من القرون الوسطى إلى يد إسرائيل...قلعة الشقيف حارسة الممرات

المدن - ثقافةالاثنين 2026/06/01
شقيف ارنون
شقيف أرنون
حجم الخط
مشاركة عبر

قال النائب في حزب الله حسن فضل الله أن "قلعة الشقيف موقع أثري وطني تحت سلطة الحكومة اللبنانية، ولم تكن موقعاً عسكرياً للمقاومة، وهي تتبع لوزارة الثقافة وليست منشأة فيها مقاتلون"، بينما اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أن سيطرة قواته على قلعة الشقيف تمثل "تحولاً حاسماً" في الهجوم على حزب الله في لبنان. فما أهمية هذه القلعة التي وصفت بحارسة الليطاني؟ 

 

وتُعد القلعة معلماً أثرياً وسياحياً بارزاً، لطالما جذب الزوار والباحثين والمهتمين بالتاريخ. فمن أسوارها يمكن مشاهدة مناظر طبيعية خلابة تمتد على مساحات واسعة من الجنوب اللبناني، بينما تروي حجارتها قصة قرون طويلة من الحروب والتحولات السياسية والحضارية.


قلعة الشقيف حصن تاريخي مشيد على الطريق الممتدة بين النبطية ومرجعيون في موقع طبيعي فريد بمناعته، يشرف من علو شاهق على وادي الليطاني ويصعب بلوغه من جهة واحدة، وبذلك كان يسهل الدفاع عنه. وزاد من خطورة الحصن، موقعه الجغرافي المسيطر على طريق ساحل صيدا ووادي التيم من جهة، كما أنه مع قلعة الصبيبة في بانياس يملك مراقبة السبل إلى فلسطين الداخلية.

شقيف ارنون

قبل سنوات، أعد الأستاذ في الجامعة اللبنانية د.يوسف حمزة، دراسة تاريخية عن القلعة ونشر ملخصها في جريدة "السفير" المحتجبة، ليعرض المراحل التي مرت بها القلعة العائد تاريخ بنائها الى ما قبل العصور الوسطى. فقد استخدمت قلعة الشقيف كحصن لسد الثغرات من ناحية البحر كما هو معروف عبر التاريخ. انتقلت من الخلفاء الأمويين الى الخلفاء العباسيين فالطولونيين فخلفاء مصر العلويين فالسلاجقة فالأتابكة من الترك فالصليبين، ومنهم إلى الأتراك فأمراء هذه البلاد الوطنيين. يعود تاريخ بنائها الى ما قبل العصور الوسطى، ويُعتقد أن "كيران"، السائح الفرنسي الذي زار سوريا في القرن التاسع عشر، هو أول من كتب عنها وعرّف بأبنيتها، ومما كتب: "لهذه القلعة مدخل واحد من الجنوب، وشكلها مثلث الزوايا، ومقاسها 160 متراً طولاً، و100 متر عرضاً، تحيط بها من بقية جهاتها آبار منقورة في الصخر، ويحميها من الجهة الشرقية مجرى ماء مهيب يسمى نهر الليطاني، وهي محاطة من الجنوب ومن الغرب بهوة عميقة محفورة في الصخر عمقها 15 متراً الى 36 متراً. أما من الجنوب فقد تتصل القلعة بذروة الجبل ومدخلها الى الجنوب الشرقي، وطولها 120 متراً وعمقها 35 متراً، ومن طرفها الشمالي بناء ناتئ طوله 21 متراً متجه الى الشرق. وفناؤها في الجهة الشرقية منها عمقه نحو 16 متراً، ومثله الأبنية الخارجية، ولها انحدار يختلف من ستة الى تسعة أمتار. وقد قام على الحائط الجنوبي برجان على شكل نصف دائرة".

شقيف ارنون

ويضيف: "أما القلعة من حيث البناء فهي مستطيلة وضيقة جداً بحسب الأرض التي بنيت عليها، ولا تناسب هندسياً بين طولها وعرضها. وأما حجارتها فكلها مربعة الزوايا، إلا أنها ليست كبيرة كالحجارة في القدس وبعلبك ولا مُحكمة النحت، ومن جهة الوسط الحجر نافر وغير منحوت. إن مؤرخي العرب لم يتعرضوا لذكر هذه القلعة قبل الحروب الصليبية العام 1189م، لكن وليم، أسقف صور، تعرض لذكرها قبل هذا التاريخ بعشرين سنة، وبعض مؤرخي الافرنج أعاد ذكرها الى أبعد من هذا الزمن بكثير، إذ يقال إنها وقعت في قبضة فولك، ملك القدس العام 1139م، ونؤكد بأنها كانت قائمة في عهد الغزوة الأولى الصليبية. لا نعني بالقطع في قيامها في ذلك العهد انها كانت عامرة عمراناً تستغني به عن الترميم وزيادة التحصين، فلا بد أن أيدي الصليبيين امتدت إليها بعدما ملكوها وأعادوا ترميمها وتجديدها وأقاموا فيها بناء جديداً يتميز عن بنائها الروماني القديم وعن بناء العرب. فالجهة الغربية بُنيت قبل الصليبيين، وليس فيها من بناء القرون المتوسطة إلا آثار قليلة. وبنى الصليبيون فيها أكثر من الجهة الشرقية. وتُرى في الوسط كنيسة لاتينية ذات سقف مؤلف من قناطر متقاطعة وباب صغير يدخل منه الى الدار الداخلية. وهناك آثار أبنية يظن انها كانت اسطبلات أقامها الصليبيون. وبالقرب من الزاوية الشرقية آثار أبنية متصلة بأعلى القلعة كانت بمثابة مدخل لها، أيضاً وكسائر قلاع القرون الوسطى في بلاد الشام فيها معبد أو مصلى من الجهة الشرقية".  

شقيف ارنون

كان أرناط (رينولد) يقضي عمله في تحصينها أثناء الهدنة التي عقدها مع صلاح الدين الايوبي يوم جاء محاصرًا بجيشه الكثيف المجهز بآلات الحصار وأدوات التدمير، ورُوي أنه ضربها بالمنجنيق من قلعة القليعة القائمة تجاهها، وذكر العماد الاصفهاني اجتماع أرناط بصلاح الدين وظفره منه بإمهاله ثلاثة أشهر لتسليم القلعة "فشرع أرناط في ازالة حصنه وتسليمه لصلاح الدين، وقد أعيدت للفرنسيين مع قلعة صفد العام 1240م باتفاق عقده معهم اسماعيل ملك دمشق بتسليمها لهم على أن يكونوا ظهيراً على لبن أخيه الصالح أيوب العام 1260م، فاشترت رهبنة الهيكليين القلعة من يوليانس حاكم صيدا، وبنوا القصر الجديد فيها على ما يظن، وهو الذي ترى انقاضه على بعد بضع مئات من الأمتار في الجهة الجنوبية، وبقيت معهم الى العام 1268م، أي إلى حين استولى عليها الظاهر بيبرس بعد حصار شديد. ثم رممت وأقام فيها عساكر من المسلمين... وهذا أيضاً ما ذكره كيران.  

شقيق

وكانت الشقيف قلعتين متجاورتين، فجمعهما بيبرس، وبنى فيها جامعاً وحماماً ودار نيابة، وأما الجامع فما زال قائماً في أعالي القلعة حتى اليوم، وأما الحمام فيظن بعضهم أنه كان في حضيض الجبل. وتعاقبت عليها أيدي ملوك مصر والشام. وذكر الكتبي في "فوات الوفيات" عن سنة 1944 "أن القاضي عبد العزيز الفقيه، جار في قضائه، وحُمل إلى شقيف أرنون، ورُمي من حالق فتحطم في نزوله. وكأنه تعلق في بعض جوانبها بثيابه فبقي أنينه يُسمع نحواً من ثلاثة أيام حتى مات".


ولم تفقد القلعة شيئاً من حصانتها من عهد استيلاء بيبرس عليها الى العام 1400م، واستمرت الى ذلك القرن متماسكة ممتنعة على المتغلبين، ملجأ للهاربين. ثم كانت بيد الأمير فخر الدين المعني الثاني "فانصرف منذ 1610، كما روى الرحالة الإنكليزي سانديس، الى تحصين بلاده، لا سيما قلعتي الشقيف وبانياس، كيما يأمن جائحة الحملات العثمانية من تلك الطريق، وليظهر اتجاه دول أوروبا الطامعة في الشرق، وفي طليعتها إسبانيا وتوسكانا، بمظهر القابض على فلسطين. أما الدولة العثمانية فأوجست خفية. ولم تلبث أن جردت على الأمير، حوالي سنة 1613، الجحافل، وقد استقدمتها من مختلف الولايات النائية في الأناضول حتى بلغ عدد قادتها أربعة عشر من الباشوات تحت أمر والي الشام أحمد حافظ باشا"(المشرق).
 

دكها الحافظ بجيشه القوي، وحاصرها ستين يوماً كان فيها إطلاق المدافع متتابعاً بلا انقطاع، لكنه لم ينل منها مأرباً. ورفع الحصار عنها بعد اتفاق أبرمته معه والدة الأميرين المعنيين فخر الدين ويونس. هدمت كباقي القلاع على يد اليازجي الذي توجه مع مصطفى كنخداويب كيربك والأمير يونس الحرفوش الى القلاع وبعد إخراج ما فيها استحضروا بنّائين وهدموها واستمروا في هذا العمل نحو أربعين يوماً وكان ذلك العام 1616م. وفي ذخائر لبنان أن الأمير علي بن الأمير فخر الدين، هو الذي هدم قلعتي أرنون وتيرون. وفي بداية القرن السابع عشر الميلادي، أوجد فيها فخر الدين المعني بعض الإصلاحات، وأهملت من ذلك الوقت. أما المؤرخان الأمير حيدر الشهابي، وصاحب أخبار الأعيان، فقد طوبا اسم هذه القلعة وحديث تعميرها وتدميرها وما منيت به من الأحداث من العام 1616م الى 1769م. 

 

ولقرن ونصف القرن تداولت خلالها أحكام البلاد المنسوبة اليها (بلاد الشقيف) بين الحكام الاقطاعيين امثال الشيخ ناصيف النصار، وبنو سودون وآل الصغير والسادة الشكرية وآل صعب وآل منكر، وآل الزين. وقال الشيخ علي رضا، وهو ممن كتبوا تاريخ ذلك القرن بلغة عامية: "إن الصعبية قبضوا اعام 1744م على الشيخ محمد فارس ووضعوه في قلعة أرنون". وأما ازدهار عمران قلعة الشقيف واستعادة سابق مجدها فقد كان زمن الشيخين علي وحيدر، ابني أحمد بن حيدر بن فارس العام 1738م، كما سبق البيان الى عام 1780م، حيث استولى الجزار على قلعتي تبنين وهونين وقتل ناصيف وأخاه أبا حمد، وبعد محاصرة الشيخ حيدر الفارس في قلعة الشقيف شهرين استولوا عليها سلماً وصادروا كل ما في القلعة وهدموها.  

ارنون (المدن)

وسنة 1837م، هُدم أعلاها بالزلزال وفقدت أهميتها، وأخذ اهالي النواحي المجاورة ينقلون حجارتها فيبنون بها بيوتهم. وصارت تلك القلعة العظيمة وقاعاتها الجميلة التي كانت مسكناً للأمراء والأشراف خرابا ومأوى للرعاة والماشية، ويقال إن باب قلعتها الحديدي العظيم نقل الى عكا زمن الجزار الذي جعله باب المدينة. كذلك نقل الشيخ حسن الفارس الصعبي جانباً من أحجارها الملونة الى قريته البابلية، فزين بها بعض المباني التي أحدثها فيها. وهي أقل ليونة من حجارة القدس، ولذلك فقد أثرت فيها العوامل البيئية والكيميائية، وكذلك عوامل أخرى، مثل الحرب والحرائق أثناء الاحتلال الإسرائيلي الحديث. ويزعم بعضهم أن من آبائهم مَن شاهد بأم عينه مدخل النفق الذي يصل الى الليطاني ومشى فيه مسافة عشرات الأمتار ولم يبلغ نهايته. أما آخر حصار شهدته هذه القلعة، فكان قبل ضربها بالطيران من قبل الإسرائيليين الذين انسحبوا منها في الساعة الحادية عشرة والنصف من ليل 24 أيار2000.
 

وفي السنوات التالية، بدأت جهود لترميم القلعة وإعادة فتحها أمام الزوّار والسياح، رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بها جراء الحروب والقصف، ورُممت بهبة كويتية وأصبحت القلعة مقصداً للزوار، وكتب الكثير عنها في النصوص الشعرية والروائية. 
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث