ممدوح فرّاج النابي يرصد مقاومة الاستعمار في أدب الطيّب صالح

سلمان زين الدينالاثنين 2026/06/01
طيب صالح
الطيب صالح
حجم الخط
مشاركة عبر

لعلّ مصطلح "الكتابة السوداء" هو أوّل ما يلفت النظر في كتاب "بلاغة الكتابة السوداء"، الصادر مؤخّرًا عن دار مرفأ للثقافة والنشر في بيروت، للأكاديمي والناقد المصري ممدوح فرّاج النابي، حتى إذا ما ولجنا إلى متن الكتاب، نكتشف أنّ الكتابة السوداء هي "كلّ كتابة تعرّي القبح، وتكشف حالات الإقصاء والاستعلاء التي تمارسها السلطة سواء أكانت سلطة الاستعمار الخارجي أم الداخلي عبر أوصياء يمارسون التهميش والاستبعاد والإقصاء لكل من يخالفهم الرأي، أو تلك التي تعرّي الأيديولوجيات الصاخبة سواء أكانت السياسية أم الدينية"، على حدّ تعريف المؤلّف (ص 56).

 

 وبهذا المعنى، هي كتابة تعرّي القبح، تقاوم القمع، ترفض الاستعلاء، وهي كتابة إنسانية بامتياز. وهذا النوع من الكتابة ينطبق على روايتي الروائي السوداني الطيّب صالح "عرس الزين" (1962)، و"موسم الهجرة إلى الشمال" (1966)، اللتين تشكّلان مادة الكتاب ومحور اهتمامه، فيتناولهما المؤلّف بالدراسة والتحليل والمقارنة، ويستعين في دراسته بنماذج مختلفة من النصوص، العربية والأجنبية، التي "تقترب من موضوع الدراسة أو تتماسّ مع بعض تيماتها أو تكون ذات صلة بأحد عناصرها". ويتكّئ على أفكار كلٍّ من فرانز فانون وإدوارد سعيد، فيسعى إلى "استجلاء الخطوط العريضة للأفكار النظرية ـ الاجتماعية ـ الاقتصادية التي قدّمها فرانز فانون، من منظور النظرية الروائية التي قدّمها إدوارد سعيد"، على حدّ تعبيره (ص 343).  

فانون
فانون

سرديّة مضادّة
 تقع الدراسة في مقدّمة، وفصل تمهيدي، وستة فصول، وفصل ختامي. ويتمّ تذييلها بقائمة بالمصادر والمراجع، ما يضفي عليها الطابع الأكاديمي. يقدّم النابي لها بمقدمة تعتبر الرواية فعل مقاومة، ويلقي الضوء على هذا النوع الأدبي الذي تتعدّد قراءاته، ويصعب تعريفه، متوقّفًا عند ربط إدوارد سعيد بينه وبين العالم المرجعي الذي يحيل إليه، بحيث تغدو الرواية ذاكرة جمعية لهذا العالم لا مجرّد ذاكرة فردية لكاتبها. ولهذا، نراها تروّج للاستعمار في الحقبة الاستعمارية، وتشكّل سردية مضادّة له في حقبة ما بعد الاستعمار، وهو ما ينطبق على روايتي الطيب صالح "عرس الزين" و"موسم الهجرة إلى الشمال" اللتين يتسقّط الدارس إيقاعهما في دراسته. وبذلك، لا يقتصر الغرض من الرواية على إحداث المتعة بل يتعدّاه إلى تشكيل سردية مضادّة لسرديات الاستعمار. ويرفد المقدّمة بتعريف مجموعة من المصطلحات والمفاهيم التي يستخدمها في دراسته مع نبذة تاريخية مختصرة لكلٍّ منها.

 

 تمهيد وختام
 يمهّد النابي لدراسته بفصل تمهيدي يتناول فيه تموضع الرواية بين التلقّي والتمثيل الاستعاري، ويقارن بين الروايتين موضوع الدراسة، فيتعبر أنّ "عرس الزين" نموذج للثنائيات التي طرحها الطيّب صالح، من جهة، وأنّ "موسم الهجرة إلى الشمال" حظيت بالعدد الأكبر من القراءات التي تُجمع على أهمّيتها، من جهة ثانية. وعلى التفاوت بين الروايتين، يبرّر الدارس قراءتهما معًا بأنّهما تتوازيان وتتناقضان وتتكاملان في الوقت نفسه؛ فـ"عرس الزين" تعتبر "تمثيلًا استعاريًّا لمجتمع السودان بكافّة طوائفه، دون تحيّزات دينية أو حزبية أو طبقية" (ص 70)، و"موسم الهجرة إلى الشمال" تعتبر "تمثيلًا حيًّا واستعاريًّا لما تركه الاستعمار على الذات المستعمَرة من آثار مدمّرة" (ص 70). ويختم دراسته بفصل ختامي يقارن فيه بين الروايتين؛ ويخلص إلى أنّ "عرس الزين" ترصد العلاقات داخل قرية سودانية، وتظهر المحلّية، وأنّ شخوصها قدريّون، وبطلها مواطن أصلاني، موغل في محلّيته، ملازم مكانه الأوّل، أحادي الوجه، ومقاوم للسلطة والانقسام. بينما يخلص، في المقابل، إلى أنّ "موسم الهجرة إلى الشمال" ترصد العلاقة الصدامية بين الشرق والغرب، وتظهر الإمبريالية، وأنّ شخوصها يتحرّكون وفق ترتيب محدّد، وبطلها مثقّف كولونيالي، موغل في التغرّب، كثير التنقل، متعدّد الوجوه، مقاوم للإمبريالية والاستعمار. وهكذا، نكون إزاء روايتين مختلفتين في إطار من التكامل فيما بينهما.


 وبين التمهيد والختام، ثمّة فصول ستة، تتمحور حول الروايتين موضوع الدراسة، وتنطلق منهما إلى قضايا أخرى متعالقة معهما، بشكل أو بآخر، من قبيل: الاستعمار، السردية المضادّة، السلطة، اللغة، وغيرها. وهكذا، ينطلق النابي في دراسته من الخاصّ إلى العامّ، ومن الجزئي إلى الكلّي، ومن التطبيقي إلى النظري، والعكس صحيح. وإذا كان المقام لا يتّسع للإحاطة بتفاصيل هذه الفصول وجزئيّاتها، فحسبنا، في هذا العجالة، التوقّف عند تمظهرات الروايتين موضوع الدراسة فيها. 

الكتابة


عرس الزين
في "عرس الزين"، يتناول الدارس الرواية في إطار السياقات التي أُنتِجت فيها، ويرصد التحوّلات التي تطرأ على الشخصية المحورية دون إغفال الشخوص الأخرى المتمحورة حولها. ويقارن بينها وبين القصة القصيرة "دومة ود حامد" التي سبقتها إلى النشر، راصدًا نقاط التشابه والاختلاف بين النصّين، مستنتجًا أنّهما كليهما "بمثابة قصّة أليجورية عن السودان وواقعها المتأزّم" (ص 120). ويعزو النابي أهمّية الرواية إلى كونها سردية مضادّة للسرد الأمبراطوري بكرنفاليتها ورصدها العادات والتقاليد المحلية. وإلى جمعها بين المرجعية التاريخية بصدورها بعد إلغاء الرقّ، وإشارتها إلى النساء الغوازي على أطراف القرية، وذكرها اهتمام الإمام بالسياسة والصراع بين القوى العظمى، وبين المتخيّل الغرائبي الكامن في حكاية الزين وزواجه من نعمة بني الشيخ ابراهيم، رغم عدم التكافؤ بينهما، من حيث الشكل، على الأقل. وهو ما يعتبر أمثولة في ذلك العالم المرجعي باعتبار أن الزواج يتم بين شخصيتين متناقضتين في الشكل، ومتكاملتين في المضمون؛ ذلك أنّ الزين ونعمة يتناقضان في دمامته وجمالها، ويتكاملان في إثارة الاهتمام، وتحمّل المسؤولية، والحدب على المحتاجين، والجرأة الأدبية، والعاطفة الصادقة، وغيرها.


شخصيات متحوّلة
 في معرض تحليل الشخوص، يشير الدارس إلى أن السمة الغالبة على شخوص الطيّب صالح هي أنّها نامية، ومتغيّرة، و"تميل إلى إحداث التغيير في المحيط الذي تعيش فيه"، وهو ما ينطبق على شخوص "عرس الزين"، بشكل أو بآخر، ويتعدّى الشخصية المحورية في الرواية إلى الشخوص الأخرى؛ ذلك أن الزين يتحوّل "من شخصية هزلية إلى شخصية جادّة تدخل طورًا اجتماعيًّا جديدًا" (ص 168)، ومن عامل انقسام في المجتمع، في بداية الرواية، إلى عامل توحيد وتجميع. وسيف الدين يتحوّل من شخصية مستهترة غارقة في الملذات إلى شخصية متديّنه، تداوم في الحضور إلى المسجد، وتلازم الإمام في حلّه وترحاله. والإمام يتحوّل من شخصية شاذّة عن جماعة القرية باعتباره رمزًا للسلطة المفروضة إلى التكيّف مع واقع الحال. ونعمة تتحوّل من امرأة خاضعة لاعتبارات المجتمع الأبوي إلى امرأة تطلب الزواج من الزين بنفسها، على سبيل المثال لا الحصر. وغنيٌّ عن التعبير أن هذه التحوّلات تحدث بالتزامن، وبالتكافل والتضامن، مع تحوّل القرية، بما هي نموذج مصغّر عن السودان، من حالة التخلّف إلى الأخذ بأسباب التحديث والتطوير، في مرحلة ما بعد الاستقلال.


وإذا كانت "عرس الزين" تحتفي بالعادات والتقاليد والمظاهر والطقوس المحلّية، فإنّ هذا الاحتفاء هو "أشبه بالردّ على ما يعمد إليه المستعمر "من إنكار للثقافة القومية، واحتقار لكافة مظاهر القومية الحركية أو الانفعالية" (ص 182)، ما يمنح الرواية أهمّيتها التاريخية، ويجعل منها سردية مضادّة للسرديات الكولونيالية.


 موسم الهجرة إلى الشمال
في "موسم الهجرة إلى الشمال"، يشير النابي إلى فارقية الرواية وأهمّيتها في الرواية العربية، وهو ما يتمظهر في كونها "دراسة استكشافية، اعتمدت طاقات الفن الروائي، لترسم صورة مركّبة للآثار اللاواعية التي تركتها حركة الاستعمار الأوروبي، على نفسيات الشعوب المستعمِرة والمستعمَرة على السواء" (ص 188)، من جهة، ويتمظهر في رسالتها التي تطرح أسئلة الهوية الثقافية، والاستبداد، والانتماء الوطني، والتقدّم الغربي، والهيات القاتلة، من جهة ثانية. والدارس يولي شخصية بطل الرواية اهتمامًا خاصًّا، فيدرس طبيعتها، ومصادر هويّتها، وتعالقاتها المختلفة، وتحوّلاتها. ويخلص بنتيجة هذه الدراسة المركّبة، إلى أنّ مصطفى سعيد شخصية غامضة، حافلة بالتناقضات، مركّبة من الحبّ والحقد، وشديدة التعقيد. وإلى أنّ مصادر هويّتها عديدة، منها ما هو داخل القرية، استقاه الراوي من أبيه وجدّه، ومن حكاية سعيد نفسه، ومن الأوراق التي تركها في غرفته. ومنها ما هو خارج القرية مستقى من رحلات الراوي في الأقاليم السودانية، ومن مرويات الآخرين عنه. ويتمخّض هذا التعدّد في مصادر الهوية عن دور محوري لعبه القدر في حياة الشخصية، منذ انتقالها إلى القاهرة حتى هجرتها إلى لندن وعودتها إلى السودان. ولعلّ هذه القدرية تتضارب مع ما استخلصه الدارس، في الفصل الختامي، من أنّ "كلّ شيء لم يكن قدريًّا بل كان منظّمًا ومرتّبًا" ( ص348). 


الأم والمستعمر   

 في معرض تحليل الشخصية، يعزو الدارس فتوحات سعيد الجنسية في الغرب إلى سببين اثنين؛ الأوّل علاقته الغريبة بأمه الخالية من الحنان، ما يجعل نظرته إلأى المرأة أحادية الجانب، فلا يرى فيها سوى أداة للمتعة الجنسية، فيثأر بواسطتها من أمّه التي لم تشعره يومًا بالحنان. والثاني ما رسّبه المستعمِر في بلاده من قهر، فتأتي غزواته الجنسية انتقامًا متأخّرًا من الاستعمار. ويخلص الدارس، بنتيجة التحليل، إلى أنّ مصطفى سعيد نموذج للمثقّف الكولونيالي المنشطر بين إعجابه بالغرب، من جهة، وهجومه عليه، من جهة ثانية. فسعيد يقاوم الغرب، على طريقته، ويتبنّى نمطه في العيش، فيؤسس حجرته في الوطن على الطراز الانكليزي. ولعل هذا الانشطار بين غربٍ هاجر إليه ولم يستطع أن يكون جزءًا منه، وشرقٍ عاد إليه ولم يستطع أن ينتمي إليه هو ما أدّى إلى النهاية المأساوية لهذه الشخصية الغامضة، المركّبة، المتشظّية حتى الانفصام. 


وعود على بدء، يضعنا ممدوح فرّاج النابي في دراسته الأكاديمية الرصينة إزاء سردية روائية مضادة للاستعمار، تتمظهر في "عرس الزين" بشديدها على الثقافة المحلّية، وفي "موسم الهجرة إلى السمال" بتفكيكها السردية الاستعمارية، ما يشكّل ترجمة فعلية للعنوان الذي صدّر به مقدمة الدراسة من أنّ الرواية فعل مقاومة. 
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث