عباس بيضون لـ"المدن": صوْر جزء غالٍ مني...وكتبتها كنشيد

محمود وهبةالسبت 2026/06/06
عباس بيضون
يانيس ريتسوس أعادني إلى كتابة الشعر بعد انقطاع دام أربع سنوات
حجم الخط
مشاركة عبر

حين يتحدّث عباس بيضون عن صور، يبدأ من القصيدة، ويعرّج على البحر. من طفلٍ وصل إلى المدينة في التاسعة، ضاع في سوقها في يومه الأول، وظلّ، بطريقةٍ ما، يبحث عن طريقه إليها طيلة حياته.

في هذا الحوار مع "المدن" يعود بيضون إلى "صور" بوصفها قصيدته الأشهر وأيضاً مكاناً عاش فيه الغربة والانتماء معاً. يتذكّر المدينة الأولى التي أدهشته، البيت الذي أقام فيه طويلاً مع نفسه، المكتبة الصغيرة التي تحوّلت إلى حلقة شعر، والحرب اللبنانية التي جعلت المكان أضيق واللغة أصعب.

بين البحر والبيت، بين الغريب الذي يرى أكثر وبين الرجل الذي صار يرى المدينة كذكرى، تبدو صور هنا أكثر من مدينة. تبدو سيرةً كاملة، ومحاولةً متجددة للعثور على النفس داخل المكان الذي صنعها.

عباس.jpg
  • قصيدة صور، أين كتبتَها؟ 

كتبتُ المقطع الأول من صور في بنت جبيل. ولم أكُن حينها في صور. كنتُ في زيارة إلى بنت جبيل، في دارة أقاربي. جلستُ للكتابة ولا أعرف كيف أتاني الشِّعر. وجدتُ نفسي أباشر كتابة نصّ عن البحر. والحقيقة أنّ صور لم تكن في الوارد. النص الأول الذي كتبته في بنت جبيل كان البحر، وبيتي أنا في صور قريبٌ من البحر. ربما كنتُ أستعيدُ في هذا المقطع، من قريب أو بعيد، إيحاءات البحر الذي اعتدتُ أن أمشي قربه كلّ يوم. نعم كلّ يوم في الطريق إلى السوق أو في الطريق إلى العمل.

أتذكر نفسي أمشي في شارع يحاذي البحر. هكذا وجدتُ نفسي أكتبُ البحر، أكتبُ البحر كما استوحيته وكما أتاني وحيه. وكتبتُ مقطع البحر، وهو الأخير في "صور قصيدة" فوجدتُ نفسي بدون قرار مسبق أنتقلُ إلى المدينة وأكتبُ مقطع "صور". هكذا وافاني هذا المقطع بموضوعه وأيضاً بلغته بأسلوبه. الأسلوب في هذا المقطع يختلف بطريقة أو بأخرى عن مقطع البحر.

مقطع البحر، كما قلت، يملك نفساً ملحمياً إنشادياً بينما مقطع صور لا يملك النفس نفسه. أستطيع القول إنّ لغة صور ومادّة صور، إذا جاز التعبير، مختلفة. في مقطع صور هناك عودة إلى الماضي، عودة إلى المكان، عودة إلى تاريخ هذا المكان بالتحديد، عودة إلى ذكريات. مقطع صور، إذا جاز التعبير، هو المدينة بواقعها وبتفاصيلها وبذكرياتنا وبذكرياتي فيها.

غ.jpg
  • هل أفهمُ منكَ أنّ المقاطع الثلاثة في صور، هناك اختلاف بينها؟

لا أدري، ربما لا يرقى الأمر إلى الاختلاف. وجدتُ نفسي مختلفاً بلا قصد، كتبتُ المقطع الأول، البحر، وفي بالي قصائد ملحمية. كان همي إيجاد لغة للبحر، لغة عن البحر وله. بينما صور ليست عملاً لغوياً فقط، هي ذاكرة هي تاريخ هي حكايا هي تفاصيل. لا يمكنني أن أحصرَ صور في الغناء فقط، هي سجلٌ وهي بشكل ما سيرة. 

 

  • كم كان عمركَ حين قدمتَ إلى صور؟

كنت تقريباً في التاسعة. ولدتُ في قرية اسمها شحور وأبي كان مدرِّساً في هذه القرية. أذكرُ أيضاً أنّ العائلة في صغري أصيبت بكارثة. عمي المهاجر إلى أفريقيا توفي بسبب خطأ طبي. هذه الحادثة زلزلت أبي ودفعتهُ إلى ترك القرية والذهاب إلى صور. استدعانا إلى صور بعد انتقال تعليمه إلى هناك أيضاً. أذكر جيداً أنّ أبي لم يحضر لاصطحابنا إنما صديقه الذي حضر بسيارته. أستطيعُ أن أقول لك أنني ما زلتُ في صور قصيدة، أتذكر الأيام الأولى لي فيها. 

 

  • حدِّثنا عن اليوم الأوّل لوصولك؟ 

المشهد الأول الذي يتبادر إلى ذهني أنني ضعتُ في السوق. الآن، لماذا ضعتُ وكيف؟ لا أذكر، لكني أذكر أنني ضعتُ وكان شيئاً كارثياً. 

 

  • انطباعكَ الأول عن صور؟ 

تلقيتُ صور كمدينة. كانت شيئاً آخر، مفاجئاً ومباغتاً، وشيئاً كبيراً وباهراً. هذا ما أذكره الآن. أدهشني السوق. تجولتُ فيه ووقفتُ أمام دكان صديق لأبي. أذكرُ هذا الصَّديق وأذكرُ دكَّانه، وأذكر أنني تجولت في هذا السوق وضعتُ فيه أيضاً. ولا أذكرُ كيف خرجتُ من هذا الضياع. 

 

  • نتحدَّثُ هنا عن اكتشافك لصور كوافد أو غريب؟ 

صور كانت المدينة الأولى التي عرفتُها ربما. كنتُ أمام عالمٍ آخر. هذا العالم الآخر بقيتُ غريباً فيه. لكن لحسن حظي، كنتُ كغريبٍ أرى أفضل وأرى أحسن. في فتراتي الأولى كنتُ أعيشُ المكان لأنه غريبٌ عليّ. مكانٌ غريبٌ يلفتني في كلّ لحظة، أراه بعينٍ واسعة مندهشة. كنتُ أراكمُ الأشياء في صور. أتذكَّر وأكبر، ويخطر لي الآن أنني قضيتُ طفولة صعبة. لفترة طويلة لم يكن لي أصحاب. كنتُ نزيلَ البيت. لا أغادره البتة.

 

  • نتيجة ماذا؟

لا أدري كنتُ دائماً نزيلَ البيت. ألعبُ في البيت، ألعبُ مع نفسي، وأتحركُ مع نفسي، وأصاحبُ نفسي.

 

  • أفهمُ أنّكَ كنتَ بريّاً؟

لا لا، لم أكن برياً. التعبير الأصحّ كنتُ خجولاً. وكان يرافقُني إحساس مستمر بأنني غريب. ولم أجد لي صديقاً بهذه السرعة. أتذكَّر الآن بشكل ضبابي. صديقي الأول كان يكبرُني بأربع سنوات. هذا هو الصديق الأول الذي أتذكره. أذكرُ أنّنا ترافقنا لفترة مهمة. هذا الفتى، على ما ببالي، كان غريباً هو الآخر، أمه كانت متسوِّلة، وأبوه كانَ صاحب دكان. كان فيه من الغرابة الكثير. مكانه الذي كنتُ أزوره فيه أيضاً، بيته، كان غريباً عليّ. 

صور.jpg
  • ماذا عن صداقات أخرى؟ 

صداقاتي انعقدت لاحقاً على أساس وحيد، هو اتصالُها بقراءاتي. يعني كنتُ ألتقي بأناس يقرأون، وربما أناس يكتبون. ويصيرون أصدقائي. 

 

  • كانوا أكبر منكَ بكثير؟ 

سنوات معدودة وليست كثيرة. بعد ذلك كنتُ أصادفُ أشخاصاً مثلي، أشخاصاً يقرأون ويكتبون، وكنا نلتقي في بيتي وحول مكتبة أبي. نتجمَّع حولها ونتناول كتاباً غالباً ما يكون ديواناً شعرياً، نقرأ المتنبي ونقرأ ابن الرومي ونقرأ أحمد شوقي، ونقرأ آخرين أيضاً. نجتمع في شكل حلقة دائريّة. ونقرأ بصوتٍ عال القصائد ونردِّدُها. أتكلَّمُ هنا عن مرحلة كنتُ صرتُ فيها فتياً. ربما تجاوزتُ العاشرة أو أكثر.  

 

  • من اللافت أن تعود إلى هذا المشهد أثناء حديثكَ عن صور!

هذه الجلسة كانت بالنسبة إلي هي صور. صور هي هذا اللقاء الصغير الذي تحول بلا أن ننتبه إلى جمعية أدبية. كنا أقرب إلى جماعة. سعينا لأن نؤلِّف جمعيّة أدبية. حتى أنني أذكر أننا بدأنا نتعد لإصدار ما يبدو لي الآن صحيفة أو نشرة.  اجتمعنا حول الأدب. وبالتحديد الشِّعر.

6d3b24ea-bab3-41ca-a8bc-dd64e8071317.jpeg
  • حتى لو لم يكن والدكَ حاضراً في تلك الجلسات، إلا أنّ طيفه كان حاضراً من خلال مكتبته...

والدي بدايةً كان كاتباً، وله إصدارات عديدة. ولد في بنت جبيل، هو أيضاً لم يولد في صور. لكن والده، لأمر أظن أنه عائلي، غادر إلى صور. تزوج امرأة من الناقورة، وغادر إلى صور وعاش في صور مع عائلته. إذن أبي صوريّ بمعنى ما. لكنه مثلي لم يولد في صور. وبقي ووالده- جدي - بعيدَين، بين صور وبنت جبيل.

 

  • نكتشف من خلال حديثك الآن تشابهاً بينك وبين سيرة والدك، مع المدينة، إلى أيّ حدّ كتبتَ نفسك ووالدك؟

ليست لديّ إجابة دقيقة. ولا أدري إلى أيّ درجة كان والدي حاضراً في قصيدة صور. لكن وأنا أتكلَّم الآن أظنه حاضراً على نحوٍ ما. لم أتقصده في القصيدة، بمعنى أنه ليست في القصيدة مقاطع أحسستها تمتُّ بصِلة إلى والدي. لكن والدي وبيتي حاضرَين في هذه القصيدة.

392271-1262380791.jpg
  • إلى أيّ حدّ يأخذنا كلامك إلى توصيف السيرة لدى كلامنا عن صور قصيدة؟ 

أتفق. هذه القصيدة في وجه من وجوهها سيرة لي في صور. وهي في وجه آخر سيرة لصور بالنسبة إلي، سيرة لصور عندي أنا. هذه المدينة في قصيدة صور هي المكان الذي عرفته، لكنها أيضاً البحر، هي التاريخ القديم الذي لم يكن بالنسبة إلي تاريخ الفينيقيين، كان تاريخ المدينة الذي أعرفه، تاريخ المدينة كما عرفتها أنا وكما رأيتُها وعاصرتُها. القصيدة، في الواقع، كانت نابعة من أمر لم أكن قد استجليته تماماً بعد، هو صوريّتي. ما كشفتهُ القصيدة بعد خروجها هو "صوريّتي".

 

  • حدّد لي أكثر متى ظهرت "صوريَّتُك"؟

لم أنتبه إلى أنني أستعيد أمراً كان شبه غائب عني، هو صوريّتي أنا. يعني تكلمت عن صور في القصيدة كإبن المدينة، كصوريّ، تكلمتُ عن القصيدة كمن ينتمي إلى هذا المكان، لكنه ينتمي إليه بعينين مفتوحتين لأنه أيضاً غريبٌ عنه. وعادةً الغريب يرى المكان بشكل أفضل وأوضح.

عباس بيضون
  • متى تركت صور؟ 

لم أترك صور بالمعنى الفعلي، أنا فقط انتقلت.

 

  • هذا الانتقال، هل تخلّله شيء من القطيعة؟ 

لا ليست قطيعة. عشتُ زمناً في صور، درَّستُ فيها، وانتقلت بعدما تزوجت إلى صيدا. لكنني بقيت أمضي الصَّيف في صور، وما زلت صورياً. لي بيتٌ في صور ما زلتُ أتردَّد عليه. وحين لا أتردد أخجل من نفسي، حين لا أتردد أعرف أنَّ هذا الانقطاع هو جزء من خيانة خفية لهذا المكان الذي جئتُ منه.

 

  • صور التي كتبتَها، في سبعينات القرن العشرين، وصور التي تكتبها الآن. هل تلاحظ اختلافاً بينهما؟ 

لا أعرف مدى الاختلاف. أظن أنّ القارئ هو الذي يرى إلى ذلك. هناك شيء مختلف طبعاً. ولا بد أن يكون مختلفاً عما كنته قبل عشرات السنين، لا بد أن كتابتي اختلفت لأنني أنا نفسي اختلفت. قصائدي حالياً عن صور قائمة، في تصوُّري، على ذكرى. مثلاً قصيدتي التي نشرتها مؤخراً على جداري الفايسبوكي وحملت عنوان "الصراخ لغة"، هذه القصيدة تبدأ من ذكرى. شيء ما تحوّلَ وصار الآن ذكرى بالكامل. صورة بعيدة ويمكنني أن أقول أنّ فيها شيئاً من الذكرى. 

 

  • تتحدّث عن هذا وفي بالك العمر مثلاً؟ 

ممكن. بدأت أرى في الأشياء ذكرى. ربما لأنني الآن في عمر وفي مكان يجعلاني أنظر إلى ماضيّ كماضٍ. تماماً مثلما أنظر إلى ذكرياتي كذكريات. هذه الذكريات أو هذه الحكايا الماضية لم تعد عضوية فيّ، لم أعد أنا هي بصورة كاملة، صارت بعيدة مني ويمكنني العودة إليها كذكرى. صار لي ماضٍ وصارت لي ذكريات وصار لي تاريخ وصارت لي سيرة. هذه الذكريات هي الآن ذكريات بحتة. لكنها، في الوقت نفسه، تشكّلُ منطلقاً لأعاود رؤية المدينة ولأعاود الانتماء إليها الآن.

تذكّر هذا المكان وذكرياتي فيه، نوع من طلب انتساب جديد للمدينة، نوع من انتماء متجدّد للمدينة. الآن مثلاً في قصيدتين جديدتين، أذكر في الأولى كيف كنت أمشي في المدينة وكيف كانت طرقها بالنسبة إلي، وأستعيدُها بأريحيّة. 

 

  • أفهمُ أنّك تستعيدُ شيئاً من نفسك؟

صحيح. أستعيد نفسي فيها، أستعيد ذاتي فيها، أعيدُ انتمائي لها على نحو آخر ربما أحتاجه الآن.

 

  • "صور قصيدة" نصّ مفصلي وما زال مقترناً بك إلى اللحظة. كيف تخطّيتهُ وتخلَّصتَ من سطوته؟

سؤالكَ صحيح. في الواقع قصيدة "صور" كانت مفصلاً حقيقياً في تجربتي الشعريّة. وهي القصيدة الأولى التي نشرتها. كتبت صور بروحية مختلفة. إذا كان لي أن أتذكر شعراء وراء صور أو أوحوا لصور، أتذكر مثلاً سان جون بيرس، أو أتذكر والت ويتمان، أتذكر شعراء في تلك الآونة من شعرائي الأوائل. عندما كتبتُ قصيدة صور كنت أكتبُ حياة كاملة، سيرة كاملة، وأكتبُ مدينةً كاملة. 

 

  • في القصيدة إنشاد ونفضس ملحمي واضح! 

عندما كتبتُ صور كنت أكتب نشيداً، وأكتبُ كما قلتَ أنت ملحمتي الخاصة.

 

  • هل كنتَ تعي ذلك؟ 

قطعاً لا. لم أعِ ذلك. كنتُ عندما أكتب الشعر، أفكر أنّ الشّعر بالنسبة إلي هو هذا النشيد، وكانت هذه الملحمة. 

 

  • ما الذي تغيَّر بعد قصيدة صور؟ 

وقعت الحرب الأهلية التي كانت شيئاً آخر. أولاً جرَّتني الحرب الأهلية إلى أن أناضل، مارستُ السياسة. لكن بمعنى ما، الحرب الأهلية كانت تعني لي ضيقاً في اللغة، وضيقاً في المكان، وضيقاً في السلوك، وضيقاً في الحركة. مع الحرب صارت صور شيئاً آخر. 

 

  • ماذا صارت؟ 

الخفية، الاختباء في المطبخ، الهرب، المخدع، المحبس، الاختفاء، الغيبة، الخوف، الحذر، الحيطة. لم تعد صور الشاسعة الواسعة التي كانت في القصيدة. لم تعد صور الزمن المديد الذي كان في القصيدة. 

صارت زمناً بالدقائق، وصارت مكاناً لا يتجاوز المطبخ، ولا يتجاوز الحي. صور ومعها لبنان. 

عباس بيضون
  • ما الذي فعلته في هذه الفترة؟

في تلك الآونة توقفتُ عن الكتابة لسنوات. أربع سنوات على ما أذكر. بقيتُ خارج الكتابة وخارج الشّعر. وكنتُ أبحث عن قصيدة. كنتُ أعرفُ أنَّ صور صارت بعيدة مني. لم تعد صور شيئاً أستطيع أن أواصله، أو أن أستمدّ منه. كان علينا نكتب قصيدة ثانية، وهذه القصيدة الثانية كانت بحجم الوقت الضيق، وقت الدقائق والمكان الضيق. كان علي أن أكتب إذاً شيئاً آخر، أن أجد لغة أخرى، لهذا ربما توقفتُ عن الكتابة.

 

  • التوقف عن الكتابة هل يمكنُ أن نفهمه كقطيعة مع "صور" القصيدة؟

لا ليست قطيعة، وهذا طبعاً لم يكن قراراً معلناً، أنا فقط توقفتُ عن الكتابة. ظننتُ أنّ العمل السياسي هو الذي أوقفني. في حقيقة الأمر ما أوقفني هو أنني فقدتُ اللغة. فقدت علاقتي بالشعر. فقدتُ قصيدتي.

 

  • وكيف عُدتَ؟ 

اطلعت آنذاك على يانيس ريتسوس. قرأتهُ ووجدتُه من قريب أو بعيد، قريباً لي. ريتسوس هو الشاعر اليوناني الذي يوازن بين تفاصيل الصغيرة والتفاصيل اليومية والتفاصيل الأصغر، التفاصيل التي هي الدقيقة والتي هي الشيء والتي هي المكان والتي هي الغرفة والتي هي الحجرة والتي هي الشارع. 

ريتسوس يوازن بين هذه الدقائق والتفاصيل والصغائر وبين المدى الاستراتيجي، المدى الكوني. يخلقُ ريتسوس كوناً في هذه الصغائر والتفاصيل. بدا ريتسوس بالنسبة إلي مثالاً، إنه يملك في الوقت ذاته النشيد الكوني وأيضاً اليوميات الصغيرة.

 

  • هل تقول أنّه هو الذي أعادكَ إلى الشّعر؟ 

نعم، ريتسوس أعادني إلى الشعر.

 

  • هل كنت تعود إلى صور خلال فترة الانقطاع أو البحث عن اللغة؟

لفترة طويلة (أربع سنوات) لم أعد إلى قصيدة صور ولم أعُد إلى الشّعر. ولا أعرفُ لماذا

 

  • ماذا عن "الوقت بجرعات كبيرة"، القصيدة التي تلت ديوان صور؟

في "الوقت بجرعات كبيرة" كنتُ أحسبُ نفسي خرجتُ من جوّ صور بالكامل. واعتقدتُ أنني وجدتُ قصيدةً أخرى، وأنّ "الوقت بجرعات كبيرة" هي منفصلة تماماً عن صور. كنتُ أظن ذلك. وكنتُ، لفترة طويلة، أجدُ نفسي في حقل آخر وفي مساحة أخرى. لكن من دون انتباه، كانت صور ما زالت حية فيّ، وإن بطريقة أخرى. 

 

  • اليوم كيف تعود إلى قصيدة صور؟

صور كما أراها اليوم، لم يعُد بيني وبينها شقاقٌ. صور الآن جزء مني، جزء غالٍ مني. أحب هذه القصيدة وأجد نفسي فيها. أجد عباس بيضون حينها، عباس بيضون السبعينات في هذه القصيدة، لكن عباس بيضون السبعينات ما زال عباس بيضون، وما زلتُ أجدُ نفسي فيها، وما زلتُ أجدها وما زلت أسمع عباس بيضون منها.

 

  • هل كان يمكن أن تكتب بغير ما كتبت عليه؟

لم أكن، ولا مرة، أطرح على نفسي هذا السؤال. أكتب ما أجده في حينه لغتي، وما أجده في حينه أنا، وما أجده في حينه صوتي.

 

  • يجد بعض الشعراء حرجاً في التصاق قصيدة، هل عانيت هذا الأمر؟ نقصد التصاق عباس بيضون بصور كقصيدة؟

قطعاً لا. لكن دعني أقُل لك إنّ ما فاجأني، أنّ قصيدة صور حاضرة إلى هذه الدرجة. كنت أظنها دخلت في شقاق مع الجمهور أو مع الناس. مع الوقت وتوالي الأحداث لم تدخل القصيدة في شقاق. ربما حصل العكس، بدا لي وكأن القصيدة أحد عناويني الكبرى، وأن كثيرين يعرفونني من قصيدة صور، أو ينسبون عباس بيضون لقصيدة صور. هذا ما  أستجليه الآن بوضوح ولا يزعجني على الإطلاق.

أنا الآن صاحب "صور"، كما أنا صاحب دواوين أخرى عديدة، كما أنا صاحب كل هذه القصائد التي الآن هي مبعث حيرة، أجد نفسي متعدداً، لكن من دون أن يزعجني ذلك.

 

  • أين صور الآن منكَ أنتَ كشخص؟ 

صور داخل جلدي. موجودة فيّ. 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث