختصرة لسجل تاريخي متحرك 
وأياً كانت سعادتنا بأجسادنا وفهمنا لها، تظل هذه الأجساد مجرد أشباح لهذه الصورة  
لو ان أحدهم أخبرني في الصبا أن اللاعب الذي يركض 
لا يسعى في الحقيقة بساقيه إلّا 
من خلال توافق بيئي وفيزيولوجي مع أصلاب أجداده الأوائل 
في ما يمكن أن نسميه ركضة ممتدة ولدت مع أول إنسان، لكنت حريّاً بأن أصدق  
في النشاط، نحن أقرب إلى بعضنا البعض حتى أننا نوشك أن نتشابه بشكل متطابق 
لكن ليس أي نشاط بل في النشاط المجتهد 
في اللعب والركض وليس في المشية المتمهلة  
الرياضة تختصر المسافات التي بين أبداننا 
إنها تقرب بعضنا من بعض أكثر


يا لها من مغامرة أحاطت المياه فيها مواطئ أقدام أجدادنا من كل ناحية 
حافاتها السحر والخوف والمطاردات ما زالت تعيش في أجسادنا 
كصورة مستنسخة لا يمكن النظر إليها في أحسن الأحوال إلّا بشكل مبتسر 
ينحسر فيه مستوى المشاهدة ضمن دائرة الخيال

 

12

في ما مضى، كنت بسبب ظروف العمل لا أعود الى نزلي في الفندق إلّا متأخراً. تقلني حافلة الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، وتحتويني في ما يشبه هدهدات الأمومة، الى الموقف الأخير أمام مبنى بلدية ليفالوا بيريه في أطراف باريس. كانت هذه الضاحية أيامها، جمعاً من بيوت هانئة متواضعة، بعضها خرائب. أتهيأ للنزول في نهاية الرحلة ولا يكون غالباً قد بقي في الحافلة غيري. كان توقف هدير الحافلة المباغت يصادف نزولي دائماً بشكل داهم يقذف بي دفعة واحدة الى خلاء خال من الأصوات لا تتحقق من دونه هدأة الضاحية. أهبط كأنما على سطح القمر لهول السكون، وأمضي في الشوارع الخالية مترسلاً نحواً من ربع ساعة، هي متعتي الوحيدة في اليوم كلّه، أحرص عليها حرص يتيم، أصل بعدها الى غرفتي وأنام. 

 

وفي إحدى الليالي، ولسبب غاب عن بالي، مضيت في الدرب نفسه مسرعاً في مشيتي هذه المرّة... لحظات وأحسست أن هناك من يتعقبني خطوة بخطوة. توقفت ونظرت خلفي فلم أجد أحداً. كانت أعمدة الإنارة تشمل الشوارع الفرعية بنور رقراق لا يتيح فرصة للتخفي. واصلت طريقي، بضع ثوان قليلة، ومرة أخرى الإحساس نفسه والخطوة الملحاحة والقريبة نفسها من دون أن يكون هناك شيء. وتكررت وقفتي ثلاث أو أربع مرات، ولا أحد. بوصولي الى الفندق زايلني إحساس المتبوع. ثم قبل أن أفتح باب الغرفة وأنا أضع المفتاح في ثقب الباب، رأيته، فتلجلجت في وقفتي وأيقنت أن مشيتي منسوخة، إذ تبينت أنني لم أكن غير تابع في هذه المتابعة. وأن في أثر الخطوة التي تعقبتني تستيقظ ملامح حنونة لوالدي الذي كان قد رحل من قريب. كنت وسربال الحداد الذي تسربلت به أيامي الحزينة، رهن خطوة تختصرني وتتصادى في داخلي. وغمرني الحزن والندم. كيف أمكن أن لا يبصره الفؤاد من الخطوة الأولى، وأن لا أرى في مشيتي مشيته، يسايرني في سكون الليل وأنا عنه ذاهل؟ وخطر لي أن الموت، لو كان لا شبيه له سوى الموت، فالحياة مساكنة رحيمة في ضيافة الأجساد، متنوعة ومتلونة.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث