ربيع 1907...جمعت الصدفة ثلاثة أشخاص على متن باخرة في طريقها من الإسكندرية إلى يافا: إيفان بونين (1870-1953) الكاتب الروسي الكبير الذي لم يكن قد نال جائز نوبل للأدب بعد، وزوجته فيرا مورومتسيفا (1881-1961)، وعازف البيانو دافيد شور (1867-1942). كان شور برفقة والده المسن، وكان بونين هائماً في رحلة برفقة زوجته فيرا التي أحبّ، جمعت بين شهر العسل والحج الروحي. لكن القدر كان قد خطط لأكثر من مجرد رحلة سياحية، إذ خطّ الكاتب مقالة أدبية خالدة حملت اسم "معبد الشمس" (1909)، بينما أدلى شور بشهادة تاريخية نادرة ظلت عقوداً طي النسيان.
هنا، نحاول إعادة بناء رحلة بونين من بيروت إلى بعلبك، استناداً نص بونين الأدبي نفسه من كتاب "ظل طائر"، ومذكرات زوجته فيرا التي حفظت التفاصيل اليومية الحميمة (حياة بونين – حوارات من الذاكرة، باريس: 1958)، ومذكرات دافيد شور التي تقدم رؤية مختلفة، أحياناً متناقضة مع رؤية بونين.
رحلة فلسطين وسوريا ومصر
وُلد إيفان ألكسييفيتش بونين عام 1870 في مدينة فورونيج على نهر الدون، لعائلة نبيلة روسية كانت قد أفلسَت. لم يُكمل تعليمه النظامي، لكنه قضى سنواته التكوينية في مكتبة والده الغنية، حيث التهم الأدب الروسي والعالمي. بدأ كشاعر، ثم تحول إلى النثر، واشتهر بقدرته الفائقة على وصف الطبيعة وتصوير أدق التفاصيل الحسية. عام 1907، كان بونين في السابعة والثلاثين من عمره، في قمة نضجه الأدبي، لكن لا تزال جائزة نوبل (1933) على بعد ربع قرن. كان والده أليكسي نيقولايفيتش يحتضر (توفي 1906)، فيما كان إيفان يمر بأزمة مالية ونفسية. آنذاك، خطرت له فكرة السفر إلى فلسطين وسوريا ومصر، علّه يجد ما يريح روحه.
وفي طريق العودة من مصر إلى روسيا، صادف أن ركب سفينة تحمل على متنها عازف البيانو دافيد شور. التعارف حصل على ظهر السفينة بطريقة غير متوقعة. كان دافيد سولومونوفيتش شور (1867-1942) عازف بيانو روسياً يهودياً، معروفاً في موسكو كعضو في "فرقة موسكو الثلاثية" الشهيرة (مع كراين وإرليخ). لكن حياته الشخصية كانت مضطربة. في مذكراته التي اكتُشفت ونشرتها الباحثة يوليا ماتفييفا عام 2001، يصف شور أزمته النفسية قبل الرحلة: "في منتصف نيسان/ أبريل 1907، ذهبتُ أنا وزوجتي لزيارة والديّ... للمرة الأولى في حياتي، غادرتُ عائلتي وأنا أشعر بقلق بالغ... شعرتُ بمعاناة زوجتي، ولم أستطع فعل شيء للتخفيف عنها. فقد عانيتُ أنا نفسي معاناةً لا تُطاق، وشعرت كأنني كائن عالقٌ في أعماق البحر، متروك لشأنه... كنتُ في حالة نفسية سيئة لدرجة أنني لم أكن لأُبالي لو غرقت السفينة. شعرتُ بالفراغ والوحدة". هذه الحالة النفسية الهشة ستجعل شور حساساً بشكل مفرط لكل ما يراه، وسيؤثر ذلك في كتابته للمذكرات. لكن اللافت أن شور، على عكس بونين، شعر في فلسطين وكأنه "عاد إلى الوطن": "مرّ سبعة عشر عامًا منذ أن زرت فلسطين، لكن جميع الانطباعات لا تزال حاضرة كما لو كانت بالأمس... شعرتُ وكأنني عدت إلى الوطن. كان كل شيء عزيزًا وقريبًا مني... شعرتُ هناك وكأنني في بيتي".
يصف شور لحظة التعارف بطريقة درامية طريفة. على متن السفينة المتجهة إلى يافا، بحث شور عن بيانو ليعزف عليه. وجد البيانو في مقصورة صغيرة قرب برج القبطان، لكنه كان مقفلاً. في القسطنطينية، وبمحض الصدفة، اشترى مفتاحاً. في السفينة الجديدة، جرب المفتاح ففتح البيانو. بدأ يعزف، وبعد خمس دقائق، شعر بوجود شخص يدخل. ظل يعزف وظهره للباب. بعد 20-30 دقيقة، نهض ليغادر، فاستوقفه الرجل: "أنت شور. أنا بونين". وهكذا تعارفا. لكن شور يضيف اعترافاً مهماً: "ثم سافرنا معًا، ولا أستطيع أن أقول إن صحبته كانت ممتعة. كان من الصعب عليّ بشكل خاص أن أشعر بمعاداة الصهاينة الظاهرة التي لا يمكن إنكارها لدى هذا الرجل المستنير. وأين؟ في فلسطين!". هذا التوتر بين بونين الروسي الأرستقراطي، والمسيحي الأرثوذكسي المناهض للصهيونية بشكل واضح وعلني، من جهة، وبين شور الموسيقي اليهودي الصهيوني، من جهة ثانية. وهذا التوتر سيرافق الرحلة كلها. لكن على المستوى الشخصي، يقر شور أن بونين، على الرغم من معاداته للصهيونية، لم يكن "قاسياً ووقحاً" كما كان قد حكم عليه مسبقاً.
"ظل طائر": الشرق كما رآه بونين
بعد عودته من الرحلة، كتب بونين سلسلة من "القصائد النثرية" والنصوص الأدبية التي جمعها في كتاب صدر بين 1907-1911 بعنوان "ظل طائر"، والعنوان مقتبس من المزامير: "كظل طائر تمرّ أيامنا على الأرض". ضم الكتاب نصوصاً خالدة مثل: "بحر الآلهة" عن البحر المتوسطكتبها عن رحلته، إلى جانب "معبد الشمس" عن بعلبك وسهل البقاع. وما يميز هذه النصوص هو مزجها الدقيق بين التوثيق الجغرافي والتاريخي والتأمل الفلسفي العميق. لم يكتب بونين كمسيحي متدين، ولا كسياحي عادي: هو يقف أمام المقدس كشاعر، يبحث عن "اللحن البدائي" الذي يربط الإنسان بالسماء.
صباح 18 أيار/ مايو 1907، استقل الثلاثي (بونين، فيرا، شور) القطار من بيروت إلى بعلبك. يصف شور الحالة النفسية للرحلة بإيجاز، بينما تسجل فيرا التفاصيل بدقة: "الطريق بين بيروت وبعلبك جميل ومتنوع: أولاً البحر، ثم حدائق متواصلة، فلل مغمورة بالزهور، ثم نصعد عبر طريق متعرج يبدو من مسافة وكأنه مسنن... نسافر في الدرجة الثالثة. في الشرق نسافر دائماً بالدرجة الثالثة، فهنا يمكننا عادةً مشاهدة أشياء مثيرة من الحياة المحلية، نتمعن في الوجوه والعادات".
أما بونين، فيقول في نصّه: "غادرنا بيروت باكراً. بعد ساعة كان القطار قد بلغ الحدث. وبعد الحدث، تسارع إيقاعه، ليصبح إيقاعاً جبلياً متصاعداً... من وراء البساتين المزهرة، ومن وراء الرمان والتوت والسرو والورد والياسمين البري، تلألأ البحر بلونه الأزرق الضبابي عدة مرات".
كلما زاد الارتفاع، برد الجو. في مرحلة ما، توقف القطار لالتقاط الأنفاس، وظهرت أمامهم قمة جبل صنين المغطاة بالثلوج، يضيف: "قرب الجمهور، وقفت القاطرة عند صعود نحو الحفرة... وخلف الجبال عن يميني، رأيت فجأة قريباً منها قمة صنّين الفضية المسودة. كانت تفوح رائحة الثلج، لكن جدار المحطة الصغير الرمادي الحجري كان مغطى بالأقحوان المتفتح القرمزي الزاهي". وعند ممر ضهر البيدر، على ارتفاع خمسة آلاف قدم، كتب بونين: "هنا برودة جبلية حقيقية... بعد الممر — نفق كبير. خلفه وادٍ شاسع فيه الكثير من الأراضي المحروثة. نحن الآن بين أعلى لبنان الغربي ونطلّ على لبنان الشرقي".
وها هو الكاتب في السهل المبارك: "التربة هنا محمرة، مع زراعات متفرقة. ليس عبثاً أن توجد أساطير تقول إن الجنة كانت هنا بالذات، ها هو الطين نفسه الذي خلق الله منه آدم". ويظهر المشهد الذي سيغير بونين: "فجأة، أضاءت العربة الشمس إشراقةً. ورأيت من بعيد شيئاً مذهلاً: واحة خضراء كثيفة من بساتين وحور تمتد وسط الوادي وتحيط بآثار صفر وبيض لقلعة ما، ضخمة جداً لدرجة أن البساتين بدت تحتها كشجيرات، وفوقها ستة عمالقة من الرخام، وكأنهم معلقون في الهواء".
بعلبك: ليل وشعر
ما أن وصل المسافرون إلى بعلبك، حتى انطلقت عاصفة رعدية من جبال لبنان. يصف بونين ذلك بأسلوب مسرحي تقريباً: "بالكاد تمكنا من القفز إلى فندق بارد وفارغ على تل حجري بالقرب منها، حين اختلط كل شيء في طوفان غزير مخلوط بالبَرَد. كان البرد يقصف النوافذ التي تشوشت رؤيتها، ويطير ويقفز على الأرض. كان بعل، من وراء عُلُوّ السحاب، يرمي بجلال رنيناً وقصفاً في الجبال التي كانت تردده بكآبة، مما جعل البروق البنفسجية تندفع خائفة". لكن سرعان ما انقشعت العاصفة، وخرج بونين إلى الشرفة. شاهد أعمدة المعبد الكبير الستة، وخطوط الثلج على لبنان كأنها "طاليث" (رداء الصلاة من العهد القديم) أبيض بخطوط سود.
يجول الكاتب بين أنقاض "معبد الشمس"، يقول: "السماء تشحب، والشمس المنخفضة تذهّب كل شيء... جلست وسط الفناء على حجر. كان صمتاً مطبقاً. كانت تتناثر حولي بلا نهاية أجزاء من جذوع أعمدة، ككائنات حجرية مرعبة". ويلحظ الفرق بين معبد الشمس (جوبيتر) والمعبد الصغير (باخوس): "الأعمدة الستة... الأمر فقط أن أعمدة معبد الشمس لا تضيق في الأعلى. لكن كم يبعد هذا في أعماق القرون... الأعمدة ذات السُمك الموحّد من الأسفل إلى الأعلى تعود إلى عصر أقدم من العصر الكلاسيكي اليوناني، عصر "السلف البدائي" الذي كان يبني لعبادة إله واحد (بعل الشمس) قبل أن تتعدد الآلهة وتتشظى". وعن الجدران، يضيف: "تحتي سور بناه أبناء الشمس. سور ستبقى حجارته هنا بلا حراك حتى نهاية العالم".
بعد العشاء، عزف شور مقطوعة لبيتهوفن على البيانو. ثم خرجوا في نزهة تحت ضوء الهلال. تقول فيرا: "خرجنا نتمشى، وكان الهلال مرتفعاً فوق الأنقاض يغمرها بنوره الساحر. هنا بدأ يان (إيفان) فجأة يقرأ شعراً. قرأ (قصائده الشرقية) بصوت خاص، لم أسمع مثل قراءته من قبل، ولا أظنني سمعتها بعد ذلك".
هذه اللحظة بالذات هي مفتاح تجربة بونين في بعلبك: اللحن الذي يربط بين بعل (الإله الكنعاني)، وموسيقى شور الكلاسيكية (بيتهوفن)، وشعر بونين الذي يولد للتو، تحت أنقاض تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد.
في اليوم التالي (19 أيار/ مايو 1907)، كتب بونين قصيدته الخالدة "معبد الشمس":
ستة أعمدةٍ من رخامٍ مُذهَّبِ،
ووادٍ أخضرُ لا حدود له،
ولبنانُ المكلل بالثلجِ والسماء الزرقاء.
كنت قد رأيتُ النيلَ، رأيتُ أبا الهولِ العجيبَ،
ورأيتُ الأهرامَ: لكنّكِ أقوى (يا بعلبك)،
وأجملُ، أيتها الخرابةُ الهائلة.
هناك كُتلٌ من الصخور الرماديّة المصفرّة،
قبورٌ منسيّةٌ في محيطٍ من رمالٍ عاريةٍ.
أما هنا ففرحةُ الأيّامِ الفتيّةِ:
أنسجة بطريركيّةٌ ملكوتيّةٌ،
وصفوفٌ طوليّةٌ من ثلوجٍ وصخورٍ.
تتمددُ كرداء صلاة مُبَقَّعٍ على لبنانَ،
على الجبال الجبّارة.
تحتها المراعي والبساتينُ الخضر
وصخبُ ماءٍ سريعٍ زبرجديّ،
شهيٌّ كنسيمِ الجبالِ. فيهِ الشفاء.
تحتها موقفُ البدويِّ الأوّلِ.
منسِيّةً خاويةً مَهجورةً،
لكن رواقها يُضيءُ بشمسٍ لا تغيب.
بوّابتاه مشرّعتان على عالمٍ مسحور.
***
عندما نقرأ "معبد الشمس" اليوم، نشعر وكأننا نسمع صدىً أصواتهم: صوت بونين الشاعر الذي يبحث عن المطلق تحت أنقاض هياكل بعلبك، وصوت شور الموسيقي الذي يبحث عن الجذور، وصوت فيرا الصامتة التي اختارت أن تكون شاهدة، لا بطلة. ربما كان بونين محقاً في شعوره بأن بعلبك ليست مجرد أطلال، بل هي بوابة إلى عالم آخر. الأعمدة الستة وبعلبك الصامدة، كما قال: "ستبقى حجارتها هنا بلا حراك حتى نهاية العالم". وكل من يقرأ نصه الأدبي و قصيدته ينضمّ، ولو لدقائق، إلى "ورثة أيام المجد".




