تنتمي تجربة عبد الله الحامدي زمنياً إلى جيل التسعينيات الشعري في سوريا، ورغم هيمنة قصيدة النثر على مجمل النتاج الذي ظهر في ذلك العقد، إلا أن الشاعر ومن خلال كتابه الأول "وردة الرمل" 1995، حاول أن يجمع في كتابته إمكانية تجاور قصيدة التفعيلة مع النثر في إطار واحد يبنى على ما يريد الشاعر قوله، من دون جعل الشكل عنواناً لشعريته. هذا المسعى لم يختص به الحامدي وحده، بل ثمة أسماء أخرى حاولت أن تفعل الأمر ذاته من دون أن تثيرها عصبوية الجماعة الأدبية للنوع الذي تكتبه.
وفي الدوحة حيث أقام حتى الآن، وجد الحامدي إمكانية واضحة للاستمرار في النهج ذات، بالتراصف مع تجارب لشعراء من بيئات مختلفة، اجتمعوا على تشكيل جماعة شعرية حملت اسم "قلق"، جمعت في تاريخها أسماء فاعلة في المشهد الشعري العربي، واشتغل أفرادها على تعدد المجال الشعري، من دون التنافر بسبب اختيار أسلوب أو مذهب.
الحامدي ومن خلال كتبه التي أصدرها في قطر، ظل مخلصاً لعفوية الكتابة، ولم تدفعه تأثيرات وتحولات المشهد الشعري العربي في بداية الألفية الجديدة إلى تغيير المسار، ليس بسبب معاندة التغيير، وإنما بسبب نداوة التجربة والحرص على بقائها مرتبطة بالبيئة الأولى في الشمال السوري، لا سيما بلدة عامودا التي تحضر في غالبية ما يكتب، بوضوح وتصريح أو بأثر شفيف يومض للقارئ بأهمية العودة إلى "البيت"!
طيلة سنوات الثورة، بقي الحامدي على رؤيته في ضرورة أن يعيش السوريون أحراراً، وكتب في ديوانه "الرهوان" 2015 عن مشهدية الحرب والدم، وبكى في قصائده "أحزان الحمام الدمشقي" وذاكرته عن المدن التي عشقها، من دون أن يتورط في جعل السياسة فاقعة الحضور في الكتابة، وربما كان السبب تأملاً من نوعٍ ما، إذ يرى بأن الشاعر يستطيع أن يقتل من خلال الكلمة، وهذا ما لا يجب أن يفعله!
الآن، وبعد خلاص السوريين من نظام القمع الذي حكمهم لأكثر من نصف قرن، وارتكب بحقهم أفظع الجرائم، أصدر عبد الله الحامدي كتابه الشعري الرابع، الذي حمل عنواناً مباشراً وعلى غير عادته في اختيار العناوين ويقع في قلب القصة، هو "السوريون"!
الشعر في هذا الكتاب، يبقى على الأرضية الصلبة التي يعمل فيها خيال الشاعر، وهو يحكي عن آثاره المتروكة في الذاكرة وفي الأرض البعيدة بتاريخها الدموي غير القابل للنسيان:
"آثارِي النَّائِمَة
لَمْ تَعُدْ تُطِيقُ الضَّجِيجَ مِن حولها
طفقت مفزوعةٌ مِن نومها
هامَتْ في البراري والحواري
والمدارس كلها
تبحث
عَنْ تلاميذ حَفَظُوا أسماءَهَا
مُعَلِّمِينَ ذُبِحُوا فِي ساحاتِهَا
ودقت ساعة قيامتها!
ها هم القادمون يلمعُونَ تحت سياط الشمس
السيوف تنفر عطشى من متاحفها
الفتيات الصغيرات يسألن خائفات:
ما اسم الحصة القادمة المطرزة بالدم؟!
ما اسم الأمة التي أتيْنَا مِنها ذاتَ يَوم؟
وَحَلَّ الدُّخَانُ...".
تعدد المسارب بين النثر والتفعيلة وحتى النص العمودي، استمرار لما سبق، لكن ما يخطف المعنى هنا يتأتى من السياسة كمفهوم يجبر المرء على قول ما يحاول أن يخفيه عبر المجازات. إنها تظهر هنا وكأنها ملاط النصوص، التي تتوزع عناوينها الأساسية بين سوريا بجغرافيتها من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، من عامودا إلى الشام، وبين بيروت وغزة، والحروب التي عصفت بالعقول والذاكرة منذ عاصفة الصحراء، التي ينشر نصاً كتبه عنها في العام 1991.
لا يتخلى الشاعر هنا عن نداوة الصورة ودفئها، لصالح الصلابة والبرودة القاسية، وهو يستعيد كما في كل كتبه علاقته بالمدينة الحلم عامودا، والتي صار البعد عنها نزوحاً من الجنة، بل يحاول أن يكون الشعر تعبيراً عن صراع قديم بين الأنسنة وبين التشيوء، فسوريا هي معزوفة "فلوت" متنوعة الإيقاعات وفي رأس كل سلم موسيقي عنوان حاضرة من حواضرها.
لكن هذه الجغرافيا المبسطة سرعان ما تتقد على شكل مختلف، حين يدوّن وتحت عنوان "السوريون" شكلاً آخر للانتماء، فهو يوزع القوم بين بين ماضِينَ وآتِينَ، ويضع بين الجهتين سوريين أندلسيين وروس، وأميركيين، وفرس وترك! وكأنه أراد أن يرسم مشهدية موازية للصراع السياسي، لكن بلغة لا تميل نحو العنف، بقدر ما تريد أن تقول ما يجري وفق رؤية المتأمل من بعيد، ولكن الغارق في التفاصيل:
"هَذَا أَوْ ذَاكَ
كُلِّ مِنَّا مَنْفِيٌّ أَوْ مَنْسِيٌّ
فَرْدًا فَرْدًا وَجَمَاعَاتْ
فِي أَصْقَاعِ الدُّنْيَا
في الأفلاك
رَبَّاه
هَبْنَا كَهْفًا مَلْمُوْمًا
نَسْتَلْهِمْ فِيْهِ الذَّاتْ
يَوْمًا أَوْ بِضْعَةَ أَيَّامٍ
وَنَكُوْنُ
سَنَكُوْنُ"
التصور الملحمي عن الجماعة الهائمة على وجهها، الضائعة في البوادي والقفار بحثاً عن ملاذ آمن، يحضر هنا، لكن المفارقة التي يُبنى وفقها النص، تقول بأن حدود الحدث وتفاعلاته تودي بأفرادها لأن يلبسوا وجوه الآخرين في لحظة ما، من دون فقدان الأمل في العودة.
تحضر في الديوان، وعلى هامش هذا الأثر الكبير للوقائع السورية، خيالات مختلفة عما سبق للحامدي مقاربته في كتبه السابقة، ولعل هذا انكشاف على الواقع بسبب تلاشي الأثر القاتم للخوف العميق الذي زرعته الذكريات السورية المنقضية بفعل سقوط الأسدية.
وهذا ما يقودنا إلى سؤال عن قدرة الشعراء على تورية موقفهم حين يكون هذا الفعل محاولة للمحافظة على نقاء القصيدة، وربما يفتح البحث عن جواب المجال واسعاً، لتلمس هذه الالتماعات في نصوص من حاول تجنب الانغماس في الواقع.




