في أكثر من اطلالة إعلامية وثقافية، أثنى الشاعر السوري أدونيس على الدولة الأموية، واعتبرها في مكان ما، "دولة علمانية" أو دولة "غير دينية". ففي إحدى مقابلاته مع جريدة "السفير" المحتجبة قال: "لماذا لم يكن الخلفاء الأمويون مثل عبد الملك بن مروان الذي كان يستقبل شاعرًا مسيحيًا اسمه الأخطل وهو سكران ويقول له:
إذا ما نديمي علّني ثمّ علّني ثلاث زجاجات لهنّ هديرُ
خرجتُ أجرّ الذيل مني كأنني عليك أميرَ المؤمنين أميرُ
...وفي الوقت نفسه قتلوا عمر بن عبد العزيز لأنه كان منفتحاً!"
في جريدة "الأخبار" اللبنانية، قال أدونيس: "أحترم تجربة الدولة الأموية لسبب أساسي أول، هو أنّها لم تكن دولة دينية. والسبب الثاني أنها لم تقتل رعاياها الذين احتلّتهم، بل استحضرت كل كفاياتهم وصهرتها في بوتقتها"...وتنقل المصادر التاريخية أن المسيحيين ظلوا يشكلون الغالبية الديموغرافية الساحقة في سوريا (وبلاد الشام عموماً) طوال العصر الأموي. ورغم الفتح الإسلامي، لم تتغير التركيبة السكانية بسرعة، واستمر المجتمع السوري محافظاً على طابعه المسيحي السرياني والعربي.
وفي مؤتمر عقد في جنيف العام 2013 تحت عنوان "من أجل سوريا ديموقراطية ودولة مدنية"، ألقى أدونيس كلمة تحدث فيها عن سوريا بتركيبها البشري التعددي وإرثها الثقافي الغني، ومنجزاتها الحضارية على المستوى العالمي والكوني. وأشار إلى أن معاوية بن أبي سفيان، كان أول مَن بنى دولة عربية مدنية تقوم على الفصل بين الدين والدولة.
هذا الاستشهاد بمعاوية لفت نظر الصحافي جهاد الزين، وعلّق الكاتب علي حرب على كلامه في جريدة "البيان" قائلًا إنه ربما كان الدكتور محمد عابد الجابري هو أول من تحدث عن معاوية في ما يخص إشكالية الفصل بين الدين والدولة، كما شرح ذلك في كتابه "نقد العقل العربي". لقد ذهب الفيلسوف المغربي في قراءته لأقوال معاوية ولتجربته في الحكم، إلى أنه أحدث "قطيعة" مع حكم الخلفاء الراشدين، تجلت في الفصل بين الأمراء والعلماء، بين المُلك والشريعة، أي بين المجالين السياسي والديني. أضاف علي حرب: "ليس هذا فحسب، بل إن معاوية، وكما أقرأ بدوري تجربته، قطع مع النبوة نفسها، وهذا ما لم يشأ الجابري إثارته كي لا يدخل إلى المنطقة الحرجة والخطرة، مما جعله يستبعد في دراساته النقدية التطرق إلى المجال اللاهوتي".
أياً يكن، فالمهم أن معاوية، وكما بيّن الجابري نفسه، كان ذا منزع "ليبرالي نفعي". يشهد على ذلك حديثه إلى مُهنّئيه بعدما استتب له الأمر، ومطالبته بأن يحكم بسنّة الله ورسوله وبما قرره الخليفتان أبوبكر وعمر. لكن معاوية رفض الحكم بما سنّه الشيخان، أما الحكم بسنّة الله ورسوله، فهو، وإن لم ينفه مباشرة، فقد تجاوزه مداورة. ويؤكد ذلك ما ورد في حديثه المذكور: "فلتكن بيننا منفعة متبادلة ومواكلة حسنة ومشاربة جميلة". بهذا يتعدى الأمر مسألة الفصل بين الدين والدولة، نحو إقامة دولة غير دينية، على أساس ما يتعاقد عليه الحاكم والمحكوم".
لم يأخذ كلام أدونيس حول علمانية أو مَدَنية الدولة الأموية سجالاً كثيراً، على نحو ما فعلت قصيدته "تحية لثورة إيران"، حيث أبدى في بداياتها إعجاباً بالحدث واعتبره "ثورة تغيير"، وهو ما جلب له انتقادات حادة من مفكرين ومثقفين عرب وشعراء. ويمكن القول إن أدونيس في سجالاته، "مفرد بصيغة الجمع" (مثل عنوان كتابه). كتب قصائد لشكري القوتلي وأنطون سعادة وجمال عبد الناصر، وصار قومياً سورياً في بداياته، وحداثياً غربياً في زمن مجلة "شعر"، ويسارياً في زمن مجلة "مواقف"، واقترب من التطبيع في زمن مفاوضات مدريد للسلام، ودخل في مرحلة "هواجس الأقلية" في زمن الحرب السورية وأطلق عبارته الشهيرة حول أن الثورة "لا يمكنها أن تخرج من المسجد".
لا يمكن وضع أدونيس في قالب جاهز والتصويب عليه وذمّهز فهو يخطئ ويصيب، ينطلق في فكرة ليكون كونياً، ثم يطرح فكرة أخرى فتحسبه علوياً،. يطلق تصريحاً فتظنه مستشرقاً يرى الأمور بمنظار تعميمي سطحي، ويطلق تصريحاً آخر فتحسبه يرى الواقع بعين واحدة. هو مفتون بالسجال والسؤال والحضور الدائم.
بالعودة إلى موضوع مدنية الدولة الأموية، فإن الأب اليسوعي البلجيكي هنري لامنس، على الرغم من موقفه السلبي من الإسلام، كان يتعاطف مع الأمويين لما رأى فيهم من "تسامح دينيّ". الباحث وأستاذ اللاهوت السوري في جامعة بون الألمانية، جورج نجيب عوض، أصدر كتاب "المسيحية الأموية " حيث يتناول حياة المسيحيين والمسلمين واندماجهم في حضارة جامعة ألا وهي الحضارة الأموية، ويُبرز فكرة التعايش بينهما بعيداً من صراع الأديان. وأكد عوض أن المسيحيين كانوا مكوناً أصيلاً من مكونات الهوية الأموية، وجزءاً لا يتجزأ من "الإمبراطورية الأموية" (662 - 750م)، مشيراً إلى أن علاقة وثيقة كانت تربط خلفاء من بني أمية بأبناء المكوّن المسيحي. وتطرق عوض إلى يوحنا الدمشقي، الشخصية المحورية في الفكر اللاهوتي المسيحي والإسلامي على حدّ سواء، وهو لم يكن مجرد مسيحي يعيش في ظل الحكم الأموي، بل كان جزءاً لا يتجزأ من الهوية الثقافية والمعرفية الأموية أيضاً.
حتى الرسوم والزخارف والأشكال في قصور بني أمية تظهر مدنيتها وتعدديتها، إذ كسرت التابو من دون ضجيج.
باختصار، المراد من هذه العجالة، وهي حول موضوع يحتاج أكثر من كتاب، ليس الثناء على زمن غابر، بل القول إن بعض الفسابكة الآن، الذين يمجدون الزمن الأموي والأسلاف والسلف، يأخذون من الفترة الأموية الجانب السلبي الذي تمثل في فترة الصراع السياسي و"صراع الخلافة".




