جورجيت جبارة "للمدن": رخصة مدرستي للرقص نلتُها بإسم رجُل!

رنا علوشالجمعة 2026/06/05
جورجيت جبارة
بعدما شاهدتها زلفا شمعون في باليه "سندريلا": "لم أتوقع أن لدينا هذا النوع من الفن في لبنان"
حجم الخط
مشاركة عبر

 في الثمانينيات، بينما كانت رائحة الموت تفوح في لبنان كله، كانت جورجيت جبارة محمَّلةً بأحلامٍ لا حدود لها. وقفت، نظرت إلى البحر، شاهدت اللبنانيين يصعدون البواخر هاربين من القنص، ثمّ استدارت، طلبت من عمّال البناء المباشرة بعملهم، وحملت بسواعدها أحجار البناء، فبنت معهم أكبر مدرسة للرقص في لبنان، في ذوق مصبح. كانت قد رهنت جبارة منزلها من أجل بنائها.


في بلدٍ كلبنان، تتوالى عليه الحروب والمحن، لا بدّ من التمسّك بسيَر روّاد جيل القرن الماضي، وحدها هذه السير قادرة على إلهام فنّاني الأجيال الجديدة، الذين تقف الحروب في وجه أحلامهم، وقلّة الفرص تكسر عزيمتهم. هي جورجيت جبارة، رائدة رقص الباليه في لبنان، التي تحدّت الحرب، والمجتمع، والسلطة الأبوية.

جورجيت جبارة

العناد
بالحديث عن رائدة مثل جبارة، التي استمرّت في الرقص رغم التحديات التي وقفت عقبةً في وجهها، يتملّكنا السؤال: ما الذي دفعها للاستمرار في بلدٍ تُعدّ أيّام حربه أكثر من أيّام سلمه؟ قابلنا جبارة في منزلها، وكانت هذه أوّل أسئلتنا. "العناد"، تجيب جبارة مشيرةً إلى سر استمرارها: "آمنت بما كنت أقوم به وشعرت به من كلّ قلبي. اليوم، ما زالت الحروب والأزمات مستمرة في لبنان، لكن الفنان الذي يعرف ما يفعله ويؤمن بفنّه، الفنان العميق والجدّي، ما زال مستمرّاً وسيستمرّ، وإذا هاجر اليوم سيعود غداً لأنّ استمراريته تكمن في بلده".
 

من حلم الصحافة إلى قَدَر الباليه
ولدت جبارة في القدس، لأب لبناني وأم فرنسية ـ إسبانية. بعد أشهر من ولادتها، انتقلت عائلتها إلى مصر، حيث ترعرعت ورافقت والدها إلى حفلات الأوبرا، فنشأ حبّها للموسيقى وتعلّمت العزف على البيانو. في البدايات، أرادت أن تصبح صحافية. قصدت معهداً في مصر لتعلّم التصوير الفوتوغرافي. في زيارتها تلك، جمعتها محادثة مع فتاة هناك حول رقص الباليه، فنسيت جبارة التسجيل في صف التصوير، وخرجت من المعهد متوجّهةً إلى مدرسة الباليه للتسجيل هناك. وكأنّ القدر أرسل لها إشارة بأنّ عليها أن تصبح راقصة. تقول: "القدر له دور في كلّ شيء، لكن الأهم هو علاقتنا مع القدر، إمّا أن نعرف كيف نستفيد بما يقدّمه إلينا القدر أو نرفضه".
 

تعلّمت جبارة رقص الباليه في مصر تحت إشراف الراقصة الألمانية فريدا نيكولاس، في مدرسة جمعتها مع محمود رضا وناديا جمال. بعد ذلك، جاءت مع عائلتها إلى لبنان، وأرادت الالتزام بتمريناتها، فالتحقت بمدرسة للرقص، تشرف عليها السيدة تيريزا سيلفي. هناك، اتّضح تفوّق الشابّة جبارة على زملائها، فشاركت في بطولة باليه "سندريلا" مع أستاذها الذي أدّى دور الأمير. حينها، دعا القيّمون على المدرسة، السيدة الأولى آنذاك، زلفا شمعون، لمشاهدة العرض، كانت قد اعتذرت مسبقاً لأنّها ستضطر إلى مغادرة العرض باكراً، ثمّ فوجئوا ببقائها حتّى النهاية، وقبل مغادرتها أشادت قائلة: "لم أتوقّع أنّ لدينا هذا النوع من الفنّ في لبنان".
 

بعد بضعة أسابيع، أرسلت شمعون إلى الشابة جبارة منحةً تتيح لها تعلّم الرقص في إنكلترا، إلّا أنّ المدرسة التي كانت تنتسب إليها جبارة وقفت عقبةً في وجهها، معتبرةً أنّ إدارة المدرسة هي التي تقرّر من يحظى بهذه المنحة. تقول جبارة: "كان والداي خائفين عليّ من السفر وحدي، ولذلك لم يعارضا قرار المدرسة". 

جورجيت جبارة تصوير محمود رضا
تصوير محمود رضا

السفر مدرسة الفنان

بعد ذلك، التحقت جبارة بمدرسة آني دبات حيث أدّت مع الأستاذ المشرف بطولة "كسارة البندق". ثمّ  حازت منحة من السفارة اليوغسلافية لتعلّم الرقص في يوغسلافيا. هناك، تعلّمت تقنيات الرقص الروسي تحت إشراف الأستاذة آنّا روي، التي كانت تستعد للهجرة إلى أميركا، لكنها أجّلت سفرها للبقاء مع جبارة التي آمنت بقدراتها وخصّتها بدروس وتمرينات منفصلة عن الصفوف التي كانت ترتادها مع زملائها في المدرسة.
 

بالحديث عن تجربتها في يوغوسلافيا، تستذكر جبارة رحلاتها حول العالم، وهي التي جابت 49 بلداً. تسترجع لحظة لقائها مع معلّمة الرقص الأميركية مارثا غراهام في الأردن، وذكريات رحلتها الخيالية إلى اليابان. "السفر يتيح للفنان رؤيةً أوسع، البعض يسافر كي ينسخ ما رآه في الخارج، لكن الفنان الحقيقي لا ينسخ، إنما يمتد أفق رؤيته لما هو أوسع وأبعد. السفر ضروري للفنان إذا استطاع إليه سبيلاً".
 

رخصة مدرسة الرقص لا تُعطى لامرأة!
في العام 1964، أرادت جبارة الحصول على رخصة لبناء مدرسة للرقص في الحمرا، لكنها وُضعت في مواجهة مع سلطة ذكورية، رفضت منحها الرخصة إلّا بوجود رجلٍ يوقّع بالنيابة عنها. في النهاية، ولحسن الحظ، نجحت جبارة بالعثور على رجل تربطها به قرابة بعيدة، وافق على التوقيع لها، ونالت الرخصة.
 

نسأل جبارة عن معاناة المرأة في مجتمع ذكوري، وإن كان ما انتزعته من حقوقها منذ ستينيات القرن الماضي حتّى اليوم يكفي، أم ما زال النضال مفروضاً عليها. تستطرد جبارة: "الأمر لم يتوقّف عند حدود الرخصة. حين افتتحتُ المدرسة الأولى، رأى مالك المبنى الإقبال الهائل عليها، فأراد أن يرفع بدل الإيجار إلى الضعف، وتقدّم بدعوى مستعجلة كادت تدفعني إلى ترك المدرسة في غضون ثلاثة أيّام. أعتقد أنّه لم يكن ليتجرأ على فعل ذلك لو أنّني كنت رجلاً. لحسن الحظ، أنّ القاضي سليم الجاهل الذي تولّى القضية، كان منصفاً، وانتهت الدعوى لصالحي وبقيتُ في المدرسة التي بنيتُها".
 

أمّا بالنسبة إلى المرأة ونضالها في المجتمع الأبوي، فتقول جبارة: "صمّمتُ الكثير من الرقصات التي تتناول قضايا المرأة، أنا من أكثر المؤمنين بهذا النضال لأني خضته شخصياً. كنت معجبةً جداً بالناشطة لور مغيزل التي ناضلت من أجل المرأة وحقّقت لها أموراً لم نكن نحلم أن تتحقّق، وشاء القدر في ما بعد أن أكون أستاذة رقص لحفيدة مغيزل! اليوم، أعتقد أنّ المجتمع اللبناني، لا سيما في بيروت، تقدَّم بعض الشيء في تعامله مع المرأة، لكن ما زال هناك الكثير من الأمور التي يجب العمل عليها. مثلاً، المرأة تتقاضى راتباً أقلّ من الرجل حتّى لو كانا يشغلان الوظيفة ذاتها! أمّا في القرى، فالأمور أصعب بلا شكّّ. المشكلة أنّ المرأة ذاتها تقوم بتربية طفلها الذَّكَر على أنّه متفوّق على شقيقته الأنثى، نحن كنساء علينا مسؤولية في مساندة بعضنا البعض". 

جورجيت جبارة

"مدرستي لم تكن الأولى إنما كنت المحترفة الأولى"
بالعودة للحديث عن المدارس التي التحقت بها جبارة، تشير رائدة الباليه اللبنانية إلى خطأ شائع يقع فيه الكثير، باعتبارها أوّل من افتتح مدرسة للرقص في لبنان: "كانت هناك مدارس عديدة لتعليم الرقص في لبنان، منها مدارس كنت قد التحقت بها في مراهقتي، لكن الاعتقاد بأن مدرستي في الحمرا كانت الأولى ينبع من أني حاربت وهدمت الجدران كي أبنيها، وقدّمتها كمدرسة تعلّم الرقص باحترافية، على غرار المدارس الأُخرى التي التحق بها الأفراد من أجل الترفيه. مع الأسف، عاد اليوم وباء فتح الأماكن التي تتعاطى مع الرقص باستخفاف. ما يؤسفني أنّ هذه الأماكن تعرّف عن نفسها بـ"أكاديميّة للرقص"، بعض القيّمين على هذه المساحات تعلّموا الرقص عبر يوتيوب ويعتبرون أنفسهم راقصين وراقصات، لا يمكن تعلّم الرقص بهذه الطريقة بلا أستاذ يشرف على وضعيات الجسد". 
 

لم يكن سهلاً على جبارة إنشاء مدرسة لتعليم الرقص الاحترافي في بيروت الستينيات، وحثّ الطلاب والطالبات وأهاليهم على التعاطي مع صفوفها بشكل جدّي، لكنها تؤكّد أنّ "الفن لا يذهب إلى الناس، بل على الفنان مسؤولية في أن يدعو الناس إلى فنّه. كنت أتعاطى مع ما أقدّمه بجدّية حتّى تأخذه الناس معه بجدّية أيضاً. وكنت أقيم عروض الرقص في مدرستي مع نهاية كلّ عام، وأستقبل المشاهدين بشكل مجّاني".
 

عملية صعبة، أن يدعو الفنان الناس إلى استيعاب فنّه وتقديره، هل الفنّ قادرٌ حقّاً على التغيير؟ تجيب جبارة: "الفن يغيّر الحياة ونظرتنا إليها، لا يمكن فصله عن حياة الإنسان، الفنّ يغيّر الكثير".
 

بعد مدرستها الأولى في الحمرا، افتتحت جبارة فرعاً لها في طرابلس العام 1972، ثمّ فرع كبير في ذوق مصبح العام 1985، تبعه فرعٌ في عين سعادة العام 1990 بالشراكة مع ميلاد داوود. تعود إلى لحظة رؤيتها مهاجرين هاربين من الحرب الأهلية وهي تشيد الفرع الأكبر لمدرستها، فنسألها عن سبب اختيارها البقاء في لبنان الذي لطالما أغرقته مآسي الحروب، فتجيب: "حظيت بفرص كثيرة للهجرة، لكني لم أشأ أن أصبح بعيدةً من منزلي، حاملةً مفتاحه وحالمةً بالعودة إليه. قررت البقاء ولم أندم يوماً على قراري، خصوصاً حين ألتمس الحنين لدى أصدقائي الذين تركوا لبنان".
 

لا مكان في لبنان للراغبين في احتراف الرقص
نسأل جبارة التي أغلقت الآن كل فروع أكاديميتها، عن العقبة التي تعرقل اختصاصً مستقلّاً لتعلّم الرقص في كليّة الفنون، فتتأسّف وتؤكّد أنّها ناضلت في سبيل ذلك مراراً: "قمتُ بتعليم الرقص في الجامعة اللبنانية أكثر من 16 سنة، وساهمتُ بشكل كبير في وضع المنهج التعليمي للرقص في كليّة الفنون. كي أكون دقيقة، لا يمكن تشكيل اختصاص للرقص تابع لأيّ كليّة أو مبنى، بل من المفترض بناء أكاديميّة وطنيّة مستقلّة تُعلِّم أنواع الرقص كافة، مع التركيز على الباليه، فمثلما هناك كونسرفتوار وطني لتعليم الموسيقى، يجب أن تُبنى أكاديميّة خاصّة للرقص. في الحقيقة، تلقيّت في الماضي منحةً مالية أردتُ تخصيصها لتوسيع الأكاديميّة التي أملكها ووضعها بين يدي الدولة، كي تصبح أكاديميّة وطنية لتعليم الرقص، إلّا أنّ مشروعي هذا لم يلقَ تجاوباً من أي طرف في الدولة وذهب سدىً، للأسف، الشباب الذين يريدون التخصص في فنّ الرقص اليوم، عليهم السفر إلى الخارج".
 

اليوم، على مَن تقع المسؤولية في بناء أكاديمية خاصة للرقص؟ تجيب: "اليوم هناك قضايا أُخرى الأجدر أن ننشغل بها، بدلاً من أن نوجّه أصابع الاتهام لأجل مسألة كهذه. البلد كلّه ذهب سدىً. هناك عائلات فقدت أولادها، وأُخرى لا تجد رغيف خبز، مَن يشغله موضوع الرقص؟".

 

الرقص والشِّعر توأمان
لم تكن جبارة فقط أوّل من أدخل رقص الباليه بشكل احترافي إلى لبنان، وأوّل من رقص الباليه في شاشة "تلفزيون لبنان" الرسمي، ومثّلت وطنها في الكثير من المهرجانات العالميّة، إنما هي أيضاً أوّل راقصة في الشرق الأوسط اختارت الرقص على الشِّعر. في خطوة كانت الأولى من نوعها في العالم العربي، حقّقت جبارة مع صديقتها الشاعرة ناهدة فضلي الدجاني برنامجاً يجمع بين الشعر والرقص، حيث تُلقي فضلي الدجاني الشِّعر فيما جبارة ترقص.


عرض التلفزيون الأردني البرنامج الذي لاقى نجاحاً مبهراً في دول عربيّة عديدة، وحثّت جبارة "تلفزيون لبنان" على عرض البرنامج أيضاً، إلّا أنّ القيّمين رفضوا عرضه لأنّ الشاعرة ناهدة فضلي الدجاني فلسطينية! تسترجع جبارة الحدث متأسفة، وتشير إلى أنّه بعد وفاة صديقتها ناهدة كرّرت محاولة عرض البرنامج في "تلفزيون لبنان"، فبثّه القيّمون أخيراً، لكنهم جعلوا موعده في منتصف الليل بحجّة أنّ "الناس لا تُحبّ الشعر".
"اللبنانيون يعشقون الشعر"، تستطرد جبارة. وحين سألناها عن علاقتها بالشعر، أجابت: "الرقص هو شعر الحركة!".


القدس: أمنية صعبة المنال
حياة جبارة، مليئة بالصعاب والتحديات والعمل باللحم الحي، كما بالقصص التي تشبه الخيال والسحر، القصص القادرة على إلهام اليائسين، ألا تستحق هذه القصص أن تُنشر؟ في العام 2017، وتحت عنوان "بين خطوة وخطوة"، أصدرت جبارة كتاباً من توقيعها يتضمّن صوراً وشهادات من عروضها والتدريبات التي كانت تحتضنها مدرستها. اليوم تكف جبارة أنّها أنهت إعداد كتابين، أحدهما يستعرض سيرتها، والآخر يتضمّن قصصاً قصيرة من حياتها، كقصة بناء جدران مدرستها في ذوق مصبح التي أصرّت أن تُبنى من مرايا السان-وبان. "لا أريد الرحيل من دون أن أشارك هذين الكتابين، اليوم أبحث عن ناشر يتولّى نشرهما"، تقول جبارة.
 

جبارة، التي وُلدت في القدس، تروي لنا حكايةً "حصلت لها" قبل أن تولد: "كانت والدتي مستبينة الحمل بي، وكانت في السيارة مع والدي، ذاهبَين في رحلة إلى الأردن. بينما عبرا جسراً فوق نهر الأردن، سقطت السيارة بهما في النهر، ثمّ تمّ إنقاذهما في الوقت المناسب. كبرتُ وأنا أسمع جدّتي وأمّي تقولان: تعمّدت جورجيت حيث تعمّد المسيح". مع الوقت، تبنّيتُ ما قالتاه من دون أن أشعر، وأنا أروي هذه الحكاية اليوم كي أقول كم تعني لي القدس، وكم يعني لي أنّي وُلدت هناك".
 

هل تحلمين بزيارة القدس؟
"هذه أمنيتي. أحترق عليها في داخلي، أخاف أن أموت قبل أن أرى القدس".

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث