"حاييم صرّاف عكا" ليوسف معوض: جمال السرد وعِبر التأريخ

جان هاشمالأحد 2026/06/07
يوسف معوض
يوسف معوض وكتابه
حجم الخط
مشاركة عبر

وأنا أكتب عن أدب يوسف معوض، لا بدّ لي من مصارحة صادقة من أجل سلامة القراءة النقديّة. ليس بسبب صداقة تربطني به، وليس لأنني مترجمه في الكثير من الأحيان، وخصوصاً في روايته هذه، بل لأنني عندما أقرأه في مقالاته السياسية أو البحثية، أو كتبه التأريخية على قلتها، أستمتع بأسلوبه، باللغة الفرنسية، إذ أحسّ فيه تلقائيّاً بجاذبية أحبها أنا شخصياً، وما هذا التوضيح إلا حرصاً على ألا تكون "شهادتي مجروحة" في عمله هذا ككلّ.

 

متعة قراءته تتأتى في رأيي من جمال وصفاء لغته الفرنسية كأديب ومفكّر فرنكوفوني، بأسلوبه الرشيق والدقيق والمقتضب، الذي يقول ويوحي بأبعاد مهمة عبر القليل من الكلام، فيما ينطبق عليه وصف "المختصر المفيد"، وأقول أيضاً الجميل والمعبّر بعيداً من كلّ صَنعةٍ مفتَعلة. في تعبيره وجمله روحٌ أو نفَس مميَّز نحسّه ونعيشه بالتأكيد، وهذا ما عملت على نقله بأمانة في ترجمتي روايته "التاريخية" هذه حاييم صرّاف عكا[1]، التي ساق أحداثها عبر توليفة مدروسة ما بين العرض التاريخي التوثيقي، والعمل الأدبي التخييلي.

 

الواقع التاريخيّ: عهود ثلاثة وأحداث كُبرى

تحكي الرواية قصة الصراف اليهودي، حاييم فارحي، الذي استقدمه أحمد باشا الجزار من دمشق ليتولى إدارة الشؤون المالية في ولاية عكا التي كان قد تولاها وأراد توطيد سلطته فيها، أي أنه كان بمثابة وزير ماليّته. وحاييم هو من أسرة يهودية تخصّصت، دراسةً وعملاً، في هذه المجالات من الأعمال المالية التي جعلتهم يراكمون الثروات، وجعهلتهم بالطبع في منافسة شديدة مع نظرائهم من المسيحيّين النصارى الأورثوذوكس أو الكاثوليك. وسيمضي حاييم زهاء ثلاثين عاماً (1790- 1820) في إدارة شؤون هذه الولاية المالية، ويصبح اليد اليمنى لثلاثة ولاة تعاقبوا على حكمها هم أحمد الجزار وسليمان العادل وعبد الله ناكر الجميل.

عكا معوض

يستعيد معوض الأحداث العامة والخاصة، مستقياً وقائعها من مصادر تاريخية أشار إليها في الإيضاحات، لتشكّل بالتالي الإطار العام المكاني والزماني لما عاشه حاييم وعايشه في سنوات عمله هذا في ظلّ أهل السلطة. من تسلّم أحمد باشا الجزار ولاية عكا، ومعها أحياناً ولاية الشام، إلى توريثه الحكم لربيبه سليمان العادل، إلى سياسة حاييم ومكانته وعلاقاته التي أوصلت عبد الله الجحود إلى الحكم، وقد حرص على سرد سيرة حياة كلّ منهم، الجزّار خصوصاً، منذ نشأته وتربيته وتجاربه وصولاً إلى استلامه الحكم.

هي ثلاثة عهود إذن، عمل معوض على وصف الحكم فيها، أي سياسة كل من الولاة الثلاثة في إدارة البلاد، مع ما رافق كلّ عهد من أحداث كبرى ميّزته، مثل النفوذ مع الفرنسيين وحملة بونابرت وحصار عكا، ومحاربة المتمرّدين من شيعة جبل عامل ومن بدو الصحراء، إضافة إلى المؤمرات والانقلابات ومحاولات التمرّد وكيفية التعامل معها. وكذلك المناسبات والمظاهرات الاجتماعية الكبرى التي طبعت كل عهد، مثل مواكبة رحلة الحجاج سنويّاً إلى مكة المكرمة، إلى جولة الأبّهة التي يقوم بها الوالي. وكذلك بعض الوقائع العادية، ولكن اللافتة وذات الأهمة في حينه، مثل زيارة السيدة الانكليزية اللايدي أستير ستانهوب، أو الطبيب الإيطالي فرنسيسكو.

ليس كل ذلك من باب العرض التاريخي المكرّر، وما استعادة هذه الأحداث والوقائع إلا لأنّه كان لحاييم دور أساسيّ فيها. فهو بحكم موقعه في الحكم اضطرّ إلى التعامل معها بشكلٍ مؤثّر وفعّال. لكن الأهم من ذلك أنها جعلته موضع اختبار، ليس لمدى براعته في إدارة الأمور واستنباط الحلول، بل لمدى وفائه وإخلاصه لأسياده، وبالأحرى لمدى انقياده وتذلّلـه وانسحاقه أمامهم، مختاراً أو مضطراً، قبل أن تتفجر فيه كرامته وينتفض في النهاية لنفسه ولقومه غير آبهٍ بالنهايات التي كان يعرفها سلفاً.

 

التخييل والبنية الروائية

في ظلّ هذه الأحداث، العامة والخاصّة، التي جرت على مدى ثلاثين عاماً، ينقل لنا يوسف معوض، في قالبٍ روائيّ قصّة حياة حاييم فارحي، وما عايشه من أحداث كان فاعلاً فيها أو متأثراً بها كما ذكرنا، وكانت لها تداعيات مباشرة على حياته الشخصية أو على حياة أهله وقومه. وقد وصف الكاتب بالتفصيل كيف تفاعل حاييم مع هذه الأحداث، ونتائجها الإيجابية أو السلبية عموماً عليه. وعرف كيف ييرز شخصيته المقيتة عموماً في انصياعها وانسحاقها، وكيف يصور تفاعلاته النفسيّة بأدق تفاصيلها، وكيفية مواجهتها الآلام والمخاطر والمهانة، ليخرج علينا بشخصيّة روائية مكتملة تتوافر فيها مواصفات البطل الروائي، بمعنى أنه الشخصية الأولى في الرواية والذي حوله تدور الأحداث كلها.

 

الشخصيات وسيرة عائلة

في فلك شخصية حاييم الرئيسة تدور مجموعة من الشخصيات الأخرى، رئيسة أو ثانوية، استمدّ معوض مواصفاتها من المراجع التاريخية، وخصوصاً من كتاب ابراهيم العورة[2] الذي أرّخ لحكم سليمان باشا العادل، وروى فيه كثيراً من مأساة حاييم وعائلته. هي شخصيات واقعية عموماً (الأب، الجدّ، الأخوة، سائر القواد والموظفين والعسكريين الذين عملوا أو عايشوا الولاة)، وإن كان الكاتب قد تخيّل على الأرجح تصرّفاتهم والأحاديث والحوارات الممكنة بينهم مع ما تحمله من إضاءات ضرورية على مجرى الأحداث، ومن خدمة في بناء الشخصيات الرئيسة. وقد اختلق الكاتب شخصيتين اثنتين من صنع خياله، كما صرّح في الإيضاحات، هما شخصية زكريا، نسيب حاييم، والشاب المتمرّد المتأثر بأفكار الثورة الفرنسية، وشخصية محرز البدوي الشريد الذي كان له مرور عابر في الرواية، لكنه ساعد الكاتب على إيضاح جانب من شخصية حاييم، المتعاطف ضمنياً مع أبناء ملّته، وأعطى عبره لمحة عن طبيعة الإنسان البدوي المجازف والمغامر والانتهازي.

وتجدر الإشارة إلى هذا العدد الكبير من الشخصيات الثانوية التي كان لها دورها في الأحداث في مراحل معينة والتي بها استكمل الكاتب المشهد ليعطي فكرة واضحة ومفصّلة عن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والسكانية في تلك الحقبة.

 

ساغا مصغَّرة وحياة البلاطات وخفاياها

لا تكتمل قصة حياة حاييم من دون وضعها في سياقها الاجتماعي والبيئة التي جاء منها، ودورها في الحياة الاقتصادية والسياسية في بلاد الشام. فهناك إضافة إلى حاييم والده وجدّه كما رأينا، وأخواه يوسف وموسى، ونساؤهم، وزكريا النسيب البعيد، وحزقيال النسيب الفاعل وصاحب النفوذ في دوائر اسطنبول، وأبناء الطائفة اليهودية في دمشق خصوصاً، وهؤلاء جميعاً لعبوا بشكلٍ أو بآخر، أدواراً في سياق الرواية، وهو ما يجعل من الرواية "ساغا" مصغّرة تروي تاريخ عائلة فارحي، وإن محدوداً في مكانٍ وزمانٍ معينَيْن.

كما أن الرواية، في امتدادها زمنياً على ثلاثة عهود، مع ثلاثة ولاة، قد نقلت جوانب كثيرة من حياة البلاطات، وأسرارها، والعلاقات التي حكمت شخصياتها، فنكون بذلك إزاء رواية تاريخية "ملكية" إذا جاز التعبير.

 

الرواية المسألة

بين التأريخ والتخييل يذهب يوسف معوض مباشرة إلى موضوعه، وهو وَضْعُ أهل الذمّة، من نصارى ويهود وغيرهم، في ظلّ الحكم الإسلامي. وقد يوحي العنوان الثانوي للرواية بأنه أراد أن يفتح هنا قضيّة تنامت وتعقّدت على مرّ العصور، وربما عادت تذرّ بقرنها مع ظهور بعض التنظيمات أو التيارات الأصولية أو الإرهابية المتطرفة التي دعت إليها، وحاولت إعادة العمل بها بشكلٍ كاريكاتوري في بعض المناطق العربية...

لكن أجواء الرواية تجعلنا نتطلع إلى الموضوع بنظرة تخفيفية، أحببت أن أسميها "مسألة" إذا كان في الكلمة من تخفيف. فأولاً إذا أردنا أن نكون واقعيين وصادقين، لا يمكننا أن ننكر أن "قانون" أهل الذمة وجد مع نشوء الإسلام، وقد وضعت الشريعة أصوله وطبق في العصور الإسلامية الأولى، وحافظ إلى حدّ كبير على حقوق الطوائف، لا بل كان المجال مفتوحاً أمام أبنائها ليلعبوا أدواراً أساسيّة ومهمة في بلاطات الخلافة (من باب التذكير فقط دور النصارى وقبيلة تغلب مع الأمويين)، وليس هنا مجال الدخول في تفاصيل تفاقم هذا الأمر وتحوله إلى قضية معقّدة ومؤلمة، لكن من المؤكّد أن المصالح السياسية، وسياسات الحكام، والمنافع الشخصية، والصراعات الداخلية وغيرها قد ساهمت في تضخيم هذه المسألة.

وهذا ما يمكن استشفافه من الرواية. فمن خلال السرد ينقاد الكاتب عن قصد أو عن غير قصد، إلى تفاصيل تخفّف من وقع هذه المسألة. فقد أورد تفاصيل كثيرة توحي، لا بل تؤكّد، أن "المشكلة" ليست في "الشريعة" التي حددت وضع أهل الذمة بقدر ما هي وليدة السياسات والصراعات على السلطة والمناصب والسعي إلى الجاه، وإلى المال خصوصاً لخزينة الدولة أو لجيوب المستفيدين. أوَليس جزء من "مصيبة" أهل الذمة هو في صراعاتهم الخفية والعلنية فيما بينهم، وتنافسهم على استرضاء السلطة وإقصاء الآخر للحلول مكانه (وقد شهدنا كثيراً هذه السياسة وسلوك الأقليات في العقود الأخيرة في لبنان والجوار).

ومن ناحية أخرى، ودوماً بناءً على أحداث هذه الرواية، إن ما عانى منه هؤلاء هو أيضاً ما عانى منه بعض المسلمين، إن فردياً، مثل القادة والموظفين، وإن جماعيّاً، مثل قمع تمرّدات متاولة جبل عامل، أو تعديات البدو (هذا في الرواية، ويمكن العودة تاريخياً إلى الصراع الدائم والدامي بين السنة والشيعة وما نتج منه من أحداث دامية، محاربة وقمع المذاهب الإسلامية الأقلوية، أو ما عُرِف بالبدع وصولاً إلى الصوفية).

وليس أدلّ على رغبة الكاتب في وضع مأساة حاييم في سياق موازٍ ومختلف من الجملة التي ختم بها قصّة مقتله: "إنه مصير الذين يتقرّبون من السلطة".

 

التصادم بين الشخصيّات

تعيدنا هذه العبارة إلى الأسباب الشخصية التي تسببت بمأساة حاييم. فهو بطبيعة الحال معرّض عادة لأنه من فئة اجتماعية ضعيفة. لكن أساس معاناته وما واجهه هو في تكوينه الشخصي، فطرياً وتعلّماً وخبرة، وفي التكوين الشخصي للولاة الذين لا يملكون سوى قوتهم وبطشهم، وعلى الأخصّ خوفهم وعقد نقصهم. فالجزار شوّه حاييم لأنه أراد أن يذله ويخضعه بشكلٍ نهائي مع قومه الذي تعاظم نفوذهم وثروتهم في دمشق. وبعد أن عامله سليمان العادل بالاحترام اللازم ووثق فيه، جاء عبد الله بشخصيته الضعيفة وبعنجهيته، وميوله الدينية والسياسية، وقد أحسّ بشخصية حاييم القوية ومعرفته وسعة اطلاعه وقدرته على التصرّف، حتى أنه صار يجد نفسه ضعيفاً أمامه وعاجزاً عن التصرّف في الحكم بحضوره الذي صار يرعب كل من في البلاط. "لن أكون الباشا فعلاً طالما هو في عكا"، فأراد الحدّ من صلاحياته ليس إلا... وإزاء عناد حاييم وانتفاضه في النهاية لكرامته وكرامة قومه وقعت الواقعة.

 

من الماضي إلى الحاضر

رواية حاييم صراف عكا، وكما يُفتَرَض بالرواية التاريخية، جمعت بين جمال السرد والإخبار، وغنى التأريخ وعِبَره، تسلك بالقارئ ما بين الحدث التاريخي الموثّق والخبر الروائي المتخيَّل، لتغمره بجوّ من المتعة والتعمّق في القضايا التاريخية والانسانية. إنه صورة الماضي التي تنعكس بشكل ما في الحاضر فتحرّك النفوس وتحكّ العقول والأفكار، فتفسّر الحاضر بالماضي وتحرّض أبناء اليوم من مجتعاتنا على إصلاح ما يجب إصلاحه.

 


[1]. معوّض، يوسف، حاييم صرّاف عكا، يهوديّ في ذمّة الإسلام، نقله عن الفرنسية جان هاشم، رياض الريّس للكتب والنشر، بيروت، 2026، 446 صفحة.

[2]. العورة، ابراهيم، تاريخ ولاية سليمان باشا العادل، دار لحد خاطر، بيروت، 1989.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث