بعد ما يقرب من 63 عاما على صدورها، تُرجمت إلى العربية أخيراً أولى روايات ماريو بارغاس يوسا "المدينة والكلاب". وبالرغم من كونها العمل الأول، فإنه يمكن من خلالها ملاحظة الأساس الذي قام عليه المعمار الروائي الهائل للبيروفي النوبلي. يبدو يوسا متشبعاً بالحكاية، لا يختلقها، بل يستعيدها من الذاكرة. أما الفن، فيتجلى في الطريقة التي يروى بها تلك الحكاية؛ في البناء الدقيق لشخصياته حتى تتشكل ملامحهم أمام القارئ تلقائياً، كأنه يراهم رأي العين. لا يكتفي بسرد أفعالهم أو وصف هيئاتهم الخارجية، بل ينفذ إلى ما تضمره نفوسهم وتخفيه ضمائرهم! وهكذا ينجح، ببساطة مدهشة، في الإمساك بخيوط السرد جميعها، وفي إبقاء القارئ يقظاً ومنخرطاً في التفاصيل حتى الصفحة الأخيرة.
البداية
تنطلق الرواية من خطة يضعها عدد من طلاب مدرسة ليونسيو برادو العسكرية لسرقة امتحان الكيمياء، غير أن تلك الواقعة سرعان ما تتشعب وتفضي إلى اتهام بالقتل، فتبدأ الشخصيات في الانكشاف تباعاً: النمر، وألبرتو، والعبد، وتيريسا، وكابا، وغيرهم. لا يحصر يوسا أبطاله داخل أسوار المدرسة، بل يفتح أمام القارئ حياتهم خارجها أيضاً، كما يتنقل بين الأزمنة لنرى طفولة هذه الشخصيات، وطرائق تربيتهم، والظروف التي أسهمت في تشكيلهم. وتبرز هنا صعوبة تقنية ينجح الكاتب-ومن ورائه المترجم- في إدارتها بكفاءة؛ إذ تمتلئ الرواية بالقفزات الزمنية وتعدد الرواة، لكنها لا تعيق القراءة، بل تتيح مع الوقت فهما أعمق للشخصيات. وعلى هذا النحو، يتعرف القارئ إلى الدوافع التي سبقت اختياراتهم، واللحظات التي قادت إلى تمردهم وصيغه المختلفة. تمرد موجه ضد مؤسسة تسعى إلى تدجينهم ومسخهم، مؤسسة تدعي أنها تزرع بداخلهم الوطنية والرجولة والشرف، فيما ينخر الفساد والقسوة بنيتها من الداخل.
انسحاق
"سيدي الملازم، أقسم لك بكل مقدس، لم أكن أعرف ما الذي يعنيه أن يعيش المرء منسحقاً"، يقول النمر، أكثر شخصيات الرواية انسحاقاً، وإن بدا غير واع بذلك. مارست المدينة قمعها وتسلطها عليه، فسحقته وحولته إلى مجرم، غير أن هذا الانسحاق يتبدل، من دون وعي، مع يومه الأول في المدرسة العسكرية، فيغدو المنسحق قائدا للتحرر؛ يرفض "المعمودية" -طقس الاستقبال الذي يفرضه الطلاب الأكبر على "الكلاب"/المستجدين- ويقاوم، بل يفرض سيطرته منذ اللحظة الأولى زعيماً للمستجدين وقائداً لهم، على نحو يحاكي، إلى حد بعيد، ما يحدث في عالم الكلاب الفعلي حيث السيطرة للأقوى والأكثر عنفا. "حلقة" أو دائرة جهنمية من القهر يتبادل فيها الجميع أدوار الجلاد والضحية. في الوقت نفسه تغدو المدرسة العسكرية رمزاً للمدينة ذاتها في تلك المرحلة، وتجسيداً لتراتبية السلطة داخلها، وللفساد المستشري تحت السطح فيها.
ويؤكد يوسا هذا المعنى في تقديمه للرواية، إذ يصف المدرسة بأنها نموذج مصغر للمجتمع البيروفي بكل تناقضاته وتوتراته وعنفه وانعدام التفاهم بين طبقاته وفئاته المختلفة. ولهذا يكتسب الاقتباس الذي وضعه في مفتتح الجزء الثاني من الرواية، والمأخوذ من بول نيزان صاحب فلسفة "كلاب الحراسة"، دلالة خاصة داخل العمل.
صدرت الترجمة العربية للرواية عن دار الجمل في 540 صفحة، ويؤكد مترجمها مارك جمال، أهمية قراءة الكلمة الملحقة التي ألقاها يوسا في الأكاديمية الملكية الإسبانية في العام 2012، لما تحمله من مفاتيح أساسية لفهم النص. غير أنه يحذّر، بذكاء، من قراءة المقطع الأخير الذي يتضمن تأويلات مباشرة للرواية. ويكتسب هذا التحذير أهمية مضاعفة، ليس فقط لأن يوسا يتحدث فيه عن الجريمة وما أُثير حولها، بل لأن بنية الرواية تقوم أساساً على زعزعة اليقين وتبديل وجهات النظر تبعاً لتغير الأحداث التي يبني عليها القارئ فرضياته. وهكذا لا تتأكد رؤيته إلا على مشارف النهاية، وربما لا تتأكد على الإطلاق!
