البراءة القاتلة: حين تُهزم جماعة أقامت داخل صورة خصمها

علي هاني شمس الدينالاثنين 2026/06/01
Image-1767811956
البيت الأبيض
حجم الخط
مشاركة عبر

في تحليله لآليات الرغبة الإنسانية، لاحظ الفيلسوف الفرنسي رينيه جيرار أن البشر لا يرغبون في الأشياء بشكل مستقل، بل يرغبون فيها لأن آخرين يرغبون فيها. الرغبة تُحاكي الرغبة، والنموذج الذي نحاكيه يصبح في لحظة ما خصمنا لأننا نريد ما يريد ونتنافس على ما يتنافس عليه. غير أن ثمة حالة أكثر تعقيداً وأشد إيلاماً من هذه: حين لا تنتهي المحاكاة إلى منافسة، بل إلى تماهٍ. حين يقيم الإنسان داخل صورة خصمه، ويتبنى تصوراته عن القوة والفاعلية والعظمة، ثم يحاول أن يمثل هذا الدور من دون أن يمتلك الشروط التي جعلته ممكناً أصلاً. هذه هي البراءة التي نحاول تشريحها هنا.


البراءة المقصودة ليست سذاجة، ولا جهلاً بسيطاً، ولا نفاقاً واعياً. إنها حالة أعمق من ذلك كله. هي أن تعيش داخل صورة عن نفسك وعن العالم لم تنتجها أنت، وأن تنظر إلى ذاتك من خلالها حتى تصبح هي الواقع الوحيد الذي تستطيع رؤيته. ليست المشكلة هنا أنك لا تعرف خصمك، بل أنك لا تعرف نفسك. ليست المشكلة أنك تجهل العالم، بل أنك تجهل موقعك الفعلي داخله. ولهذا فإن البراءة القاتلة ليست الجهل بالوقائع، بل فقدان الذاتية. إنها الآخروية البحتة وغياب الذاتية. 


يمكن فهم جانب من هذه الآخروية من خلال الطريقة التي نظرت بها الممانعة إلى الولايات المتحدة. فأميركا، بوصفها منظومة حضارية لا مجرد دولة، ليست قوة ثابتة بقدر ما هي حركة دائمة. هي أشبه بإعصار تاريخي واسع يعيد تشكيل نفسه باستمرار. قوتها لا تكمن في تجنب الأزمات، بل في قدرتها على تحويل الأزمات نفسها إلى مادة لإعادة إنتاج ذاتها. هُزمت في حروب كبرى، وتعرضت لصدمات استراتيجية واقتصادية عميقة، لكنها استطاعت في كل مرة أن تحوّل جزءاً من خسائرها إلى أدوات جديدة للقوة.
 

هذا لا يعني أنها قوة بلا حدود أو بلا تناقضات. ففي داخل هذا الإعصار أزمات استقطاب وتآكل اجتماعي وتناقضات بنيوية عميقة. لكن ما يمنحه استمراريته حتى الآن هو موقعه في قلب الاقتصاد العالمي، وقدرته الاستثنائية على الابتكار، وعلى تحويل الجديد من ترف إلى ضرورة، ومن فكرة إلى نمط حياة يعاد تعميمه على العالم.
 

غير أن الممانعة لم تُحاكِ هذه الحركة. لقد حاكت صورة متجمدة عنها. أخذت من أميركا يقينها بذاتها، وتصوّرها الكوني لدورها، وإيمانها بقدرة الإرادة على تجاوز الوقائع، وثقتها الأخلاقية بمشروعيتها. لكنها لم تتنبه إلى موقع اميركا في العالم ولا الى الآليات التي تجعل هذا اليقين قابلاً للمراجعة، والتكيّف، والانكسار، والتعلم. والأهم أنها لم تأخذ في الحسبان الفارق الهائل في الإمكانيات التي تقف خلف هذا اليقين. وهكذا لم تكن تواجه أميركا من موقع ذاتي مستقل، بل من داخل صورة مستعارة عنها. لم تكن الندية ناتجة عن الإمكانية، بل عن التماهي.

Image-1774114722
فيدان

وهذا اللاتناسب كان قد عبّر عنه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بوصف يقارب هذه البراءة حين قال إن من لا يمتلك سلاح الجو، وقدرات الاستشعار والرصد، والبنية الاستخباراتية والتكنولوجية اللازمة، لا ينبغي له أن يدخل أصلاً ولو في سجال لفظي مع قوى بحجم الولايات المتحدة وإسرائيل. ليست أهمية هذا الكلام في مضمونه العسكري المباشر، بل فيما يكشفه من وعي بالموقع. فمعرفة الذات لا تعني معرفة ما تريد فقط، بل معرفة ما تستطيع أيضاً.

 

لكن البراءة التي نتحدث عنها لم تكن مجرد سوء تقدير سياسي او حتى استراتيجي. البراءة هي سمة لبنية وعي كاملة ومن هنا تأتي صعوبة مراجعتها؛ هي انعدام معرفة بالذات قبل كل شيء. فالمسألة ليست مجرد خطأ معرفي يمكن تصحيحه بمعلومة مضادة، بل هوية كاملة يصبح المساس بها أشبه بالمساس بالمعنى الذي تنتظم حوله الحياة الجماعية. ولهذا كانت كل هزيمة تُعاد قراءتها كتضحية، وكل تناقض يُمتص داخل السردية الأصلية، لا لأن الناس عاجزون بالضرورة عن رؤية الواقع، بل لأن الاعتراف الكامل بما يقوله الواقع قد يعني انهيار البنية التي تمنح التجربة كلها معناها.

ae5d4998-4b09-444e-9412-651aaa53778d.jpg
جدار برلين

في عام 1991 انهار الاتحاد السوفياتي. لم يكن ذلك مجرد سقوط دولة، بل انهيار منظومة عالمية كاملة تكوّنت من خمس عشرة جمهورية، تمتد على مساحة هائلة، وتضم مئات الملايين من البشر، وتمتلك ترسانات نووية وصناعة ثقيلة ومراكز أبحاث علمية وبرامج فضاء وجامعات وقاعدة تقنية ضخمة. كان مشروعاً معاصراً بالمعنى الكامل للكلمة. كان ينتج العلم والسلاح والتكنولوجيا، ونافس الرأسمالية الغربية لعقود طويلة. ومع ذلك انهار.

 

الدرس الذي كان ينبغي أن يفرض نفسه لم يكن أن مقاومة الهيمنة الأميركية مستحيلة، بل أن مواجهة منظومة بهذا الحجم والتعقيد تحتاج إلى أكثر من الإرادة والحق والشجاعة. تحتاج إلى معاصرة حقيقية؛ اقتصاد ومعرفة وتكنولوجيا ومؤسسات وقدرة على إنتاج القوة والتأثير في العالم وتوظيف كل هذا في فرض التصورات. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس عن حجم النفوذ العسكري أو السياسي الذي راكمته إيران، بل عن قدرتها على إنتاج مركز حضاري يولّد التصورات الجاذبة التي يمكنها أن تشكل بديلا يصمد أمام من تناصبهم العداء وتنبري للصدام معهم.


وإذا كان مشروع كوني بضخامة الاتحاد السوفياتي، يمتلك موارد هائلة وقدرات علمية وتقنية وعسكرية استثنائية، قد عجز عن الصمود في مواجهة دينامية النظام الرأسمالي العالمي، فما الذي يجعل مشروعاً أصغر بما لا يقاس، وأفقر أدوات، وأضيق أفقاً، يتوقع لنفسه ما عجز عنه السوفيات؟ لكن من قادوا هذا المشروع الذي تبنّى هذه الرؤية لم يطرحوا هذا السؤال على نفسهم بما يكفي، بل جرى امتصاصه داخل روايتهم عن نفسهم التي كان يفترض أن يسائلها.

 

وما يجعل المشهد أكثر تعقيداً أن هذه الجماعات لم تكن خارج الزمن الاميركي مادياً أو ثقافياً. لقد عاشت داخله يومياً، واستهلكت منتجاته، وبنت جزءاً كبيراً من حياتها داخل فضائه الاقتصادي والثقافي، حتى وهي ترفع خطاباً مناهضاً له. بل إن هذه البيئة كانت ترى نفسها بوصفها بيئة معاصرة ومتصلة بالعصر. فهي تريد أحدث الهواتف والسيارات والمنصات وأنماط الحياة، وتستهلك رموز المعاصرة اليومية كما يفعل أي مجتمع آخر. لكنها كانت معاصِرة استهلاكياً أكثر منها إنتاجياً. وهنا تكمن المفارقة.

 

يمكن لجماعة أن تكون معاصرة فيما تستهلكه، لكنها خارج المعاصرة فيما تنتجه. يمكنها أن تعيش داخل منتجات العالم الحديث، بينما تبقى عاجزة عن الدخول في الآليات التي تصنع هذا العالم وتحركه. لا في التكنولوجيا، ولا في الاقتصاد المعرفي، ولا في البحث العلمي، ولا في البنية الصناعية، ولا في المؤسسات القادرة على إعادة إنتاج القوة. ومن هنا فإن المشكلة ليست تناقضاً أخلاقياً بسيطاً. فالجميع تقريباً يعيش داخل هذا العالم. المشكلة أن هذا الاندراج جرى فهمه بوصفه نديّة، بينما كان في حقيقته تبعية لبنية لم تُفهم حركتها العميقة.

 

فالزمن الأميركي لم يعد مجرد نظام اقتصادي يمكن الوقوف خارجه. إنه الزمن الذي يتحرك العالم داخله، حتى حين يُعلن العداء لأميركا نفسها. إنه أفق يعيد تشكيل الرغبات والإدراك وأنماط الحياة من الداخل. وكلما ازداد العالم تعقيداً ازداد الخروج من هذا الأفق صعوبة. ولهذا فإن العالم الذي لم يُفهم في مرحلته الصناعية والمالية ثم خلال الثورة المعلوماتية سيكون أكثر استعصاءً على الفهم في مرحلته الجديدة مع الذكاء التوليدي والثورة المعرفية الراهنة التي تصنع أفق حياتنا للعقود القادمة. فالفجوة لم تعد بين من يملك السلاح الفعّال ومن لا يملكه فقط، بل بين من ينتج العالم ومن يعيش داخله.

 

ما يُقال هنا لا يتعلق بعدالة القضية نفسها. فالمظالم التي أنتجت هذه المقاومات حقيقية وعميقة. لكن عدالة القضية لا تكفي وحدها لتحديد فاعلية الأداة. السؤال ليس: هل الظلم موجود؟ بل: هل الأدوات المستخدمة قادرة على إنتاج أفق تاريخي مختلف، أم أنها تتحول تدريجياً إلى إدارة مستمرة للخسارة؟

 

قد تستطيع الميليشيات وحروب الاستنزاف إرباك قوى أكبر منها أو فرض أثمان عليها. لكن ثمة فرقاً بين أن يكون المشروع هو قدرة على الإزعاج وتحمل اكلاف هذا وتبعاته الباهظة والقدرة على بناء بديل حضاري. ثمة فرق بين نشر وتمويل ميليشيات لا افق حضاري لها وبين إنتاج شروط العالم الحديث الذي نعيش فيه.


وهنا يظهر المعنى الأعمق للرغبة المحاكاتية عند جيرار. فالكارثة لا تبدأ حين نحاكي الآخر، بل حين نقيم داخل صورته. حين نستعير منه تعريف القوة، ومقياس العظمة، وتصور الفاعلية التاريخية. عندها تصبح الرغبة أكبر من الإمكانية، وتصبح الندية متخيلة أكثر منها واقعية. وحين تؤمن جماعة بأن الإرادة المعنوية وحدها قادرة على تعويض النقص في المعرفة والتكنولوجيا والاقتصاد والمؤسسات في بناء النمط الذي تقدّمه، فإنها لا توقف الإعصار، بل تقف في مساره.

 

ما يبقى في النهاية ليس حكماً ولا إدانة. ما يبقى هو ذلك الأسى الثقيل الذي يُصيبك حين ترى جماعة كاملة كانت ترى نفسها في مرآة خصمها. فحين تحرك الخصم وتجاوز نفسه وأعاد اختراع ذاته، لم تجد هذه الجماعة نفسها أمام واقع جديد فقط، بل أمام مرآة أزيلت من مكانها، لا لأنها خسرت المعركة، بل لأنها لم تكن تمتلك يوماً ذاتية مستقلة تقف عليها حين تُرفع المرآة. البراءة القاتلة ليست أن تُهزم. هي أن تُهزم دون أن تعرف من أنت خارج صورة من هزمك.
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث