جرت صياغة الأناجيل على أرض فلسطين، بينما بدأت المسيحية في سوريا بالتحرر من اليهودية بوصفها عبادة دينية وممارسة اجتماعية. امتد هذا المسار المعقد لعدة عقود، يمكن تتبع طوره الأول على "طريق دمشق" الذي مشى عليه القديس بولس حتى انطاكية. وقد أدى ذلك إلى نتيجة مهمة، مفادها أن سوريا شهدت اتساع مسيحية واعية لنفسها إلى حد أنه غذت الطموح الكوني.
هذه هي خلاصة الكتاب المهم المعنون بـ "مرآة دمشق، سوريا تاريخنا"، للكاتب والمؤرخ والدبلوماسي الفرنسي السابق جان بيير فيليو، الصادر بالعربية عن "دار ميسلون" بترجمة من الناقدة والروائية ديمة الشكر. وهو يندرج في إطار الدراسات المعمقة التي تناولت تاريخ نشوء المسيحية، وبدايات تشكلها في دمشق. وقد ربط الكاتب بين تلك اللحظة المهمة، والزمن الراهن، الذي كان العالم قد تخلى فيه عن هذا البلد وشعبه حينما ثار ضد حكم آل الأسد. وقال في المقدمة " من الملح إعادة الربط مع جزء من التاريخ العالمي الذي حدث هناك على الضفة الأخرى من المتوسط فوق أرض قريبة منا.
الكاتب على معرفة تفصيلية بسوريا والعالم العربي، حيث عمل رئيسا للبعثة الدبلوماسية الفرنسية في دمشق 1996-1999، وكتب عدة كتب منها "اكتب لكم من حلب في قلب سوريا الثورة"، الذي صدر عام 2013 منطلقاً من بعض تفاصيل رحلته إلى المدينة التي شاركه فيها صديقه المصور الصحفي السوري عمار عبد ربه، ونقل فيه تفاصيل المشهد بين النظام والثورة في المدينة، معتبراً أن المدينة كان يمكن لها أن تقدم نموذجاً للمناطق التي خرجت من سيطرة النظام، شارحاً الأهمية الاستراتيجية لموقع حلب الجغرافي والسياسي في تاريخ منطقة الشرق الأوسط، ليصل إلى اعتبار أحداثها كفيلة لتكون مؤشراً وبوصلة لمجريات المنطقة بالكامل في المستقبل.
كتاب فيليو عن بدايات المسيحية بدمشق، يعكس ودا عميقا تجاه المدينة، من خلال العودة إلى قضية مهمة، وهي تاريخ وموقع هذه الديانة ودورها في تشكيل هذا البلد قديما وراهنا. وهو في هذه المحاولة المهمة يضيء على تاريخ غني بقي في طيات الكتب من دون قراءة علمية لوقائع تاريخ تلك الحقبة، من ناحية اجتماعية، تراعي تطور الوعي في تلك المنطقة التي كانت تحت حكم الرومان، وتأثير مملكة الأنباط العربية التي تمتد من حوران حتى مدائن صالح. وكما احتوت أنطاكيا سوريا والإسكندرية أقطاب رئيسية من هذه المسيحية المهلنسة (نسبة للمرحلة الهلنستية) وفقا لنماذج الطوائف التي بشر بها بولس، فهناك مسيحية أخرى، شرقية بطقوسها وفنها، تطورت على طريق القوافل وأكثر مثال وجد في دورا أورويوس في حوض الفرات في الآثار التي تركها غزو الفرس عام 256، وهذه المدينة أثرية بابلية ومعروفة باسم الصالحية تقع قرب مدينة دير الزور، وتضم أول كنيسة منزلية في العالم، قبل سقوط بابل ومنطقة الهلال الخصيب بيد الفرس.
يقف الكتاب عند عدد من رموز المسيحية السورية. يعقوب البرادعي، القديس السرياني، الذي كان يقوم برحلات سرية في سوريا وبلاد الرافدين، مبشرا بالآراء المتشددة في سوريا وما بعدها، وأنشأ بطريركية ميافيزية الخاصة بالروم الكاثوليك في أنطاكيا. ويشير إلى أن الكنيسة السريانية الأرثوذكسية كانت تعد مستقلة عن روما والقسطنطينية، وقد أنشأت في سوريا عام 1924 بطريركية "أنطاكيا وسائر المشرق"، وبات المقر البطريركي موجودا في صيدنايا قرب دمشق في دير الملفان مار إفرام السرياني من نصيبين، وهو راهب سرياني من رواد كتب وشعراء المسيحية والملقب بـ"شمس السريان"، وأحد آباء ومعلمي الكنيسة الذي تجمع على قداسته الطوائف الرسولية جميعها. وتزيد الخلافات الخاصة بالتأريخ المسيحي من أهمية الشخصيات الزاهدة التي يلجأ إليها المؤمنون في لحظات الشك، وعلى رأس هؤلاء سمعان العمودي القديس والناسك السوري السرياني الذي ولد في سيسان بين سوريا وكيليكيا في الربع الأخير من القرن الرابع، وعاش بحلب، وهو أول من ابتكر التنسك على عمود حجري، منعزلا لثلاث سنوات في صومعة الرهبانية، ثم مقيدا خمس سنوات على قمة جبل، ومن بعدها اختار عمودا ومن هنا لقبه. وتنعكس الحماسة الشعبية من حوله، في تشييد معبد هائل بقلعة سمعان يصل الى أربع كنائس.
لم تمر المسيحية بسوريا مرور سريعا، بل وجدت فيها تربة خصبة، ازدهرت على أرضها ومن ثم انتشرت نحو العالم. ويتحدث الكتاب عن كثافة مهمة للكنائس البيزنطية على هضبة تمتد على ارتفاع 600 متر بين وادي العاصي وهضبة حلب، حيث بدأ التوطن فيه بدءا من عام 330 ضمن شبكة مكثفة من القرى المرتبطة بزراعة الزيتون ومنها سرجيلا بحماماتها المؤرخة بعام 473، أي بعد قرن من إنشاء الكنيسة المحلية، وبارة ذات التوابيت الهرمية وكنائسها الخمس المزدانة بازدهار معاصر الزيتون، وكنيسة قبل لوزة وهي ضمن سلسلة ما بات يشار إليه من قبل اليونسكو بـ "المدن الميتة".
النشاط الرهباني لمارون سبق القديس سمعان، حيث عاش حياة صلاة وتوبة في الهواء الطلق في وادي العاصي، وأنشأ في منتصف القرن الخامس دير القديس مارون على الضفة اليمنى للنهر بين حماة وأفاميا، وهو مكان محصن لعقيدة قدمت نفسها بوصفها أرثوذكسية. وهناك التباس شائع مع مار مارون على الرغم من أنه التحق بعد قرن بدير القديس مارون، وبعد ذلك غادر وادي العاصي كي يبشر بعقيدة تقوم على الاعتقاد بالطبيعة الواحدة للمسيح. ويرى الكاتب انهما وضعا أسس كنيسة مبتكرة. ولا ينسى أن يمر على الأب الإيطالي باولو الذي أحيا دير مار موسى الحبشي شرقي مدينة النبك في منتصف الطريق بين دمشق وحمص. ويعرض موقفه المؤيد للثورة السورية وانقطاع أخباره منذ تموز عام 2013 حينما ذهب بوساطة لدى داعش في الرقة ولم يعد. كما يعرج على بلدة معلولا الواقعة على مسافة 60 كم شمال غرب دمشق، والتي تتحدث الآرامية لغة المسيح الى اليوم. ويفرد مساحة لتركيز مجمعات بطريركية انطاكية في دمشق بمحاذاة الكنيسة المريمية في الحي الذي شهد وعظ القديس بولص بالمسيحية، ويعده في سياق مركزية سوريا في نشر المسيحية، والتعريف بعائلاتها المختلفة.
ويتحدث الكتاب عن لحظة لقاء المسيحية بالإسلام في مدينة دمشق بعد فتح المدينة من قبل جيوش المسلمين، ويقول "في سوريا، تمدن الإسلام في الحواضر التي كانت موجودة منذ عصور، بينما لزمه وقت طويل قبل أن يتأسس في بغداد والقاهرة". والمسجد الكبير حيث رُفع قميص الخليفة عثمان بن عفان المضرج بالدم، يجاور الكنيسة المهداة لرأس يوحنا المعمدان المقطوع، وبما أن القديس موقر في الإسلام، ومعروف بالنبي يحيى، فإن المسلمين تقاسموا لعقود المكان المقدس مع المسيحيين، وقد حملت المئذنة الجنوبية الشرقية الأكثر ارتفاعا في المسجد الأموي بدمشق اسم "مئذنة يسوع"، وتلك رواية تجد أصلها في الحديث الشريف في "صحيح مسلم"، الذي ينقل عنه "إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق"، وذلك كعلامة على قيام الساعة. وبالتالي، ليست بلاد الشام مسرحا للنزاعات الأخروية فحسب، بل هي ملتقى النضال لكلفة سلام لا شبيه له. وكدليل على ذلك يورد عالم الحديث نعيم بن حماد أن كل مقاتل يسقط في سوريا يقدر أن يشفع لسبعين من أقاربه يوم الحساب العظيم.
مجد دمشق الفعلي كان تحت حكم الأمويين، وخاصة الخليفة الأول معاوية بن أبي سفيان، والخامس عبد الملك بن مروان، ولكن بلاد الشام التي كانت الطفل المدلل للإمبراطورية الرومانية، تراجعت إلى وضع مقاطعة حرفيا، محرومة من الخلفاء العباسيين الذين بنوا في بغداد عاصمة مترفة. ومن بعد ذلك سار التاريخ متعرجا على نحو انحداري، فكانت الحروب الصليبية، وغزوات المغول هولاكو وتيمورلنك، ثم المرحلة المملوكية وبعدها العثمانية التي امتدت حتى مطلع القرن العشرين، وتلاها تقسيم سورية الطبيعية عن طريق اتفاقية سايكس بيكو، وإنشاء إسرائيل، وذلك بداية تاريخ جديد من الاستعمار والحروب والتهجير والاستيطان، لا يبدو أنه سوف يبلغ الذروة قريبا.




