بلا شك، تعد الكاتبة والمخرجة الإيرانية الفرنسية، مرجان ساترابي، التي رحلت عن عالمنا قبل أيام، إحدى الظواهر الأدبية الفنية في القرن والحادي والعشرين. من المستبعد أن تقابل من لم يسمع برواياتها المصورة "بيرسيبوليس" والتي نشرتها مسلسلة بالفرنسية أولاً، مطلع الألفية، قبل أن تصدر في ترجمة إنكليزية في جزأين بين العامين 2003 و2004.
الرواية التي ترجمت إلى عشرات اللغات وبيعت منها بضعة ملايين من النسخ، نالت حياة أخرى ووصلت إلى جمهور أوسع بعد اقتباسها للشاشة في فيلم فرنسي يحمل الاسم نفسه العام 2007، وشاركت ساترابي في إخراجه. نال الفيلم أيضاً نجاحاً جماهيرياً كبيراً، إذ باع أكثر من 1.40 مليون بطاقة في قاعات السينما الفرنسية وحدها، ولاحقاً نال عدداً من الجوائز والترشيحات في المهرجانات السينمائية على ضفتي المحيط، من الترشيح لأوسكار أفضل فيلم رسوم متحركة (2008)، والترشيح لبافتا أفضل فيلم غير ناطق بالإنكليزية (2008)، وصولاً إلى الفوز بجائزة التحكيم في مهرجان "كان" لأفضل فيلم سينمائي (2007) وجائزة سيزار لأفضل عمل أول (2008).
الرواية المصورة الهجينة تجمع السيرة الذاتية والخيال، وهي تأخذنا في رحلة نضوج لفتاة صغيرة نشأت في أعقاب الثورة الإسلامية الإيرانية وتنتقل لاحقاً إلى النمسا، وتتيح لامرأة إيرانية أن تحكي قصتها للعالم. نالت الرواية اهتماماً أكاديمياً واسعاً، باعتبارها عملاً ما بعد استعماري ونسوي، يتحدي الصور النمطية بشان المرأة المسلمة والمجتمعات في الشرق الأوسط. فالبطلة "مارجي" تتحدر من أسرة شيوعية عارضت الشاه في الماضي وعارضت سلطة الجمهورية الإسلامية لاحقاً، أما هي فلا تنتمي هنا ولا هناك، ترتدي الجينز وتستمع إلى الموسيقى الغربية وتظل إيرانية، كما قالت ساترابي عن نفسها أكثر من مرة: "سأظل إيرانية دائماً".
في الولايات المتحدة وحدها، الرواية في لائحة القراءة في أكثر من 250 مقرر دراسي. ولا عجب أن تنشر جامعة جونز هوبكنز في مجلة "أوراق نسوية" ورقة أكاديمية بعنوان "مناقشة وورشة عمل عن طريقة تدريس رواية بيرسيبوليس" في العام 2010. إلا أن هذا الاحتفاء الواسع يظل هناك من يشكك فيه.
توصم الرواية من بعض نقادها بكافة التهم، بالطبقية والإسلاموفوبيا، علاوة على االاستشراقية الجديدة والنسوية الاستعمارية. "مارجي"، مثل كاتبة الرواية، تنتمي إلى الطبقة الوسطى العليا، تنال تعليماً أجنبياً وتسافر للدراسة في النمسا وتقضي عطلة الصيف في أوروبا. الجدير بالذكر أن ساترابي من ذوات الدم الأزرق، فجدّها لوالدتها هو الشاه ناصر الدين القاجار، الذي حكم إيران أكثر من نصف قرن منذ العام 1848، وإن قللت ساترابي دائماً من شأن هذا النسب الملوكي. وبعيداً من ذلك، يشير منتقدوها إلى أن الأصول البرجوازية العليا لساترابي لم تترك بصماتها الطبقية في رواياتها فحسب، بل أيضاً جعلت الاحتفاء الغربي بها ممكناً. بالنسبة إليهم، لا تقدم بيرسيبوليس جسراً لربط الشرق بالغرب، أو تواصلاً عبر الاختلاف، بل "اختلافاً داخل التشابه". ففي المحصلة النهائية، تبدو مارجي غربية تماماً، باستثناء أنها إيرانية، ترتدي الملابس الغربية وتستهلك الثقافة الغربية بنهم. الغربي هنا يساوي التمرد ويساوي التحرر، بينما يمثل الشرق أو إيران كل ما هو عكس ذلك.
ظهر صنف مذكرات المنفى الإيرانية في عقد الثمانينات، لكن نجاحه في سوق النشر برز بعد العام 2001 بالتوازي مع "الحرب على الإرهاب". بحسب دراسات ما بعد الاستعمار، يصبح الكاتب "مخبراً محلياً" ينصت إليه ويكون مصدقاً بشأن ما يقوله عن الشرق. لكن الكاتب الشرقي الذي يكتب لجمهور غربي، ربما يقع في فخ سرد قصته من منظور غربي بشكل يعيد إنتاج الخطاب الاستشراقي بل ويمنحه مصداقية.
تلتصق بساترابي تلك التهمة، فروايتها المصورة تعيد إنتاج التنميطات الاستشراقية، بتعميمات يمكن التسامح معها كونها تخرج على لسان فتاة صغيرة السن. السياق التاريخي والسياسي للأحداث يبدو مبهماً في كثير من الأحيان إلى حد يقود القارئ إلى سوء الفهم. الجذور التاريخية للثورة الإسلامية تقدم بشكل سطحي بينما تصور وكأن قادتها هم زمرة رجال الدين المخابيل. أما الحرب الإيرانية-العراقية فلا توضيح لدوافعها المدعومة غربياً، بينما تكتفي الرواية بتصوير شهدائها والاحتفاء بهم بوصفه وليد هوس إيراني بالموت.
بلا شك تعاني النساء بشدة في إيران، لكن التصوير المختزل للحجاب في الرواية بوصفه مجرد أداة للقمع يخدم، ولو من دون قصد، سرديات الإسلاموفوبيا والنسوية الكولونيالية. ولا تفوت المنتقدين فرصة الإشارة إلى أن الكاتبة النسوية الأميركية الشهيرة، غلوريا ستاينم، والتي دونت كلمة تحفيزية في الغلاف الخلفي للترجمة الإنكليزية من "بيرسيبوليس"، كانت على صلة بوكالة المخابرات المركزية ومعروفة بحماسها للحروب الأميركية لتحرير النساء المقموعات.
مراراً نفت ساترابي الاتهامات التي نالت كتابها. صحيح أن مواقفها السياسية بدت أحياناً ملتبسة، إلا أنها بشكل حازم أيدت انتفاضات شعبها ضد نظام الجمهورية الإسلامية، وبالتصميم نفسه، عارضت أي تدخل عسكري خارجي في بلدها. وفي العام الماضي كان آخر مواقف ساترابي الاحتجاجية ضد المؤسسة الغربية، إذ رفضت وسام جوقة الشرف الذي تمنحه الدولة الفرنسية، اعتراضاً على الموقف الفرنسي الرسمي "المنافق" تجاه الشأن الإيراني، إذ تتشدد وزارة الخارجية الفرنسية في منح التاشيرات للفنانين والكتّاب الإيرانيين المعارضين، بينما يتجول أبناء الأثرياء ولأولغارشيا الإيرانية براحتهم في باريس.




