الوثيقة والمُتخيَّل: عن طغيان السيرة والسجون في الأدب السوري

يوسف م. شرقاويالأربعاء 2026/06/03
9003ee5_1733844885691-syria-timeline-2.jpg
سجن صيدنايا
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يكن التحول الذي شهده الأدب السوري خلال العقدين الأخيرين، مجرد انتقال في الموضوعات أو تبدل في الأساليب أو خيار جمالي أو ميل فردي لدى الكتّاب. بل كان نتيجة مباشرة لتحوّل العنف إلى شرطٍ وجودي للكتابة ذاتها. فحين يصبح الجسد هو أرشيف التجربة، وحين تتحول الذاكرة إلى ساحة نجاة، تتراجع المسافة الضرورية التي يحتاجها المتخيل كي يعمل. في تلك اللحظة، لم يعد الأدب سؤالاً عن الممكن، بل عن الواقعي في أقسى درجاته، أي عما حدث بالفعل، لا ما يمكن أن يُتخيّل.


التحول انعكاس مباشر لانكسار تاريخي جعل الكتابة نفسها تعيد مساءلة ذاتها ومعناها وجدواها. 
قبل مطلع الثورة في 2011، ومع تراكم تجربة الاعتقال السياسي الطويلة، ثم مع اندلاع الثورة وما تلاها من تحولات ومآلات، تراجعت المسافة بين الحدث وسرده إلى درجة بات فيها النص الأدبي أقرب إلى امتداد جسدي للتجربة منه إلى بناء تخييلي مستقل. في هذه اللحظة، لم يعد السؤال متعلقاً بما يمكن أن يُكتب، بل بما يمكن أن يُحتمل قوله أصلاً. من هذا، برزت السيرة الذاتية وأدب السجون بوصفهما الشكلين الأكثر حضوراً.
 

لم تكن الشهادة مجرد نقلٍ لتجربة شخصية، بل تحولت إلى نوع من "التوثيق الأخلاقي" للعنف. المعتقل يكتب لأنه نجا، ويكتب لأن الكتابة هي الامتداد الوحيد الممكن للنجاة. هكذا تشكلت موجة واسعة من النصوص التي لا تفصل بين الأدب والوثيقة، ولا ترى في التخيل سوى ترفٍ مؤجل أمام الحاجة إلى قول "ما حدث". غير أن هذا الطغيان، رغم ضرورته التاريخية، أنتج سؤالاً مؤجلاً: ماذا يحدث للأدب حين يصبح الشاهد هو المركز الوحيد للمعنى؟ هل تبقى الكتابة قادرة على إنتاج عوالم تتجاوز حدود التجربة المباشرة؟ أم أن المتخيل نفسه يُدان بوصفه خيانة محتملة للحقيقة؟


أدب السجون: الاعتقال في سرد مغلق

يشكّل أدب السجون في سوريا أحد أهم الجذور التأسيسية لأدب الشهادة، حتى قبل الثورة بسنوات طويلة. فقد أنتجت تجربة الاعتقال السياسي في السجون السورية، لا سيما تدمر وصيدنايا، مادة سردية ستتحول لاحقاً إلى مرجع مركزي لفهم العلاقة بين العنف والكتابة. 

مصطفى خليفة
في رواية مصطفى خليفة، تصبح اللغة نفسها جزءاً من نظام الاحتجاز

في هذا السياق، تبرز رواية "القوقعة: يوميات متلصص" لمصطفى خليفة، بوصفها أحد أكثر النصوص كثافة وتأثيراً. النص لا يقدّم تجربة السجن كحدث خارجي، بل يعيد بناءه كمنظومة مغلقة تنتج الإنسان بصيغة جديدة داخل القهر. الزمن في الرواية ليس خطياً، بل دائرياً ومشوهاً، واللغة نفسها تصبح جزءاً من نظام الاحتجاز، حيث الصمت والانتظار والعزلة تتحول إلى مكونات للسرد. وما يجعل هذا النص مفصلياً، ليست فقط مادته التوثيقية، بل طريقة تحويل التجربة إلى بنية سردية مغلقة، تجعل القارئ يعيش منطق السجن لا مجرد وصفه. هنا تصبح الشهادة أقرب إلى هندسة لغوية للعنف، لا تسجيلاً له.
 

إلى جانب هذا النموذج، تبرز كتابات ياسين الحاج صالح، خصوصاً كتابه "بالخلاص يا شباب"، حيث تتحول تجربة الاعتقال في الثمانينيات إلى مدخل لتحليل بنية السلطة السورية. النص لا يكتفي بسرد ما حدث، بل يحاول فهم شروط إنتاجه التاريخي والسياسي، بما يجعل الشهادة جزءاً من تفكير نظري في العنف، لا مجرد ذاكرة شخصية. هكذا يتضح أن أدب السجون السوري لم يكن يوماً كتابة "محايدة"، بل كان منذ بداياته مرتبطاً بإعادة إنتاج التجربة داخل اللغة، وهو ما جعله قريباً من التخييل حتى وهو يتمسك بأقصى درجات المرجعية الواقعية.

GettyImages-1653668746.jpg

2011: انفجار الشهادة

مع اندلاع الثورة السورية العام 2011، دخلت الكتابة مرحلة مختلفة تماماً. فقد خرجت الشهادة من فضاء الاعتقال الفردي إلى فضاء جماعي واسع، يشمل المدن المحاصرة، والمنافي، والمجازر، والتهجير. في هذه المرحلة، أصبحت الكتابة أقرب إلى يوميات حرب مفتوحة: ناشطون وصحافيون ومعتقلون سابقون كتبوا نصوصاً توثق الاعتقال والقصف والحصار، وغالباً ما اتخذت هذه النصوص شكل المذكرات أو التقارير أو الشهادات المباشرة. لم يعد هناك استقرار يسمح بتراكم سردي طويل، بل لحظة متواصلة من الطوارئ.


ضمن هذا السياق، يمكن الإشارة إلى تجربة رزان زيتونة بوصفها نموذجاً مختلفاً للشهادة. فهي لم تنتج أدباً بالمعنى الجمالي، بل اشتغلت على التوثيق الحقوقي للانتهاكات، من خلال تقارير وشهادات قانونية، ما جعل الكتابة تتحول إلى أداة مساءلة مباشرة. هنا تتجلى الشهادة بوصفها فعلاً سياسياً وأخلاقياً في آن واحد، لا مجرد شكل أدبي.
 

في موازاة ذلك، ظل بعض الكتّاب يحاولون إدخال التجربة إلى فضاء الرواية دون التخلي عن بعدها الواقعي. ومن أبرز الأمثلة على ذلك رواية "مديح الكراهية" لخالد خليفة، التي سبقت الثورة لكنها شكلت تمهيداً لفهم العلاقة بين السلطة والمدينة والعنف. الرواية أعادت بناء ذاكرة سياسية كاملة لمدينة حلب، عبر سرد روائي يشتغل على القمع بوصفه بنية ممتدة لا حدثاً عابراً. أما بعد اندلاع الحرب، فقد ظهرت كتابات سمر يزبك، خصوصاً "تقاطع نيران"، حيث يتداخل السرد الروائي مع الشهادة المباشرة. هذه النصوص لا تنتمي إلى جنس أدبي واحد، بل تقف في منطقة هجينة، حيث تتحول التجربة الشخصية إلى مادة لإعادة بناء الواقع داخل تعدد الأصوات والزوايا.

o-samar-yazbek-facebook.jpg
سمر يزبك: كان إنجاز "تقاطع نيران" من أكثر المهام إيلاماً في حياتي

توضح يزبك ذلك في حوارها مع نائلة منصور العام 2016، إذ تقول: "انشغلتُ بتسجيل شهاداتٍ لمقاتلين وناشطين سوريين في الشمال وفي الشتات، كانت شهادات كثيفة وكبيرة وكنت بحاجة لتفريغها وإخراجها في كتاب، وكان إنجاز هذا الكتاب من أكثر المهام إيلاماً في حياتي". هكذا يصبح واضحاً أن الشهادة لم تعد مجرد تسجيل للحدث، بل أصبحت بنية سردية قائمة بذاتها، تعيد ترتيب الزمن والذاكرة والحدث، تماماً كما يفعل التخييل، وإن بدافع الضرورة لا الجمالية.


المتخيل تحت ضغط الواقع: إعادة تعريف الرواية السورية

في السنوات الأولى، كان من الصعب طرح أي سؤال أو محاولة لإعادة تعريف الرواية السورية من دون أن يبدو ذلك نوعاً من الترف النقدي أو الانفصال عن الواقعة الأصلية. فالمعتقل السابق، أو الناجي من القمع، لم يكن يكتب من موقع التجريب، بل من موقع الضرورة. لذلك اكتسبت الشهادة سلطة أخلاقية جعلت أي انزياح نحو التخييل يبدو وكأنه تشويش على الحقيقة، لا توسعة لها. لكن ما يُهمل في هذا التصور هو أن الشهادة نفسها ليست شفافة بالكامل. فهي، رغم صدقها المرجعي، تخضع لبنية سردية، وانتقاء ذاكرة، وإعادة تشكيل للحدث. بمعنى آخر، هي ليست نقيض المتخيل، بل إحدى صوره الممكنة. غير أن اللحظة السياسية الحادة جعلت هذا التداخل غير مرئي، أو غير قابل للاعتراف.


