لا يبحث السوري اليوم عن المستحيل، كل ما يصبو إليه هو ألا يكرر التاريخ نفسه، وتقع البلاد تحت هيمنة طرف ذي لون واحد، يتعامل معها كغنيمة. يطمح السوريون إلى رؤية بلدهم على نحو يليق بالتضحيات الكبيرة التي قدموها خلال أكثر من نصف قرن من حكم عائلة الأسد. وما ينتظرونه من السلطة الجديدة هو ألا تتعالى على الواقع، وتبعدها نشوة النصر السهل عن القراءة الواعية للأحداث.
تتطلب الأوضاع الصعبة والمعقدة رؤية المشهد من زواياه كافة، وعدم الاكتفاء بالنتائج التي أوصلت السلطة الحالية إلى حكم البلاد، من دون أن تواجه صعوبات كبيرة في طريقها. إن الذي عبّد أمامها درب دمشق ليس جهود مقاتليها فقط، بل الثمن الكبير الذي دفعه السوريون، فما من عائلة لم تفقد أحدا من أفرادها، أو يتهدم بيتها أو تضطر للهجرة. وكلنا نعرف أن مخاض الوصول لدمشق كان صعبا جدا، وتطلب تضحيات كثيرة، وآلام لا حصر لها. ونحن هنا لا نحتاج إلى براهين، فالخريطة السورية مثخنة بالجراح والأوجاع، وما زالت تنزف معاناة، وتتنفس جوعاً وقهراً ومرضاً. وحيثما توجه المرء، لا يجد أمامه غير الدمار، وآثار القتال، والتشوه، ومخلفات الزمن الأسدي الأسود، وزاد عليها التدهور المتواصل في القدرة الشرائية، الذي يبدو أنه لا قعر له.
ليست "هيئة تحرير الشام" وحدها من أسقط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، بل كانت اللحظة التاريخية ثمرة مسار طويل من المواجهة مع النظام المتوحش، شارك في صنعها السوريون كافة. وما قدمه الشعب السوري من تضحيات قبل يوم السقوط، يفوق بأضعاف كثيرة، ما تطلبته عملية طرد الأسد. وعلى هذا يتوجب مراجعة المعايير والموازين التي تعتمدها السلطة الحالية منذ وصولها إلى الحكم. مطلوب منها قبل كل شيء، ألا تقطع مع هذا التاريخ، وتبدأ من الصفر، فولادة سوريا الجديدة لم تكن يوم 8 ديسمبر.
مناسبة هذا الكلام هو إن الملحوظ من إدارة البلد، لا يبعث على الأمل بمستقبل واعد. وبعد مرور قرابة عام ونصف العام على سقوط نظام الأسد، ما زال الأداء العام في الداخل يثير مخاوف أوساط واسعة، وجدت نفسها مقصية عن المشاركة. كما أن المصاعب الأساسية ما زالت تراوح مكانها، خصوصاً على المستوى المعيشي وخدمات الصحة والتعليم والمواصلات والنظافة والإدارة، والأمر ذاته ينسحب على الملفات المترتبة على ممارسات النظام السابق كالسلم الأهلي والطائفية والوحدة الترابية والعدالة الانتقالية التي تخص مئات آلاف السوريين الذين تم قتلهم أو تهجيرهم أو تغييبهم قسراً. وهذه قضايا ذات طعم حار جداً، ولم تتراجع حدتها مع مرور الوقت، بل على العكس، تزداد وطأة.
من المؤكد أن التركة ثقيلة جداً، والأدوات والإمكانات في يد الدولة الجديدة ضعيفة ومحدودة، وهذا يدركه السوري، ويأخذه في عين الاعتبار، وهو سبب الصبر، وإيجاد المبررات للسلطة. وفي المقابل، لا بوادر ومبادرات وأعمال يمكن البناء عليها من أجل بث التفاؤل في النفوس. لا أحد من السوريين يطالب بحل المشاكل كافة، خلال فترة زمنية قصيرة، وهم الذين ضحوا لعقود، ودفعوا أثماناً باهظة، وانتظروا وصبروا على القهر والجوع والقمع والقتل، يبدون في كل مناسبة استعدادهم، لتقديم ما يقدرون عليه، كي تعبر سوريا المرحلة الانتقالية بأقل قدر ممكن من التكاليف.
مطلوب من الدولة أن تتواصل مع المواطنين على امتداد البلد حتى أقاصي الشرق والجنوب، وتهتم بالصحة والتعليم والحالة المعيشية، بالقدر نفسه الذي توليه للأمن وبسط سلطتها. وألا تميز بين العاصمة والمحافظات الأخرى، لا سيما منطقة الجزيرة التي تعرضت للتهميش ونهب ثرواتها خلال حكم عائلة الأسد، وقوات سوريا الديموقراطية "قسد"، وهي اليوم شبه مدمرة على مستوى البنية التحتية، وتفتقر للخدمات الأساسية في الصحة والتعليم، وتواجه حالة من الجوع تفوق ما تعيشه بقية سوريا، ويتجاوز عدد الأهالي الذين يرزحون تحت خط الفقر نسبة 80%.
نجحت السلطة الجديدة على مستوى العلاقات الخارجية، وتمكنت خلال عامها الأول من ترميم الصورة المهشمة لسوريا، التي استخدمها آل الأسد من أجل بناء نظامهم الأمني، وتكوين ثروات هائلة نهبوها من اقتصاد البلد، ونقلوها للخارج، وتشهد على ذلك استثمارات بمليارات الدولارات. وكدليل على النجاح الخارجي جرى استقبال الرئيس احمد الشرع في أهم العواصم العالمية والعربية، واشنطن، موسكو، باريس، لندن، برلين، الرياض، القاهرة الدوحة، أبوظبي.
وشهد العهد الجديد فتح المجال أمام حرية التعبير والنقد، وهذا أمر يبشر بأن البلد لن تكون مملكة للصمت من جديد. وما ينقص فعلاً هو تحصين هذا المناخ كي لا يبقى مثل غيمة صيف عابرة لا تمطر. ولن يتم ذلك من دون إشراك الكفاءات السورية التقنية والاقتصادية والسياسية والإعلامية والثقافية، كي تسهم في بناء سوريا الجديدة متعددة الألوان. ومن الضرورة بمكان الإشارة إلى أن هذا الرأي يصدر عن حرص على استقرار البلد. ومهما علا سقف التذمر، أو معارضة سلطة المرحلة الانتقالية، فإن دعم التجربة الحالية واجب على السوريين الحريصين على نجاة سوريا من الغرق.




