"لا أفهم لماذا يتوقع الناس أن يكون للفن معنى وهم يتقبلون حقيقة أن الحياة لا معنى لها" (دايفيد لينش).
تتصدّر هذه العبارة الكاتالوغ المخصص لمعرض الفنان محمّد الروّاس الحالي، الذي يُقام لدى "غاليري صالح بركات" (شارع كليمنصو)، وذلك تحت عنوان STOP MAKING SENSE، أي ما معناه "دع المنطق جانباً". يضم المعرض مجموعة من الأعمال، صغيرة الحجم في معظمها، ذات طابع تركيبي، يعيد الفنان من خلالها اللجوء إلى العناصر والتآليف الجديدة، التي ميّزت أعمالاً له كنا رأيناها في معارض سابقة.
تبدو أعمال الروّاس أشبه بمساحة أو حقل تتداخل فيه صور وأفكار قد لا تنتمي إلى زمن واحد، بل إلى أزمنة مختلفة. في نتاج الفنان لا يكمن العمل الفني في الشيء المُنتَج، بل في العلاقة المنسوجة بين الإبداع والتلقي، في هذا الزمن، متعدد الأوجه، حيث يلتقي الفنان والعمل والمتلقي، ويتفاعلون ويؤثرون في بعضهم بعضًا. يكشف زمن الإبداع أن الفن لا يتعلق بالإتقان التقني بقدر ما يتعلق بالانفتاح على الصدفة الإبداعية، ولا يتعلق بإنتاج الأشياء بقدر ما يتعلق بتحريك العالم. يتمحور أسلوب الرواس حول الخلط والتركيب والتنويع، لذا على المشاهد أن يتوقف عند العمل في لحظة تأمل كي يدرك قصد الفنان، غرافيكياً ولونياً، أو في تلك العناصر المضافة إلى تأليف اللوحة، وفي تحريكه الأدوات التي تشكل لوحة ضاربة عميقاً في الواقع مع مسحة من الخيال. من هنا، لكل عنصر من عناصر اللوحة عند محمد الرواس معنى رمزي، يفتح الباب إلى ولوج عوالم لامتناهية، يرى فيها المتفرج بعضاً من عالمه هو، ومحاكاة لمشاعر متناقضة تخالجه.
يصف مفهوم "الصنع" هذه القدرة على التحول العميق من أجل خلق حركة تتجاوز مجرد الفعل الأداتي. في عصر الوساطة الرقمية، يُعاد تشكيل هالة العمل الفني، فلم يعد يكمن في فرادة الأصل، بل في تفرد كل تجربة كما في الأعمال الحاضرة أمامنا. الصورة، المتأرجحة بين التشابه والاختلاف، بين التمثيل والواقع الجديد، تُشكل وجودنا في العالم بشكل أعمق مما نتصور. يُعلّمنا المسرح أن التمييز بين الحياة الواقعية والخيال هو في حد ذاته وهم، فالثقافة ليست منفصلة عن الحياة، بل تُشكل وسيلة راقية لفهمها وتجربتها. من هذا المنظور، يصبح الفنان "كائناً كاتباً" تقوم كلماته بتحويل الواقع، ولا ينشأ الابتكار من البراعة التقنية (علماً أنها حاضرة في أعمال الروّاس)، بل من الحضور الفريد الذي يبتكر استخدامات جديدة، وطرقاً جديدة لرؤية العالم.
يُطمس فن التركيب الذي يعتمده الروّاس الحدود باستخدام العناصر والأشياء من أجل خلق تجارب ديناميكية، متعددة الحواس، تُثير الفكر والعاطفة والحوار الاجتماعي. وعلى عكس اللوحات أو المنحوتات ذات الموضوع الواحد، تحوّل أعمال الفنان دور الجمهور من مُشاهد سلبي إلى مُشارك فاعل، وغالبًا ما يدعو هذا المشاهد للتفاعل مع العمل، أو حتى الدخول إليه فعليًا. وبفضل تحرره من قيود الوسائط التقليدية، يُتيح هذا الفن نطاقًا أوسع من الأدوات للتعبير عن أفكار مُعقدة، سواء أكانت قضايا ثقافية واجتماعية أم استكشافات ميتافيزيقية. ومن خلال تجاور الصور والأغراض والمراجع البصرية المختلفة، التي يتم التعامل معها ضمن نظام هندسي دقيق، يقدّم الروّاس أعمالًا تنطلق من هواجسه وأسئلته الخاصة، لكنها تسعى أيضاً إلى زعزعة طرق التلقي المعتادة، ودفع المشاهد إلى إعادة النظر في علاقته بالصورة والمعنى. هذا الأمر يستقيه الفنان من فن التركيب، متعدد الوسائط، وهذا النهج المُبتكر هو أحد أشكال التعبير الفني المعاصر تنوعًا وجاذبية، ويعكس تطوّره التغيرات الحاصلة في المجتمع والتكنولوجيا وفهمنا للفضاء والإدراك، كما يشكّل مستوى جديدًا من التفاعل، مُتحديًا المعايير التقليدية، ويطرح مسألة ما يُمكن أن يكون عليه الفن وكيف ينبغي أن تُختبر تجاربنا.
يرتكز المفهوم الجمالي لهذا الفن على خلق تجارب غامرة، متعددة الرموز، تُشرك المشاهدين على المستويات الجسدية والعاطفية والفكرية. وغالبًا ما يستخدم الروّاس مواداً وتقنيات وتصاميم غير تقليدية ومُصممة خصيصًا لتحويل المساحات إلى بيئات تفاعلية. وعلى عكس الأشكال الفنية التقليدية، يُعطي هذا الأسلوب الأولوية لعلاقة المشاهد بالمكان، مُشجعًا على المشاركة الفعّالة والتفسير الشخصي، من خلال دمج العناصر بما يشبه السرد التجريبي بدلًا من التمثيل البصري الثابت.
في هذه السلسلة الأخيرة، التي يعرضها الفنان، يشكّل جزء وازن منها تعليقًا مباشرًا على ثقافة لبنان أو منطقة بلاد الشام عمومًا. تشمل المواضوعات آثار الحرب، وانفجار مرفأ بيروت، العام 2001، وبناء منازل فاخرة في الريف اللبناني، فضلًا عن تاريخ أوسع للإعلام والثقافة. أما أعمال أخرى، مثل "سيزيف صائد أشباح"، و"أرتميس جنتيلسكي في مرسمها"، و"أرتميس والجني"، فتتخذ منظورًا مختلفًا، إذ تتناول عالم الفن والمتاحف ولحظات شخصية على ما يبدو، وتحمل جميعها في طياتها روحًا من تلاعب الأتاري. كما يربط كل عمل فني بين خيوط تاريخية تبدو متباينة، ويضم كل منها مزيجًا من الأشكال الفنية والتاريخ وأنواع الفن والحياة. إلى ذلك، يتضمن العديد من الأعمال تمثيلات للوحات الفنان نفسه، مطبوعة بتقنية جيكلي، أو لوحات لفنانين آخرين، يرسمها بنفسه بالألوان الزيتية. ويحتوي كل عمل تقريبًا على دمية واحدة أو أكثر، أو شخصيات تشبه الدمى، مأخوذة من مختلف الأنواع، من شخصيات الأنمي اليابانية إلى شخصيات فيلم فروزن من مارفل، وشخصيات بلاستيكية مجهولة المصدر، إلى بيتي بوب وكلبها.
وإذ يحوّل الفنان التركيز من التحليل الفرويدي، مسلطًا الضوء على الصعوبة البالغة في تحدي هذا المنظور الثقيل، وكيف يحدّد هذا النمط من التفكير حتى طريقة نظر المرء إلى أفكاره، ربما بشكل لا رجعة فيه، وربما غالبًا دون وعي. لذا فنحن مدعوون للنظر مجددًا إلى الدمى، إلى المعارك، إلى الفجوة بين الفن والحياة، بين الفكرة ورؤية ما يُزرع في أذهاننا، وإلى إمكانية اختزال ما نفكر فيه إلى قراءة واحدة أو أخرى. إنها حلقة مضطربة من الإحساس والشعور. عودة إلى الإحساس. توقف عن محاولة فهم الأمور. أفكارنا مشوّهة بالنسبة إلى محمد الروّاس، وعمله يحاول أن يُرينا كيف يحدث ذلك.
- يستمر المعرض حتى 26 حزيران/ يونيو لدى "غاليري صالح بركات" (شارع كليمنصو، بيروت).