في المقابل، كان أدب المتخيل في تلك المرحلة يبدو خارج الزمن. الرواية، القصة، وحتى التجريب السردي، كلها بدت أشبه بمحاولات معزولة للحفاظ على استقلالية الأدب عن ضغط الحدث. لكن هذا الاستقلال لم يكن بريئاً دائماً، إذ اتُّهم أحياناً بالهرب، وبالابتعاد من المأساة الفعلية. هنا يظهر التوتر المركزي: بين كتابة تقول "أنا كنت هناك"، وكتابة تحاول أن تقول "ماذا يمكن أن يعني أن أكون هناك؟". الأولى تؤسس شرعيتها على التجربة، والثانية على القدرة على إعادة بناء التجربة داخل بنية تخييلية تسمح بفهمها، لا مجرد نقلها. ومع مرور الوقت، بدأ هذا الانقسام يفقد حدّته الصلبة. فالنصوص التي انطلقت من الشهادة بدأت تُظهر ميلاً إلى التخييل، ليس بوصفه ترفاً، بل بوصفه ضرورة لسدّ الفجوات التي تتركها الذاكرة. كما أن بعض الأعمال المتخيلة استعارت بنية الاعتقال نفسها، لا لتوثيقها، بل لإعادة مساءلتها داخل أشكال سردية أكثر تعقيداً.


يمكن القول إن أدب السجون تحديداً أدى دوراً مزدوجاً: من جهة، وثّق تجربة العنف بأقصى درجاتها المباشرة، ومن جهة أخرى، فتح الباب أمام سؤال الكتابة نفسها داخل شروط القهر. فالسجن ليس فقط موضوعاً، بل هو أيضاً مختبر للسرد، حيث تتغير علاقة الزمن باللغة، وتتقلص المسافة بين الحدث وكتابته إلى حدها الأدنى. لكن المشكلة لا تكمن في هيمنة الشهادة بحد ذاتها، بل في تحويلها إلى معيار وحيد للصدق الأدبي. حين يُختزل الأدب إلى ما هو "حدثي"، يتم إقصاء إمكانات أخرى للفهم، مثل الرمزي، والاستعاري، والتأويلي. وهنا يصبح الخطر ليس في الشهادة، بل في تحوّلها إلى أفق مغلق للمعنى.

الناشطة البارزة رزان زيتونة.jpg
تجربة رزان زيتونة جعلت الكتابة أداة مساءلة مباشرة، لتتجلى الشهادة كفعل سياسي وأخلاقي 

الحرب ومنطقة الأدب الوسطى

في هذا السياق، يمكن إعادة التفكير في العلاقة بين الشهادة والمتخيل لا بوصفها ثنائية متقابلة، بل بوصفها علاقة إنتاج متبادل. فالشهادة تحتاج إلى المتخيل كي تتجاوز حدودها التوثيقية، والمتخيل يحتاج إلى الشهادة كي لا ينفصل عن أرضية التاريخ. كلاهما، في النهاية، يعمل داخل توتر واحد: كيف يمكن للكتابة أن تقول الحقيقة دون أن تُختزل بها؟
 

في ظل هذا الطغيان للشهادة، بالآن نفسه، بدا أن المتخيل السوري يواجه سؤالاً وجودياً: كيف يمكن للرواية أن تتخيل واقعاً يتجاوز الخيال نفسه في قسوته؟ لم يعنِ هذا السؤال نهاية التخييل، بل إعادة تعريفه. فبدلاً من بناء عوالم منفصلة، أصبح على الرواية أن تعمل داخل الواقع نفسه، وأن تعيد ترتيبه لا أن تهرب منه. المتخيل لم يُلغَ، لكنه فقد امتيازه القديم كمساحة حرة، وأصبح مطالباً بإعادة تبرير وجوده داخل سياق كثيف من العنف.
 

هكذا تآكلت الحدود بين الشكلين تدريجياً، لصالح منطقة وسطى تتداخل فيها الوظائف السردية، ولا يمكن تصنيفها بسهولة. وظل السؤال مدفوناً لصالح هذه المنطقة الوسطى الثابتة، كي يراوح الأدب السوري طيلة سنوات الحرب داخلها. ولعل ذلك ينطبق على النسبة الأكبر من الأعمال التي صدرت خلال تلك السنوات، حتى الأعمال التي بانت تجريباً على مستويات عيدة، لم تستطع إلا أن تقترب من الحرب السورية، مثل "المئذنة البيضاء" ليعرب العيسى.


حقل التوتر المفتوح

يمكن القول إن ما أنتجه السياق السوري خلال العقد الأخير لا يُفهم بوصفه صراعاً بين أدب الشهادة وأدب المتخيل، بل بوصفه حقل توتر مفتوح بينهما. فالشهادة وفّرت المادة الخام للتجربة، والمتخيل وفّر أدوات الفهم وإعادة البناء داخل اللغة. وبين الإثنين، تشكَّل نوع من الكتابة الهجينة، لا ينتمي بالكامل إلى أي من الطرفين، لكنه يستمد وجوده من التفاعل المستمر بينهما. وفي هذا التفاعل تحديداً، تتحدد إمكانية الأدب نفسه: ليس بوصفه توثيقاً للواقع، ولا بوصفه انفصالاً عنه، بل كمحاولة دائمة لفهمه داخل اللغة، حتى حين يعجز عن احتوائه بالكامل.
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث