نزار مرتضى: في المدن لا تختفي المباني دفعة واحدة

المدن - ثقافةالخميس 2026/05/28
المباني الزائلة
البيوت ليست مجرد جدران
حجم الخط
مشاركة عبر

في المدن لا تختفي المباني دفعة واحدة. إنها تغادر ببطء. تبدأ أولًا بالخروج من الذاكرة اليومية من دون أن ننتبه، ثم تتراجع تفاصيلها شيئًا فشيئًا إلى أطراف النظر، قبل أن تأتي الجرافات لتنجز، في أسابيع قليلة، ما كانت السنوات قد بدأت به بصمت. لكن بعض المباني يقاوم هذا المصير على نحو مختلف، لا لأنه أكثر صلابة من غيره، بل لأنه ينجح، دون قصد منه، في أن صبح جزءًا من حياة الذين ينظرون إليه كل يوم.

 

في حي الأشرفية، قرب مدرسة الليسيه الفرنسية، كان يقف مبنى قديم مؤلف من ثلاث طبقات، ينهض بلونه الأصفر كأنه بقية شمسٍ تأخرت في الرحيل عن المدينة. لم تكن شرفاته مجرد امتدادات حجرية معلّقة على واجهته، بل كانت تحمل شيئًا من الروح، شيئًا يجعلها أكثر حياة من الجدران نفسها. كنت أقرأ المبنى من خلال شرفاته المقابلة لنا. أقرأه كما تُقرأ الصفحات المفتوحة بلا كلمات. أتتبع انحناءات الحديد، والسكون الذي ينام فوق الحواف، والمسافات التي تركتها الأيام على أطرافها، وكأن لكل شرفة حكاية صغيرة لا تُقال بل تُرى فقط.

 

فالمباني القديمة لا تُفهم من أبوابها بقدر ما تُفهم من تفاصيلها الصغيرة التي تنسى نفسها أمام العابرين، وتبوح بها لمن يتأمل. وربما لهذا كانت الشرفات أكثر ما يستوقفني. فهي ليست مجرد عناصر تضاف إلى الواجهة أو حلول إنشائية لزيادة المساحة، بل هي ما يمكن وصفه عمرانيًا بالفضاءات الوسيطة. تلك المناطق التي تتقاطع فيها الحياة الخاصة مع المجال العام، حيث لا يبقى البيت منغلقًا تمامًا على ذاته، ولا تصبح المدينة متطفلة على سكانها.

 

في أحياء مثل الأشرفية، وخصوصًا ضمن النسيج العمراني المحيط بمدرسة الليسيه الفرنسية، كانت هذه الأبنية تنتج علاقة مختلفة بين السكان والشارع. لم تكن الواجهات أسطح صامتة كما تبدو كثير من واجهات الأبراج المعاصرة اليوم، بل كانت واجهات حيّة تمارس حوارًا يوميًا مع المدينة.

 

كانت الشرفة في الطبقة الأولى أقرب إليّ من غيرها، رغم أن مسافة وطريقًا وزمنًا مجهولًا كانت تفصلنا. كنت أقرأ فيها السلام كل صباح على سيدة تبدو في أواخر عقدها السابع. لم أعرف اسمها، لكن الوجوه التي تتكرر تصبح مع الوقت مألوفة كالأسماء، وربما أكثر. كانت تقف أو تجلس هناك كجزء ثابت من المشهد، كأن الشرفة خُلقت لتحتضن حضورها الهادئ.

 

وخلال فترة ما بعد الظهر، كنت أراها جالسة في الركن نفسه، متجهة بوجهها نحو الشرق، وإلى جانبها زوجها الذي نادرًا ما كنت ألمحه في الصباحات الباكرة كما كنت ألمح زوجته. كان حضوره أقل ظهورًا، لكنه حين يجلس بقربها يبدو وكأنه كان موجودًا طوال الوقت، كتفصيل لا تلتقطه العين من النظرة الأولى. لم أكن أسمع حديثهما، لكن الصمت الذي كان يجلس بينهما لم يكن يبدو فارغًا. كان يشبه ذلك النوع من الألفة الذي لا يحتاج إلى كلمات كثيرة.

 

كنت أحب مشاهدتهما، وأجد نفسي أتمنى لو أستطيع سماع حديثهما، ليس بدافع الفضول، بل لأن المشهد كله كان يوحي بأن الكلمات التي تدور بينهما ليست عادية. كنت أراقب التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد عادة، خصوصًا حركة يد الزوج حين كان يرفع يده اليسرى بأناقة ليُبعد سيجارته ودخانها المتصاعد عن جسده. كانت حركة هادئة ومدروسة إلى حد غريب. لا تبدو عفوية تمامًا، كأن مخرجًا سينمائيًا لقّنه إياها مرارًا قبل أن يتركه يؤديها أمام الكاميرا.

 

لكن مشهد الزوجين انطفأ قبل ذلك بسنوات طويلة. منذ ما يزيد على ست سنوات تقريبًا لم تعد الشرفة تؤدي دورها اليومي الذي اعتدته. لم تعد السيدة تظهر في صباحاتها الهادئة، ولم يعد الرجل يجلس إلى جوارها بالحركة ذاتها التي حفظتها ذاكرتي. أُغلقت نوافذ الشرفة، وانسحب منها حضور اعتادت العين أن تعثر عليه من دون أن تبحث عنه.

 

كان بإمكاني أن أسأل أحدًا من الجيران. سؤال صغير ربما كان كافيًا ليكشف مصيرهما، لكني لم أملك الجرأة الكافية لذلك. لم يكن خوفي من الجواب نفسه، بل من احتماله. كنت أخشى أن يحمل لي خبرًا يترك في داخلي ذلك النوع من الكمد الذي يصعب تفسيره، الحزن على أشخاص لا نعرف أسماءهم، لكننا نعرف مواقعهم في يومنا، ونعرف إيقاع وجودهم في حياتنا.

 

لذلك أغلقت الستارة على الأسئلة وتركتها معلقة بلا إجابات. اكتفيت باحتمالات أقل قسوة وأرحم بالمخيلة. تخيلتهما عصفورين كان لهما عش صغير في تلك الشرفة ثم هجراه ذات يوم نحو مكان آخر لا أعرفه. وأحيانًا كانت تراودني فكرة أغرب. أن كل ما شاهدته لم يكن إلا أداءً سينمائيًا طويلًا، وأن الشرفة لم تكن سوى خشبة مسرح مرتفعة قليلًا عن الشارع، وأن الرجل بسيجارته، والسيدة بصمتهما الهادئ، لم يكونا إلا ممثلين أنهيا دوريهما وغادرا بعد انتهاء العرض.

 

قبل نحو شهر بدأت أعمال إزالة المبنى. في البداية بدا الأمر وكأنه تدخل تقني عابر. أصوات معدنية، حواجز مؤقتة، وحركة غير مألوفة للعمال. ثم أخذ المبنى يفقد أجزاءه تدريجيًا، لا بطريقة مفاجئة، بل كما لو أنه ينسحب ببطء من المشهد الذي ظل جزءًا منه لعقود. اختفت تفاصيل صغيرة أولًا، أجزاء من الشرفات، نوافذ كانت تنعكس عليها شمس الصباح، والزوايا التي اعتادت العين أن تحفظها بلا قصد. ثم أخذت الواجهة تتلاشى طبقة بعد أخرى إلى أن اختفى المبنى بأكمله، كأن فراغًا جديدًا فُتح فجأة في ذاكرة الحي قبل أن يُفتح في نسيجه العمراني.

 

فالمفارقة أن المدينة حين تهدم مبنى لا تفقد كتلة مادية فحسب، فهي تفقد أيضًا شكلًا من أشكال الحياة التي كانت تنتظم داخله وحوله. فالعمارة ليست إنتاجًا للأشكال بقدر ما هي إنتاج لأنماط العيش. وكما يشير ألدو روسّي في حديثه عن الذاكرة الحضرية، فإن المدينة لا تُبنى من الحجر وحده، بل من تراكم الأحداث والعلاقات التي تستقر داخل الفضاءات مع الزمن.

 

اليوم لم يبقَ من المبنى سوى أرض مكشوفة تستعد لاستقبال بناء جديد. وربما سيولد فوقها برج أعلى وأحدث وأكفأ من الناحية التقنية. لكن السؤال الذي يرافق كثيرًا من تحولات المدينة لا يتعلق بما سيُبنى، بل بما سيُمحى أثناء البناء. فالتنمية العمرانية لا تعني دائمًا إضافة طبقات جديدة للمدينة؛ أحيانًا تكون أيضًا عملية محو هادئة لذاكرتها.

 

وربما لهذا لا أشعر أن ما هُدم كان مجرد مبنى قديم. فما سقط لم يكن جدرانًا وشرفات وحجارة فحسب، بل ستارة أخيرة أُسدلت على مشهد ظل يعرض نفسه أمامي لسنوات طويلة، بينما كنت أعتقد، بسذاجة جميلة ربما، أنه لن ينتهي أبدًا.

 

(*) عن فايسبوك

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث