لا يكتب المسرحي الأميركي جون باتريك شانلي، حواراً مسرحياً بالمعنى التقليدي، بل يصيغ سيمفونية من الشظايا اللفظية. الحوار عنده ليس أداة لنقل الحبكة، بل ساحة معركة، وآلة تصوير تكشف التشوهات النفسية بالغة العمق لشخصيتين قذفت بهما الحياة إلى قاع التهميش.
الحوار في مسرحية "الوحش"، من تمثيل كارول عبود ودوري السمراني وإخراج جاك مارون، أشبه بحلبة ملاكمة في حانة منسية وموحشة. من تلك الحانة تبدأ المسرحية ويبدأ اللقاء بين "داني" و"روبرتا"، لقاء صدفة وحذر من الآخر، وفي جمل مبتورة، سريعة، خالية من المعنى الكامل، ندخل في صراع حلبة، بطلاها شخصيتان تستخدمان الجمل والألفاظ الحادة للدفاع أو الهجوم إزاء الآخر. "بعود عني"، "شو مشكلتك؟". الحذر سيد الموقف، والحركة الأولى تفضح ما وراء الشخصيتين من تشوهات عاطفية. هي ترقص وكأنها تتخبط مع نفسها، وهو ينزع ضمادات يديه ويعود ليربطهما مثل ملاكم يحتمي خلف هويته العنيفة ويصرخ بشتائمه ليرعب "روبرتا" قبل أن تكتشف ونكتشف معها أن في داخله طفلاً خائفاً يظن أنه قتل رجلاً لتوه.
بدورها "روبرتا" تواجه "داني" وترشقه بجمل وشتائم مناسبة لهجومه، قبل أن تتحول الكلمات والحوار السريع من صراع محتدم الى المشهد الثاني في غرفتها، إلى ما يشبه البوح والرغبة في طوق النجاة، بوح أشبه بالاعتراف توقاً إلى فعل التطهير. روبرتا تبوح بعقدة ذنبها، هي الأم المطلّقة التي تعيش مع والديها، والمهمشة والمستوحشة مثل شخصية "داني" الذي لا يفهمه أحد. هنا تتحول "روبرتا" ويتراجع غضبها الخارجي إلى كلمات أثقل وأكثر تلعثماً. حوار متقطع، فيه الكثير من الفواصل والنقاط، يُشعر بالاختناق الذي تعيشه الشخصية.
حياة لا تشبه الحياة
ينجح المخرج جاك مارون في تفكيك نص الكاتب الأميركي المتناقض والصارخ، يستعين بخشبة مسرحية متقدمة نحو الجمهور لنكون أكثر التصاقاً بدلالات الشخصيتين وقلقهما وتحولاتهما. كما تنجح أرزة خضر، في لبننة النص بتفاصيل محلية ومفردات عامية، مبرزة اللغة الشاعرية وهي سمة حوارات شانلي المتوارية خلف العنف الواقعي وشتائم القاع الإجتماعي. عندما يتحدث داني عن رؤيته للبحر، أو عندما تصف روبرتا شعورها بأنها "مخلوق قبيح"، نجد أن النص يرفع لغة الشارع إلى مستوى التراجيديا الإغريقية.
إنها "شعرية الألم الإنساني" التي تجعل المشاهد يرى النور في أكثر العبارات ظلمة وإيغالاً في قاع المدن. ويتحول العرض من كلمات ضائعة وغير مفهومة داخل الموسيقى العالية، إلى صراخ في المشهد الأول، ثم همس وبوح في المشهد الثاني. هنا تصبح الجمل أطول والشخصيتان أوضح. النبرة تتحول إلى الهمس مع مفردات جديدة وغريبة عن الشخصيتين. "المغفرة"، "المستقبل"، "الزواج". هذا الانتقال اللغوي هو الدليل الوحيد على أن "الخلاص" ممكن جداً حين تتروض الوحوش الداخلية، ومن خلال ترويض الكلمات في مسرحية "الوحش" أو "داني والبحر الأزرق العميق" في نسختها الأميركية، نقترب من مفهوم الحوار المسرحي لا كمجرد تبادل للحديث، بل كفعل مادي يغير مصائر الشخصيات.
الكلمات في بداية المسرحية، كانت سكاكين يمزق بها البطلان جسد العالم، وفي نهايتها باتت ضمادات يربط بها كل منهما جروح الآخر. إنها حوارات لا تُسمع بالأذن وحدها، بل تُحسّ كضربات قلب متسارعة تبحث عن الطمأنينة وسط العاصفة. هكذا قدمت كارول عبود واحدة من شخصياتها المركبة دائماً على خشبة المسرح وفي الشاشات الصغيرة، وهكذا يكمل دوري السمراني في اجتهاد مستمر ليقدم خامة ممثل مهموم بعمق شخصياته.
لا تدور مسرحية "الوحش" في عالم مثالي يشبه عوالم الافتراض أو الشاشات، بل هي من لحم ودم وأعصاب مكشوفة. هي صرخة احتجاج ضد التهميش العاطفي، وتأكيد للمشاهد أبن أقسى البشر وأعنفهم ربما يكونون الأكثر احتياجاً لغمرة حنونة وكلمة مغفرة تصدر في ليلة مظلمة وسط البحر الأزرق العميق..أي الحياة.




