لا يحتاج الشاعر الأردني حسين جلعاد إلى تقديم في هذا الحوار الطويل عن ديوانه "ورود يوم القيامة"(الدار الأهلية)، وعن غزة والإبادة واللحظة الشعرية والتفاصيل اليومية والغضب الخافت والألم ومحاولة استعادة اللغة من براثن الصمت والعجز. وهنا حوار أجرته معه "المدن":
- جاء في عنوان ديوانك الجديد شيء من صورة متناقضة، "ورود يوم القيامة" يذكرنا نوعاً ما بعناوين الشاعر اللبناني خليل حاوي: نهر الرماد، بيادر الجوع،.. والشاعر انتحر في خضم الغزو الإسرائيلي لبيروت، فهل الورود هنا استعارة للحياة والأمل والعناد في غزة؟
العنوان بالفعل يقوم على مفارقة مقصودة. فـ"ورود يوم القيامة" يجمع صورتين تبدوان متباعدتين، الوردة بوصفها رمزًا للحياة والهشاشة والجمال، ويوم القيامة بما يحمله من خراب وفقدان ونهاية كبرى. وربما لهذا السبب يستدعي في الذاكرة العربية ذلك التقليد الشعري الذي اشتغل على التصادم بين المفردات، كما عند خليل حاوي في عناوين مثل "نهر الرماد" و"بيادر الجوع"، حيث تتحول اللغة نفسها إلى مساحة توتر بين الحياة وانطفائها.
المقارنة مع خليل حاوي مشرّفة ومثيرة للتأمل، فقد كان حاوي شاعر التناقض المأسوي بامتياز، وديواني "ورود يوم القيامة" ينتمي إلى الفضاء الذي تتعانق فيه الأضداد، لكنه ينتهي إلى موقف مختلف. نعم، الورود استعارة للحياة والعناد والجمال الذي يأبى الانطفاء حتى في أقسى لحظات الفناء. لكنها ليست الأمل الساذج، بل هي شيء أعنف، إنها إصرار الجمال على الحضور وسط القيامة، لا بعدها. الوردة لا تنتظر أن تنتهي الحرب لتتفتح. الورود هنا ليست استعارة رومانسية للأمل بالمعنى الساذج أو الخطابي. ما حاولت الاقتراب منه في الديوان هو تلك اللحظة التي يصبح فيها التمسك بالحياة فعلاً شبه إعجازي. في غزة، وسط الركام والموت اليومي، رأينا الناس يواصلون حماية تفاصيل صغيرة جداً: أم تمشط شعر ابنتها، طفل يركض خلف طابة، رجل يصنع قهوة فوق النار، امرأة تزرع نبتة قرب خيمة. هذه التفاصيل بدت لي كأنها ورود تنبت داخل القيامة نفسها. لذلك، نعم، ثمة عناد للحياة في العنوان، لكنّه عناد يعرف حجم الكارثة ولا ينكرها. الورود لا تلغي القيامة، بل تظهر داخلها. وربما هنا تكمن قسوة الصورة وجمالها معا.
- ديوان "ورود يوم القيامة" عمل ينهض من قلب مأساة غزة، تكتب عن غزة بوصفها جرحًا مفتوحًا في اللغة والذاكرة والوجدان. والسؤال بشكل عام ما الذي يدفع الشاعر إلى كتابة الشعر.؟ المأزق الذاتي، الحب، الإبادة، سؤال الوجود، الجانب العاطفي؟
لا أعتقد أن ثمة دافعاً واحداً نقياً يقود الشاعر إلى الكتابة، فالقصيدة الحقيقية تنشأ في المكان الذي تتشابك فيه كل هذه الدوافع وتتعالق. غير أنني إذا اضطررت إلى تسمية شيء واحد، فسأقول إن الشاعر يكتب لأن الصمت صار مستحيلاً. في "ورود يوم القيامة"، لم أجلس ذات يوم وأقرر أن أكتب عن غزة، ما حدث هو أن غزة هي التي اقتحمت اللغة وأسكنت نفسها فيها قسراً. الإبادة التي نشهدها ليست موضوعاً شعرياً نختاره، بل هي زلزال يعيد تشكيل كل شيء من الداخل، طريقة التفكير، طريقة النوم، طريقة النظر إلى الوردة أو إلى وجه طفل. لكن ما يجعل الكتابة ممكنة، حتى أمام الإبادة، هو أن الشعر ليس تقريراً عن الألم، بل هو محاولة لاستعادة اللغة من براثن الصمت والعجز. حين تسقط الكلمات أمام حجم الكارثة، يأتي الشعر ليقول "لن أستسلم لهذا العجز". كما أن الجانب العاطفي والذاتي لا يغيب، الحب وسؤال الوجود والمأزق الشخصي... كلها ينابيع تصبّ في النهر ذاته. ربما كانت غزة هي اللحظة التي التقت فيها هذه الأنهار كلها في فيضان واحد.
- كيف يستطيع الشاعر أن يحول التراجيديا والمأساة والإبادة والفجيعة إلى شعر وتفاصيل؟ هل هو الغضب الخافت أم العيش اليومي؟ المأساة، أم الولاء إلى مكان الفاجعة؟... لو كانت المأساة بعيدة منك، هل تتبدل اللغة؟
هذا سؤال نادر في عمقه. الشاعر لا يُحوّل المأساة إلى شعر، هذه الصياغة تخفي شيئاً مهماً. ما يحدث فعلاً هو أن المأساة تُحوّل الشاعر أولاً، ثم يأتي الشعر كأثر لهذا التحول. ليس تجميلاً للألم ولا ترجمةً له، بل هو الألم وهو يحاول أن يفهم نفسه. الغضب الخافت هو بالضبط ما يصنع القصيدة الحقيقية. الغضب الصاخب يكتب البيانات والخطب، أما الغضب الذي تعلّم أن يتنفس ببطء، أن يتأمل وجه طفل في الركام، أن يقف أمام كيس نايلون أسود يحمل ما تبقى من إنسان، هذا الغضب هو الذي يكتب الشعر. والعيش اليومي مع المأساة يصنع شيئاً لا تصنعه المسافة، إنه يجعل التفاصيل تنزّ من داخل الكلمات. ليس "الأطفال يموتون" بل صوت حذاء صغير في الغبار. ليس "الحزن" بل رائحة القهوة التي لم يشربها أحد.
أما سؤالك الأعمق، لو كانت المأساة بعيدة، هل تتبدل اللغة؟ نعم، تتبدل جذرياً. المأساة البعيدة تنتج تعاطفاً شعرياً، وهو شيء نبيل لكنه يختلف عن الكتابة من داخل الجرح. غزة ليست بعيدة مني، لا جغرافياً ولا وجدانياً ولا تاريخياً. فلسطين هي الجرح الأول في هذا الوجدان كله، وحين تنزف غزة، فإنها تنزف من شيء فينا نحن، لا منها وحدها. لهذا أقول إن الولاء للمكان الذي ذكرته ليس اختياراً أخلاقياً فحسب، بل هو شرط معرفي للكتابة الحقيقية. أنت لا تكتب عن المكان، أنت تكتب من داخله.
- تفتتح الديوان بإهداء مقتضب لكنه دالّ: "إلى غزة وأهل غزة والصبح إذا تنفّس"، وتقول "كل ذلك سنجده في الجنة"
قالت أمي
ونحن نعبر جسر الأبد".
و"من هنا مر نبي العصا، من هنا مر يحيى".
الصلاة والدين حاضران بقوة في الديوان، فما البُعد الديني، القرآني والتوراتي، في مأساة غزة، في القصيدة، وفي وجدان اللغة المنزلية والعائلة؟
الإهداء ليس يافطة لتزيين النص، لكنه عتبة تكشف البُنية الروحية للديوان كله. "والصبح إذا تنفّس" استعارة قرآنية، صحيح، لكنها إعلان بأن هذا الشعر يقف في تلك اللحظة الفاصلة بين الظلام المطبق وأول خيط ضوء، وهي بالضبط لحظة غزة الأبدية، إنها على حافة الفجر ودائماً في قلب الليل. الدين في هذا الديوان لا يأتي من الخارج بل يبزغ من أعمق طبقة في الوجدان، من اللغة المنزلية التي تعلمناها قبل أن نتعلم القراءة. صوت الأم الذي يقول "كل ذلك سنجده في الجنة"، هو الصوت الذي يحمل كل هذا الثقل من دون أن ينهار، لأنه يتكئ على يقين أكبر من الفجيعة. هذه الجملة البسيطة هي لاهوت شعبي كامل، طريقة الناس البسطاء في مواجهة ما لا يُحتمل.
غزة، بحكم تاريخها وموقعها وطبقات الذاكرة المتراكمة فيها، ليست مكاناً عادياً في المخيلة العربية والروحية. هناك شعور دائم، حتى لدى الناس البسطاء، بأن هذه الأرض مرّت فوقها الحكايات الكبرى للأنبياء والهجرات والحروب والنجاة والمجازر. ولذلك، حين يواجه الإنسان هناك هذا القدر الهائل من الموت، فإنه يعود تلقائيًا إلى اللغة الأولى التي يعرفها، أي لغة الدعاء، والآيات، والحكايات الدينية، وكلمات الأمهات. وفي "ورود يوم القيامة" لم أحاول كتابة شعر ديني بالمعنى التقليدي، ولم يكن هدفي استحضار الرموز المقدسة بوصفها زينة ثقافية أو استعارات جاهزة، لكني كنت أبحث عن الطريقة التي يتكلم بها الناس فعلاً وهم يواجهون الفقد. الأم في غزة لا تستدعي الفلسفة، بل تستدعي الجنة. الطفل لا يفكر في البلاغة، بل يسأل إن كان الشهداء يسمعوننا. وحتى اللغة اليومية تصبح مشبعة بإشارات أخروية وقرآنية بلا تكلّف، لأن الناس يعيشون قرب الموت إلى درجة يصبح فيها الغيب جزءاً من الحياة اليومية.
لهذا حضرت شخصيات الأنبياء والإشارات القرآنية في الديوان بوصفها جزءاً من الذاكرة الإنسانية للمنطقة، وليس بوصفها إعلانات أيديولوجية. حين أقول: "من هنا مر نبي العصا، من هنا مر يحيى"، فأنا أحاول إعادة غزة إلى سياقها الإنساني والتاريخي العميق، بوصفها أرضاً عبرت منها الرسالات والأسئلة الكبرى، لا مجرد خبر عاجل على الشاشة. وأظن أن الكارثة الكبرى تعيد الإنسان دائماً إلى أسئلته الأولى: العدالة، الموت، النجاة، معنى الألم، ومصير الأحبة. الشعر هنا لا يملك إجابات، إنما يحاول الإصغاء إلى هذا الصوت الداخلي المرتجف، صوت العائلة وهي تعبر خوفها باللغة الوحيدة التي بقيت لها، أي الإيمان، والدعاء، وانتظار "الصبح إذا تنفّس".
- طوال سنوات وعقود، كان محمود درويش صوت القضية الفلسطينية.. بعد رحيله، هل أخذت غزة حقها في الشعر؟ أم أن الزمن تحول ولم يعد في مقدور الشعراء أن يكونوا صوت القضية؟
محمود درويش كان لحظة شعرية وتاريخية استثنائية يصعب تكرارها؛ بسبب موهبته الكبرى من جهة، ولأن الزمن نفسه كان مختلفاً أيضاً من جهة أخرى. في تلك المرحلة، كانت القصيدة ما زالت قادرة على لعب دور المنبر الجماعي والضمير الوطني، وكانت الثقافة تحتل موقعاً مركزياً في الوعي العربي. الناس كانت تنتظر قصيدة كما تنتظر خطاباً أو حدثاً سياسياً. رحيل درويش ترك فراغاً شعرياً وثقافياً في الوجدان الجمعي، لكني أعتقد أن السؤال نفسه تغيّر بعد السابع من أكتوبر، وما تلاه. درويش كان يكتب عن النكبة والمنفى والحنين والهوية، وهي جراح عميقة لكنها جراح تحتمل الشعر الجميل، تحتمل المجاز والاستعارة والتأمل. أما ما يحدث في غزة الآن فهو شيء آخر تماماً، إبادة مباشرة ومباحة أمام كاميرات العالم، وهذا يضع الشعراء أمام سؤال وجودي حقيقي: هل اللغة تكفي؟ هل القصيدة الجميلة في مواجهة طفل محترق ليست نوعاً من الإساءة؟
الإبادة أصبحت أكبر من أن يحتويها صوت واحد، وقد كتب عن غزة الآن مئات الشعراء من العالم كله، وهذا في حد ذاته ظاهرة لم تحدث من قبل. لكن التفرّق ليس بالضرورة ضعفاً، ربما هو الشكل الوحيد الممكن لمواجهة كارثة بهذا الحجم، أصوات كثيرة بدلاً من صوت واحد. اليوم تغيّر العالم جذرياً. الصورة الفورية، والبث المباشر، ووسائل التواصل، نقلت المأساة لحظة بلحظة، حتى بدا أحياناً أن الواقع نفسه صار أقسى من قدرة الشعر على تمثيله. كيف يمكن لقصيدة أن تنافس صورة طفل يخرج من تحت الركام، أو أم تبحث عن ابنها بين أكياس الموتى؟ لهذا لم يعد ممكناً، ربما، أن يظهر "صوت واحد" يحتكر تمثيل القضية كما حدث مع درويش.
لكن هذا لا يعني أن غزة لم تأخذ حقها في الشعر. بالعكس، أظن أن ما جرى بعد الحرب الأخيرة فتح واحدة من أعمق اللحظات الشعرية والإنسانية في الكتابة العربية المعاصرة، ليس فقط في فلسطين، بل في العالم كله. ظهرت نصوص كثيرة، متفاوتة بالطبع، لكن بعضها استطاع أن يقترب من الجرح الإنساني العاري بعيداً من البلاغة القديمة والخطابة المباشرة.. وربما الفارق الأساسي أن الشعر اليوم لم يعد يتحدث باسم الجماعة من فوق المنصة، بل صار يلتقط التفاصيل الصغيرة للهشاشة الإنسانية: أمّ تخبئ الخبز، طفل يخاف الظلام، أب يحمل بقايا حقيبة مدرسية، أو شخص يبحث عن شاحن هاتف وسط القيامة. هذه التفاصيل لم تكن دائمًا في مركز القصيدة الوطنية القديمة.
أعتقد أن وظيفة الشعر تغيّرت أكثر مما اختفت. لم يعد صوت القضية بالمعنى الكلاسيكي، لكنه ما زال قادراً على حماية المعنى الإنساني من التحول إلى أرقام وخبر عاجل. وربما هذه، في زمننا، مهمة لا تقل أهمية. ما يقلقني فعلاً ليس غياب درويش بل شيء آخر، وهو أن يتحول الشعر عن غزة إلى طقس أدبي، إلى واجب ثقافي يُؤدَّى ثم يُنسى. الخطر الحقيقي ليس في غياب الصوت الكبير بل في تحول الشعر إلى تعازٍ منمقة بدلاً من أن يكون فعلاً مقاوماً.
- تقول: "تبدأ القصيدة ولا تنتهي". ما الشكل التقني الذي اتبعته في الديوان؟ هل هو قصيدة واحدة، أم مجموعة قصائد، حيث لا قصيدة تُقرأ بمعزل عن الأخرى؟
الديوان من الناحية الشكلية مجموعة قصائد، لكنه في روحه وبنيته الداخلية قصيدة واحدة طويلة تتنفس على مدى الكتاب كله. وهذا لم يكن قراراً تقنياً مسبقاً بقدر ما كان إملاءً من الموضوع نفسه، فالإبادة لا تتوقف، ولا يحق للقصيدة أن تتوقف. ورغم أن "ورود يوم القيامة" يتكوّن من قصائد متعددة، فإنني كنت أكتبه بوصفه نهراً واحداً يتشعب إلى مقاطع ومشاهد وأصوات، أكثر من كونه مجموعة نصوص منفصلة تماماً عن بعضها. ربما لهذا جاءت عبارة: "تبدأ القصيدة ولا تنتهي"، لأن التجربة نفسها كانت أكبر من حدود القصيدة المكتملة والمغلقة.
الحرب، خصوصاً في غزة، لا تمنحك إحساساً النهاية. كل مشهد يفتح على مشهد آخر، وكل خسارة تستدعي خسارات أقدم، حتى يصبح النص أشبه بمحاولة مستمرة لالتقاط ما يتسرّب من اليد. لذلك هناك خيوط داخلية تربط القصائد ببعضها: صور تتكرر، مفردات تعود بصيغ مختلفة، أصوات الأمهات، الأطفال، الأنبياء، البيوت، الخبز، القيامة، والانتظار. أحيانًا أشعر أن القصائد كانت تتحاور مع بعضها البعض أكثر مما كانت تُكتب بشكل مستقل.
الاختيار الأكثر دلالة في بنية الديوان هو غياب العناوين. القصائد لا تحمل أسماء، والكلمة الأولى من كل قصيدة هي التي تؤدي وظيفة العتبة والعنوان معاً. هذا يعني أن القارئ لا يدخل القصيدة من باب مُسمَّى معلَّقة عليه لافتة، بل يُلقى به مباشرة في قلب النص بلا تمهيد، تماماً كما تلقي الحرب بضحاياها في قلب الموت بلا مقدمات.
تقنيًا، لا يقوم الديوان على فكرة "القصيدة الطويلة" بالمعنى التقليدي، لكنه أيضاً لا ينتمي تماماً إلى نموذج القصائد المنعزلة. هناك بنية شعورية وروحية تجعل قراءة النصوص متتابعة تكشف طبقات إضافية من المعنى. بعض القصائد قد تبدو مفهومة وحدها، لكنّ صداها يتغير حين تُقرأ داخل النسيج الكامل للديوان. كنت مهتمًا أيضاً بأن يبقى النص مفتوحاً، كأن القصيدة لا تدّعي امتلاك خاتمة نهائية، لأن المأساة نفسها لم تنتهِ، ولأن الإنسان في هذه التجربة يظل معلّقًا بين الفقد والرجاء، بين الركام والصبح الذي "إذا تنفّس" ربما يعيد للعالم شيئاً من معناه. لعل هذا هو المعنى الحقيقي لجملة "تبدأ القصيدة ولا تنتهي". ليست مقولة جمالية عن الشعر بشكل عام، بل هي وصف دقيق لديوان يرفض أن يضع نقطة نهاية طالما أن غزة ترفض أن تستسلم.
- سؤال لا بد منه، ما مصير الشعر في زمن الذكاء الاصطناعي؟
لن أكون ساذجاً وأقول إن الشعر بمنأى من الخطر، فبحكم عملي الصحافي رأيت السحر الذي يمارسه الذكاء الاصطناعي، حيث أن المؤسسات الكبرى أدخلته في دورة إنتاجها وعملها والذي يتضمن في جانب منه اقتحام مجال الكتابة. الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يكتب قصيدة، هذه حقيقة لا جدوى من إنكارها. يستطيع أن يجري الأوزان ويبني الاستعارات وينتج نصاً يشبه الشعر في شكله الخارجي. لكنه لا يستطيع شيئاً واحداً: أن يكون خائفاً أو عاشقا، أو أن يسهر ليلة كاملة لأن طفلاً مات في غزة ولا يجد كلمة تعبر عن دموع الأم، كما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحمل في كيانه ذاكرة أمّ قالت "كل ذلك سنجده في الجنة ونحن نعبر جسر الأبد". الشعر الحقيقي ليس تركيب لغة وإنما هو أثر الجرح في القلب قبل اللغة. الآلة تعرف غزة بوصفها معلومة، وأنا أعرفها كجرح نازف.
أظن أن الذكاء الاصطناعي سيغيّر أشياء كثيرة في الكتابة، وربما بدأ يفعل ذلك واقعياً، لكنه لن يستطيع أن يحلّ محلّ التجربة الإنسانية التي يولد منها الشعر الحقيقي. يمكن للآلة أن تتعلّم الأساليب، وأن تُقلّد الإيقاع والصور والاستعارات، بل وأن تنتج نصوصاً تبدو مقنعة أحيانا، لكنها في النهاية لا تعيش الحياة، ولا تخاف، ولا تفقد أمّاً، ولا تنتظر خبراً من تحت الركام. الشعر، في جوهره، ليس مجرد تركيب لغوي جميل. إنه أثر حياة كاملة داخل اللغة. حين نقرأ قصيدة عظيمة، فنحن نتفاعل مع الكلمات، لكننا أيضاً نتتبع الارتجافة البشرية المختبئة خلفها، نفكر في السيرة والخسارة والحب والزمن والجسد والذاكرة والهشاشة. وهذه أمور لا تختزل في خوارزمية.
لكني من جهة أخرى، لا أتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه "عدوًا" للأدب. فقد يكون أداة نافعة في البحث والترجمة والأرشفة، لكن اللحظة الشعرية الحقيقية تظل مرتبطة بذلك الشيء الغامض الذي يولد حين يحاول الإنسان أن ينقذ نفسه بالكلمات. لهذا أعتقد أن الشعر سيبقى، لكنه ربما سيعود أكثر إلى جوهره الأول، إنه صوت فردي هشّ يقاوم النسيان والضجيج، وليس صناعة لغوية قابلة للاستنساخ. وبالنسبة إلي، أجمل ما في الأمر أن الذكاء الاصطناعي سيكشف الزائفين، لأنه سيوفر نصوصاً للناقصين الكسالى الباحثين عن إنتاجات باردة جاهزة، لكن مصيرهم سيكون مثل مصير بطل فيلم ورواية "أنا لا أكذب ولكن أتجمل"، كائن منفصل عن الواقع، ويعيش بنصوص مثل أسماك ميتة.
- كيف حال المشهد الشعري في الأردن؟
المشهد الشعري في الأردن حيّ، لكنه يمرّ بتحولات عميقة تشبه التحولات التي يعيشها الشعر العربي عموماً. هناك أجيال متعددة تكتب الآن في الوقت نفسه، فبعد جيل الرواد الكبار الذين رسّخوا القصيدة الأردنية الحديثة، جاءت أجيال لاحقة حاولت كسر اللغة التقليدية، ثم ظهر جيل جديد يكتب داخل عالم مختلف تماماً، تحكمه وسائل التواصل والسرعة وتبدل الذائقة. ما يميّز الشعر الأردني تاريخياً، في رأيي، أنه خرج من هامش جغرافي وسياسي نسبي، ولذلك حمل دائماً حساسية عالية تجاه الأسئلة الوجودية والهوية والمنفى والتحولات الاجتماعية. من عرار إلى تيسير سبول وأمجد ناصر ونادر هدى وإدوارد حداد وحبيب الزيودي وزياد العناني، كانت هناك دائماً علاقة مع الأسئلة الكبرى: الحرية، الهزيمة، البادية، المدينة، فلسطين، والتحولات القاسية في المجتمع.
الشعر الأردني بنى كينونته الخاصة، لكنه بقي جزءاً من تحولات الشعر العربي، خصوصاً بسبب التصاقه بالقضية العربية المركزية، ووجوده في قلب منطقة تتقاطع فيها سوريا والعراق ولبنان ومصر، عسل الشعر الأردني أخذ رحيقاً متنوعاً من كل تلك الحدائق، وصنع بصمة خاصة.
اليوم أرى أن المشهد متنوع جدا، لكنه يعاني أيضا من مشكلات حقيقية. هناك وفرة في النشر وقلة في الفرز النقدي. وسائل التواصل منحت الشعر انتشاراً واسعاً، لكنها في أحيان كثيرة ساهمت في الخلط بين الخاطرة السريعة والقصيدة العميقة. كما أن المؤسسات الثقافية العربية عموماً لم تعد تمنح الشعر المكانة التي كانت له في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات. ومع ذلك، ما زال الأردن يحتضن شعراء مهمين وتجارب لافتة، وبعض الأصوات الجديدة تكتب بحساسية مختلفة، أقل خطابية وأكثر التصاقًا بالتجربة الإنسانية اليومية. وربما أجمل ما في المشهد الأردني أنه لم يتحول إلى "مدرسة" مغلقة أو صوت واحد مهيمن، بل بقي مساحة لتجاور أصوات متباينة: قصيدة النثر، القصيدة العمودية، الكتابة التأملية، والنصوص التي تمزج السرد بالشعر.
أعتقد أن التحدي اليوم ليس في غياب الشعراء، بل في استعادة القارئ العميق، وفي خلق بيئة نقدية وثقافية تستطيع أن تميّز بين الضجيج والكتابة التي تملك فعلًا ما يبقى. ولعل المشكلة البنيوية الأعمق هي شح الحياة الثقافية المؤسسية، وقلة الدُّور والمجلات والمهرجانات التي تصنع حياة نقدية حقيقية تُقرأ فيها القصيدة وتُناقش وتُحاسب. من دون هذا المناخ يظل الشعراء أصواتاً فردية معزولة، لا مشهداً متماسكاً.




