في قلبي تحسّر لا نهائي على عدم قدرة المجلات الأدبية في العالم العربي على الصمود، خصوصاً عندما تعرف أن بعض المجلات الأدبية الفرنسية، مثل: "الأزمنة الحديثة"، و"إسبري"، و"أوروبا" وغيرها في فرنسا، صامدة حتى اليوم، وتصدر في نهاية كل شهر، أو شهرين، أو كل فصل، كما هي معتادة على الصدور. وكلما طال عمرها، ازدادت عراقتها، وثقة القراء في محتواها، وتشجيع الجميع لها.
الأمر مختلف تماماً في العالم العربي؛ فأين هي مجلة "الآداب" الساحرة التي كان يصدرها سهيل إدريس، والتي حاول ابنه سماح إعطاءها روحاً جديدة قبل رحيله هو الآخر، واختفاء المجلة وكأنها لم تكن واحدة من المجلات الأدبية التي حركت المشهد الثقافي، وفتحت سجالات ونقاشات في قضايا الشعر، والحداثة، والرواية، والنقد، وغيرها؟ أين هي مجلة "شعر" ليوسف الخال، ومجلة "مواقف" لأدونيس، ومجلات مثل "الطليعة"، و"الموقف الأدبي"، ومجلات سوريا الشهيرة؟ ربما مصر هي الاستثناء الجميل، وأظن أن بعض المجلات ما زال يصدر هناك، لا سيما تلك التابعة للحكومة؛ ربما لتقاليد مصر العريقة، من مجلة "الرسالة" للزيات، و"الهلال"، وما تبعهما، والتي تمثل تاريخ الثقافة العربية الحديثة في جدلها المستمر مع التراث والغرب.
تعبّر المجلات عن رؤية ثقافية معينة، وعن نظرة أيديولوجية أحياناً، مثلما كانت مجلة "الطريق" أو "أدب ونقد" مثلاً؛ فهي ليست فقط نصوصاً ومقالات ودراسات تُكتب، بل هي موقف من العالم، ونظرة للوجود، وحيوية مدهشة للكتابة وللكتّاب الذين يجدون طرقاً لتصريف نصوصهم الإبداعية، أو الفكرية، أو النقدية. لكن، في عصرنا غير الورقي، تختفي المجلات، خصوصاً المستقلة، لأنها لا تجد من يشتريها ومن يقرأها، فالدعم الحقيقي للمجلات هو حرص القراء على اقتنائها، إذ تعيش وتموت بالإقبال أو الابتعاد؛ وهذا سبب من الأسباب. كما اختفت الرؤية الجماعية للثقافة، التي كانت إلى وقت قريب هي العنصر المفعّل لظهور المجلات الثقافية والأدبية.
ماذا تعني مجلة أدبية أو ثقافية؟
إنها ليست بالتأكيد للزينة أو تمضية الوقت؛ هي تقدم رؤية أصحابها، فإن كانوا حداثيين فهي حداثية، أو العكس، هي انعكاس لتيار فكري، أو نقدي، أو أدبي... إلخ. هي تطلعات، وأحلام، ورؤى، وأفكار يريد أصحاب المجلات نشرها في الواقع المجتمعي الذي يعيشون فيه. وسبب هذا الكلام هو أنني تذكرتُ مجلة "الاختلاف" التي أصدرنا منها ثلاثة أعداد فقط بجهد فردي، وللأسف لم تجد السند والدعم، لا من المؤسسات ولا من القراء، وكان محكوماً على مشروع حلم كهذا أن يموت مثل غيره، في صراع غير عادل بين الفكرة، والفن، والرمز، والمال، والمادة، والواقع.
نعيش حالة صفرية اليوم. طبعاً ثمة مجلات الخليج المدعومة مالياً، والتي يجد فيها بعض كتّابنا العزاء، وحتى السند المالي؛ فكثيراً ما أسمع صديقاً يقول: هل تعرف؟ دفعوا لي كذا دولارات مقابل مقال، أو ترجمة...أفهم طبعاً هذا الأمر فمازال الكاتب قليل المدخول وهذا من حقه.
عن فايسبوك

