في روايته "السفر إلى كعكة القمر" يفتح الكاتب الفلسطيني زياد خداش بوّابةً غريبة بين الخيال العلمي والذاكرة الفلسطينية، حيث يصبح السفر عبر الزمن محاولةً يائسة لملامسة ما سُرق منه. يعود خداش إلى بيت نبالا قبل النكبة، كأنه ابن يريد أن يرى أمّه طفلةً وأباه قبل الخراب. في هذا الحوار مع "المدن" يتحدّث خداش عن فلسطين بوصفها جرحاً زمنيّاً، كما نسأله عن الأدب كوسيلة وحيدة لمقاومة الذوبان، وحفظ القرى داخل اللغة والذاكرة والسرديّة الفلسطينيّة.
لماذا اخترتَ الخيال العلمي، والسفر عبر الزمن تحديداً، للدخول إلى النكبة الفلسطينيّة؟
لأنّي لن أستطيع الوصول إلى ابتسامة أُمّي الطفلة ذات الخمس سنوات، ولا إلى أبي ذو التسع سنوات العبقريّ في الحساب في مدرسة القرية الابتدائيّة، إلّا بالسفر عبر الزمن. ساعدتني صديقة مصريّة، والدها يساريّ قديم، وهو صديق لشخص متنفّذ في القوّة الأمريكيّة التي تحرس هرم باكا بمصر، وهو الهرم المعروف ببوّابته النجميّة الحقيقيّة بعيداً من ترندات البوّابات النجميّة الكاذبة التي تنتشر عبر الوسائل ميديا.
ثمّ إنّ سؤال: (أين ذهب أمس؟) ينجح في كثير من الأوقات في رَمْيي على فراش الهلوسة القَلِق، طريح حنين غريب يشبه المرض، أو الاختلال العقليّ.
فقط بهذه الطريقة سقطت فوق قريتي (بيت نبالا قضاء الرّملة) قرب الجامع تماماً، في صيف عام 1974، وهناك لعبتُ أنا الستّينيّ القادم من عام 2024 بشعر أُمّي، وتلقّيت صفعة من جدّي الذي ظنّني عجوزاً متصابياً.
في الرواية يبدو الزمن نفسه نوعاً من الاحتلال، هل كنت تكتب عن فلسطين، أم عن العجز الإنساني أمام التاريخ؟
أحببت هذا السؤال. سأردُّ عليكَ أيضاً بأسئلة. هل كانت رؤية أُمّي وأبي قناعاً لرؤية فلسطين الغضّة الشابّة الآمنة التي بلا احتلال، بلا تهجير؟ هل كانت فلسطين مثل أُمّي وأبي هناك، تنام بلا كوابيس وبأمان من تهديد غرباء في الجوار؟ ربما.
هل كانت رؤية أبي وأُمّي قناعاً لاختبار العجز الإنسانيّ أمام الوقت؟ هل كان عجزي أمام الزمن هو دافعي اليائس والمحموم لرؤية أُمّي وأبي؟ ربما.
باختصار، العجز أمام اختبار الزمن دفعني للكتابة وزيارة فلسطين الأصليّة. هو نفسه العجز الذي دفعني باتجاه هلوسات شخصيّة لرؤية أُمّي وأبي طفلين. الأدب نفسه هو ردّ على العجز أمام الزمن.
الرواية تبدو وكأنّها مواجهة مع فكرة "لو". فصل لنا الأمر؟
أجمل ما أحببته في روايتي هو أنّي ذهبت دون نيّة تغيير أيّ شيء، وبوعي كامل لاستحالة التغيير. هذا بالطبع تناقض فظيع بين هذا الوعي المعذّب وبين نجاحي في اختراق الزمن. حتّى لو كان بيدي أن أغيّر، لما غيّرت. فلو غيّرت لصارت الرواية أداة طمأنينة وحلّ، والأدب ليس متخصّصاً في طمأنة القارئ وحلّ أزماته، هو متخصّص في صدم القارئ واستدراجه لأسئلة صعبة، وتوريطه في المفارقة والتناقضات.
لو، نعم لو، عشت هناك طفلاً مع أُمّي وأبي، جاراً لهما، أو حتّى زميلاً لهما في المدرسة، لفرحت كثيراً وأنا أراقب نموّهما أمامي.
