تخبرنا الإسبانية خوليا أوتشوا في مجموعتها القصصية "سُعال كلب" أن كل ما نحن عليه يتقّد في النار التي تنير الذاكرة. (سُعال كلب، خوليا أوتشوا، ترجمة عبد الهادي سعدون، أبجد للترجمة والنشر والتوزيع، 2026). ليست الطفولة في هذا الصدد مجرد مرحلة عمرية إنما هي بعمقها الأبعد صدى لا يني يتكاثف مع التقدّم في العمر وهو ما نكاد أن نلمسه لمس اليد في عمل أوتشوا، من خلال تكاثف أحداث الحرب الأهلية الإسبانية كما تجسدّتْ في ذاكرة طفلة كانت في السنة الخامسة من العمر لدى اندلاع تلك الحرب.
ليس التاريخ مادة خام في وعي تلك الطفلة إنما هو بالدرجة الأولى تلك الرصاصات التي قد انصبّتْ فوق وجه جدّها لحظة إعدامه من قِبل جيش فرانكو. إن هذا الإعدام بالذات نراه وقد تحوّل في وعي تلك الطفلة إلى حكم مسبق عن العالم وهو حكم شديد المتانة والإلحاح ومن الصعوبة بمكان اجتثاثه. وليس "تحوّل الناس إلى طيور إنما بأجنحة واحدة"، كما جاء في إحدى قصص الكتاب، إلا بلورة لهيئة البشر إبان الحروب، وليست هذه العبارة إلا بلورة لهذا الحكم المسبق عن العالم، عن عالم الحروب بخاصة.
على الرغم من تصنيف "سُعال كلب" كمجموعة قصصية إلا أن اللعبة السردية التي تحكم هذه المجموعة تسوق المتلقّي على الفور لأن يتلقفها كرواية، وليست تلك المقاطع التي انبنتْ كقصص قصيرة إلا بمثابة تكثيف رمزي لحدث دموي يأبى الضبط إلا عبر لغة تتاخم محض اللغة الشعرية.
تخبرنا الشاعرة البولندية فيسوافا شيمبورسكا أن بعض النصوص القصيرة هي أقرب إلى الإسكتشات التي تُلمّح إلى أحداث جسام، وهو ما نعايشه حرفياً في نصوص "سُعال كلب" حيث ذلك التكثيف الدلالي عبر قصص عن الحرب لا تتعدى في بعض الأحيان الأسطر القليلة.
إن ذاكرة فتاة الخمس سنوات والتي تبني عليها خوليا أوتشوا سرديتها عن الحرب الأهلية الإسبانية، تبيّن بوضوح عصيان الذاكرة على الضبط، فإذا بالواقع، واقع الحرب بشكل خاص، لا يقدّم نفسه إلا على شكل فرار أو توارٍ أو تحديق شديد الشرود حيث للمخيلة الدور الأبرز في صياغة القول، قول الذاكرة، وفي قولبة هذا القول بحيث لا يتعدى الحاضر في هذا الصدد كونه ذلك الضوء المتذبذب في عتمة الذاكرة. وليس من باب الصدفة في هذا السياق أن نرى تلك الطفلة تقول بعد عقود وعقود على معايشتها ويلات الحرب: "إن الذكريات تطفو كالأساطير".
ليس فيض الذاكرة في "سُعال كلب" بالواقعة التي يراد عبرها ضبط الحدث التاريخي إنما هذا الفيض هو بمثابة تمرين على إيلاء اللغة الرمزية تلك القدرة على تكثيف دلالة العبارة من آن لآن ثم بعثرة هذه الدلالة في سياقات سردية أخرى. ليست الحرب الأهلية الإسبانية كما تبثنا إياها تلك الطفلة بسنواتها الخمس مجرد أحداث تندفع متسارعة ليصار إلى ضبطها عبر زخ الكلمات، كلا، إن الحرب في هذا العمل القصصي هي نصّ غير منضبط وغير مكتمل والحرب عبر فتاة الخمسة أعوام هي كلمات تجهد لكسر كل قيد يحدّ من زخم الذاكرة، وأكاد أقول لعبها!!
إن "الجراح التي يرقص فيها الملح" تقود تلك الفتاة الصغيرة لأن تستبيح المعنى المتداول للنصوص باعتبارها كلمات متلاحمة متراصة لنكون في "سُعال كلب" إزاء نصوص نراها تتسكّع في غياهب الظن والتخمين وفي حلكة نار الحرب المشتعلة. إن الحدث الأصلي في هذه المجموعة القصصية، وهو الحرب الأهلية الإسبانية، هو محل بوح خافت أمام سيادة خيال الطفلة بل ترى أن هذا الحدث الجهنمي هو في بعض تمظهراته السردية في كتاب أوتشوا هو نص متعدد الطبقات وليس على متلقّيه إلا تحفيز أنماط متعددة من فعل القراءة.
فإذا كان المؤرخ الإسباني خوليان كازانوفا قد أخبرنا في كتابه التفصيلي "الحرب الأهلية الإسبانية" كيف "تسبب طوفان القتل الناجم عن الإرهاب بأنواع شتى من الشذوذ"، فإن خوليا أوتشوا ولدى تمعنها في هذه الحرب من خلال طفلة تقود القارئ إلى نبذ التتبع الكرونولوجي ليوميات الحرب والتعاطي معها كصخر أصم علينا تفتيته عبر سرد يداخله الكثير من الخيال، من الكلام عن الطيور والأشجار والورود والإنصات إلى صوت الريح حيث الكلمات عندئذ تزاحم سطوة النار والحديد بلغة رمزية تربت فوق كتف التاريخ العنيف للماضي كي لا يعاود الحضور وذلك رأفة بالحاضر ورأفة بطفولة كل الذين لم يسبق لهم أن عايشوا همجية الحروب وويلاتها.
فكما جاء في "سُعال كلب" – وإن كان ببعض التصرف – إن ذاكرة الضحايا التي تولد من جديد يجب أن تكون هي صاحبة القول الفصل حيال علاقة الماضي الدموي بالحاضر والمستقبل الذي يؤمل أن يكون أخف وطأة. فإذا كان العيش بسلام هو نعمة الحاضر فإن ماضي الحروب هو على حد القول اللاتيني الشهير damnatio memoriae أي، لعنة الذاكرة.