إعادة إنتاج التوترات
يذكر يوسا أنه بدأ كتابة الرواية في خريف العام 1958، مستعيداً تجربة عاشها بين عامي 1950 و1951 في مدرسة ليونسيو برادو العسكرية، وهي نفسها مسرح أحداث العمل. كانت تلك مغامرة لم يعرفها من قبل إلا عبر الروايات التي شغف بها في صغره. ولتوضيح السياق الذي كُتبت فيه الرواية، يشير إلى أن المجتمع البيروفي في تلك الحقبة -كحال كثير من مجتمعات أمريكا اللاتينية- كان منقسماً إلى قطاعات راكدة، لا تعرف كل فئة منها إلا القليل عن الأخرى، حتى يكاد ينعدم التواصل بينها: "فمن شأن طفل أو شاب ينتمي إلى الطبقة المتوسطة ويقيم قرب ليما -كما في حالتي- ألا يعرف إلا القليل عن البلد الذي وُلد وعاش فيه".
من هنا بدت المدرسة العسكرية مجتمعاً مثالياً يجمع أبناء مناطق وخلفيات مختلفة، ويتيح رؤية أوضح للبنية الاجتماعية. يقول إن كل طالب ذهب إلى المدرسة محمّلاً بعالمه الخاص، وأحكامه الاجتماعية والعرقية المسبقة، "وأحقاده وضغائنه أيضاً"، وهو ما أفضى إلى إعادة إنتاج التوترات وأشكال العنف نفسها داخل مجتمع المراهقين، لتغدو المدرسة صورة مصغّرة للعنف الأكبر الدائر في البلاد. لم يكن العنف الذي شاهده يوسا في تلك المدرسة مشابها لأي شيء شاهده من قبل، كان الشجار كما يصفه يغدو معركة حياة أو موت، وسط تشجيع جنوني من جمهور متعطش للدماء "كان المرء يشعر بأن تلك الشجارات لا تنشأ عن خصومات أو منافسات صغيرة أبداً، بل عن شيء ضارب في العمق والبعد، شيء ينبع من أعماق بيرو بحق". لذا جاءت الرواية كاشفة للمشكلات التي عاشها المجتمع في تلك الفترة: انعدام التفاهم، وغياب التواصل، والعنف المستتر، والصريح.
التحصّن في وجه الألم
تجربة كتابة الرواية ونشرها لم تكن سهلة أبداً، فقد حلم يوسا طويلاً بالتفرغ لكتابة رواية، غير أن العيش من الكتابة وحدها كان -ولا يزال- حلماً بعيد المنال لغالبية الكتاب. فكّر في التدريس والمحاماة والصحافة، ثم أنهى دراسته الجامعية ونجح في الحصول على منحة دراسية أتاحت له عاماً كاملاً من التفرغ؛ فكانت مغامرة مدرسة ليونسيو برادو فكرته الأولى، بطبيعة الحال. وفي أثناء التحضير للرواية، استعان بكل ما قرأه، ولا سيما الروايات الكبرى وأعمال همنغواي وفوكنر وفلوبير، بل وحتى روايات الفروسية. ومع المضي في الكتابة، أخذت تتكشف له معان جديدة في أعمال هؤلاء، فحفّزته على الاستمرار، خاصة وهو يحكي عن حياة مجتمع كامل من زوايا متعددة.
بدأ يوسا كتابة الرواية في مدريد وأتمها في باريس، غير أن محاولاته لنشرها باءت بالفشل، إلى أن وصل المخطوط إلى الباحث الفرنسي كلود كوفون الذي ساعده في الوصول إلى دار نشر صغيرة في برشلونة. سعت الدار بدورها لفوز المخطوطة بجائزة بيبليوتيكا بريبي تسهيلا لعملية نشرها، وهو ما تحقق بالفعل بعد مغامرات أخرى مع رقابة فرانكو. ورغم ذلك منعت الرواية بعدها، وقيل إن نسخا منها أحرقت داخل المدرسة نفسها. لكنها عاشت رغم ذلك. ومن هنا يرى يوسا أن قدرة الكاتب على تحويل الشقاء وخيبة الأمل والإخفاق إلى مادة للكتابة ليست إلا شكلاً من أشكال التحصّن في وجه الألم.. ويصف تجربة الكتابة بأنها غامضة ومعقدة، وإن كانت مليئة باللحظات السحرية: حين يكتشف المرء أنه قد حكى أكثر مما أراد، أو حكى بطريقة شديدة الاختلاف عما قد فكر فيه.
حققت "المدينة والكلاب" حلم يوسا في أن يصير روائيا، وكُتبت عنها مئات المقالات حول العالم، وتلقى كاتبها عشرات التأويلات التي عارضها في البداية ثم صدقها بعد ذلك، مؤمناً بأن الأدب، كالحياة تماماً، ينطوي على مضامين وتجليات تتمرد على السيطرة العقلانية المحضة: "في اعتقادي أنه من الأسباب التي تجعل الأدب على هذه الدرجة من الأهمية تحديداً، ذلكَ أنه لا يرمي إلى المتعة وحسب، بل وإلى فهم الحياة أيضاً".




