من روايته "لعنة باب عكا"(دار رياض الريس) كان مروان طراف وثق تفاصيل الدقائق الأخيرة لمعركة قلعة الشقيف 1982، من خلال بحث دقيق ومقابلات ومعاينة أرض الواقع وشهادات حية لمقاتلين من الكتيبة الطلابية التابعة لحركة فتح، كانوا في القلعة في مواجهة الجيش الاسرائيلي. وتنشر "المدن" منها هذا المقتطف:
... وصلت الفرقة الرابعة من قوة الكوماندوس الإسرائيلي إلى المدخل الرئيسي للخندق، بعدما فقدت الكثير من عناصرها، من بينهم قائد الكتيبة، كانت منهكة ومربكة لكن مستشرسة، وانتشرت في محيط القلعة، معلنة بدء المعركة الحاسمة، فاشتبكت مع راسم والكحلاني بالرصاص والقنابل.
بعد اشتباك دام قرابة العشرين دقيقة، صارت الأصوات الناطقة بالعبرية أكثر قرباً من آذان الفدائيين، دوت خلالها آلاف الطلقات وانفجرت مئات القنابل اليدوية، وفاق عدد الجنود الإسرائيليين المستقدمين، بعد أن وصلت فرقة الدعم المؤللة، المائة وخمسين جندياً، مما جعل الفدائيين يتراجعون إلى داخل الخندق الأساسي، خشية أن يراهم الجنود الرابضون على متن أولى المدرعات المتقدمة.
فجأة توقف إطلاق النار من ناحية المدخل الغربي للخندق، لكنه ظل مستمراً من ناحية المخرج الشرقي للنفق المطل على وادي الليطاني، بسرعة ومن خلف إحدى المدرعات ركض أربعة جنود نحو فتحة الخندق، ليختبئوا من الرصاص وقذائف الآر بي جي، ثم تبعهم أربعة آخرون، ثم وبشكل فجائي أيضاً، توقف إطلاق الرصاص كلياً، فتهيأ للجنود الإسرائيليين أن الفدائيين هربوا أو قُتلوا، لا احتمال آخر على الإطلاق، عمّ هدوء كامل، لم يكسره سوى صرير جنازير الملالات في الخارج، والخشخشة التي يخلفها وقع أقدام الجنود بأحذيتهم العسكرية فوق نحاس الرصاص الفارغ على الأرض، الذين أخذوا بالتقدم باتجاه عمق النفق المحصَن، وما هي إلا خطوات قليلة، حتى انقض عليهم راسم، وعلى بُعد أقل من ثلاثة أمتار اشتعلت المعركة من جديد، ولكن هذه المرة بالالتحام الجسدي من المسافة صفر! القلوب ميتة والخوف تفصيل لا قيمة له، إنها لحظة الموت المحتم، فإما قاتلاً وإما مقتولاً، وإما الاثنين معاً.
من يشهر سلاحه أولاً؟ من يطلق النار أسرع؟ لا فرق، إنها أكثر المعارك شراسة، أن ترى الخوف في عينيّ عدوك قبل أن تُجهز عليه، إنه أمر شاذ عن قواعد الحروب الكلاسيكية، هناك فرق كبير ما بين القتل عن بُعد وبين الإعدام عن قُرب، شتان ما بين المقاتل والقاتل...
كانت أصوات المعركة الآتية من داخل النفق عالية، صاخبة، عبرية وعربية، والصيحات واضحة ومفهومة للجميع، هذا النوع من الجنون في المواجهة لا يحصل إلا في السراديب والدهاليز، ولا يعلو عليه سوى دوي الانفجارات ولعلعة الرصاص، صعبة هي لحظة الحسم!
دوت ثلاثة انفجارات متتالية، وساد الهدوء مجدداً، لحظات ثم علا صراخ المصابين، ستة قتلى إسرائيليين داخل النفق وثلاثة من الفدائيين، بينهم راسم، ثم جاء الدعم ودخل نحو عشرة جنود من وحدة النخبة في لواء غولاني، من بينهم قائدها الضابط راز غوتمان، الذي اقتحم السرداب الصغير داخل النفق، فرماه راسم بقنبلة يدوية، وما إن هبّ آخرون لنجدته، حتى ظهر أمامهم ثانيةً، ليفرغ عليهم مشط رشاشه ويُردي ثلاثة آخرين، كان راسم قد اختبأ بظل زاوية صغيرة داخل النفق، بعد مقتل الكحلاني بانفجار قنبلة يدوية سقطت بين ساقيه، فقضى وحده على خمسة جنود إسرائيليين، وأعاق تقدم القوة لأكثر من ربع ساعة، مما دفعهم إلى استهدافه بعبوة تزن 42 كيلوغراماً من المتفجرات، ومع ذلك بقي حياً، وظل يقاتل، وتمكن من قتل جنديين آخرين، ولم يستسلم إلا بعدما فارق الحياة متأثراً بإصابته، ليتبين لاحقاً، أنه كان آخر الفدائيين الأحياء في القلعة.
كان راسم آخر من سقط من الفدائيين الـ17 الذين كبدوا الجيش الإسرائيلي أكبر عدد من القتلى والجرحى في معركة واحدة، دامت أكثر من 10 ساعات.