لو أنّ أهلي وشعبي في القرية رفضوا الخروج وتمسّكوا بالبقاء، لو أنّ قادة المرحلة كانوا أكثر وعياً وأكثر وحدة، لو كلّ ذلك حدث لكان الوضع مختلفاً وجميلاً. لكن كلّ الأمنيّات الساخنة لم تقدر على إيقاعي في فخّ التغيير واللعب في الأحداث، لأنّ ذلك سيكون ضدّ منطق البنية الروائيّة الدراميّة.
ثمّة حنين جارح في الرواية إلى بيت نبالا، إلى الطابون، إلى التفاصيل الصغيرة أكثر من الأحداث الكبرى. هل ترى أنّ الذاكرة الفلسطينيّة الحقيقيّة تسكن اليومي أكثر ممّا تسكن الشعارات؟
أتفق معك تماماً. الذاكرة الحقيقيّة الصافية من البلاغة والاستخدام الدينيّ والسياسيّ هي ذاكرة شعبي، وللأسف هذه الذاكرة مُحارَبة. فهي تُلزم السياسيّ بأن يكون صادقاً ووفيّاً، وهذا لا يتماشى مع بنيته الذهنيّة القادمة على بنية الصفقة، وهي تُلزم الإسلام السياسيّ بأن يكون وفيّاً للمحمولات الشعبيّة بعيداً عن الترهات الغيبيّة. ورطتنا ليست فقط مع أعداء ذاكرتنا القوميّين، إنّها أيضاً مع مزوّريها من سياسيّينا ومن رجال الدين الذين يستخدمون إرثها الدينيّ الشعبيّ الصافي الأصيل لصالح مصالحهم السلطويّة.
بالنسبة لذاكرة المكان، الرواية احتاجت منّي شهورا طويلة من مقابلات مع مسنّين رسموا لي البلد زقاقاً زقاقاً، وبيتاً بيتاً، وحارةً حارة. حفظت بيت نبالا كما أحفظ اسمي، العائلات، بلهاؤها وبيّاراتها، طوابينها وأشجارها وآبارها. هذا يصطفّ في ذهني مع وصف أبي وجدّي لأمكنة البلاد.
ألا تخشى أن تتحوّل فلسطين في الوعي الجديد إلى "أرشيف للحنين"؟
لن أخاف على فلسطين لو تحوّلت إلى أرشيف حنين، فأرشيف الحنين هذا حتماً سيتوقّف عن الحياة في حال انتفى سببه، وهو الاغتراب الذي ما زال الاحتلال والاستعمار يتسبّب به.
صحيح أنّ رفع صورة المفتاح كلّما جاءت ذكرى النكبة يبعث على الملل، وصحيح أنّ مقاربة ذكرى النكبة بجمل وعبارات مكرّرة مثل: (عيدنا يوم عودتنا. العودة حتميّة.) وغير ذلك لم يعد يثيرنا. نحن نحتاج إلى تغيير كلمات اليافطة. هذا يذكّرني بمتسوّل أعمى كتب على كرتونة قربه: ساعدوني. فلم يساعده أحد. فمرّت عليه امرأة ذكيّة وغيّرت كلمات الكرتونة: يا له من نهار جميل، لكنّي للأسف لا أستطيع أن أراه. وتدفّقت النقود على الأعمى بعد التغيير.
الإصرار على إحياء الذكرى يحتاج إلى مقاربات أكثر إثارة وعمقاً وعصريّة، لا يغيب فيها الحنين، لكنّه لا يتحوّل إلى شعار سنويّ مكرّر وجامد.
شخصيّة "هايل/زياد" تعيش انقساماً بين زمنين وهويّتين وجسدين تقريبًا. هل هذه الشخصيّة تمثّل الفلسطينيّ المعاصر برأيك؟
هايل امتلك المعرفة وامتلك سرّ اللجوء، لكنّه لم يقدر على استخدامها لأنّ زمنها انتهى، هو زمن دفع الثمن، زمن التعلّم، زمن التأمّل في الخطأ الكبير.
هايل لم يرضَ أن يضحك على الناس وعلى نفسه ويقول لهم: هيا غيّروا الأحداث لأنّه سيحدث كذا. لسببين: حتّى لا يخذلني أنا كاتب النصّ، لديّ شروطي الفنّيّة ولديّ رؤيتي. والثاني أنّه لا يريد أن يتحوّل إلى مبشّر أو بطل. هايل لا يؤمن بالبطولة، هو شخص مهزوم يحاول أن يفهم وأن يقترب من جذور هذه الهزيمة.
الرواية تقف ضدّ النموذج الغربي التقليدي للسفر عبر الزمن، حيث يستطيع البطل إنقاذ العالم أو تغيير التاريخ. هل أردت القول إنّ المأساة الفلسطينيّة أكبر من أيّ تقدّم تقني؟
ليست هنالك من تقنيّة تستطيع أن تغيّر الأحداث أو تبدأ العالم من جديد. كلّ مآسي العالم وأحداثه لن يستطيع أحد اللعب فيها، بما فيها فلسطين، مأساةً وشهداء وتحوّلات مجنونة.
نعم، هي أكبر وأعمق وأشدّ تعقيداً بصفتها تجربة خيبة كونيّة من أن تُستعاد أرضاً وفضاءً وسياقاً ثقافيّاً وحياةً بالسفر عبر الزمن. سافرتُ عبر الزمن وأقنعتُ قرّائي أنّي سافرت فعلاً. تماهى القارئ مع كذبتي التي هي كذبته أيضاً، مع وَهْمي الذي هو وَهْمه.
الفنون، ومن ضمنها الأدب، هي أسلوب العالم في صنع نشوة التوهّم بالتغيير واختراق المكان والزمان وعيش عالم فنّي موازٍ. فنحن نحبّ الفنون، ونعشق طريقتها في تفسير الأشياء. نحتاج هذا التفسير، هذا الكذب الذي هو عزاؤنا وجنازتنا وميّتنا.
اللغة في الرواية بسيطة، لكنّها مشبعة بالرموز والقلق. هل تعمّدت الابتعاد عن اللغة الثقيلة لصالح التدفّق العاطفي؟
لن تكون لغة هذا السفر إلّا لغة الشخص الذي يتذكّر ويروي ما حدث له. لغة مذكّرات، والمذكّرات لا تهتمّ بالتزويق والمجاز، همّها هو قول ما رأت ووصف ما أحسّت.
هايل شخص بسيط ومسكين "على البركة"، وقوله إنّه يريد فقط أن يلعب بشعر أُمّه وهي طفلة، هذا القول عندي هو منتهى الجمال والعمق والبلاغة. يعني هذا أنّ ليس لدى الراوي وقت لاستعارة أو فلسفة أو شعر، هو مستعجل للمس وجه أبيه.
لماذا اخترت عنوان "السفر إلى كعكة القمر" تحديداً؟ ما الذي تمثّله كعكة القمر داخل الرواية: الطفولة، الهويّة، أم الحلم المستحيل؟
سألتُ مرّة عمّتي التسعينيّة حليمة، ماتت قبل سنتين: احكي لي عن أشهر حلويّات قريتنا المهجّرة.
حكت لي عن العشرات من الأنواع، لكنّي صُعقت بـ(حلوى كعكة القمر). طلبت من عمّتي أن تعيد لفظها، فأعادتها ووصفتها لي بالتفصيل. وهنا قلت لنفسي: بس هاي هي. سأكتب عن حلوى كعكة القمر. هويّتي حلوى بلادي ومستحيلي.
لو امتلكت فعلًا فرصة السفر إلى فلسطين ما قبل 1948، هل كنت ستخبر الناس بما سيحدث، أم ستصمت؟
سؤال مُربِك. لكنني أمام سؤالك أعتقد أنني لن أخبرهم أبداً. لا أريدهم أن يعيشوا الجحيم مرّتين.
بينما كنت تكتب الرواية، كانت فلسطين تعيش حرباً ومجازر مستمرّة. كيف أثّر الحاضر الدموي على شكل النص؟
أصلًا المجازر هي التي دفعتني أكثر للسفر إلى قريتي. شيء يشبه أن أستعجل الفهم: ما الذي حدث ولماذا؟ ثمّة دافع خفيّ أحسّه يشتغل داخلي. ما هدف كلّ هذه المذابح ضدّ شعبي إن لم تكن لمحو ذاكرة شعبي؟
شيء ما كان يقول لي: أسرع إلى القرية واحفظ أسماء آبارها بئراً بئراً، وكأنّي أردّ على المحتلّين بالتراجع إلى زمن قديم وبلع قريتي وحفظها داخل عروقي لحمايتها من الذوبان.




