هويّات السوريين المزدوجة المعذِّبة...في البلاد والمَهاجر

محمد أبي سمراالثلاثاء 2026/05/26
20150321094058anapicp-aa_picture_20150321_4842819_high.h.jpg
كانوا يعرِفون أنفسهم تعريفًا جغرافياً، ربما تجنباً منهم للإفصاح عن هويتهم الكردية
حجم الخط
مشاركة عبر

علي جازو شاعر وكاتب سوري كردي. ولد في العام 1975 بعامودا في أقصى شمال شرق سوريا. في دمشق أقام ودرس الحقوق في جامعتها، ثم أُُرغم على مغادرة بلاده إلى بيروت في العام 2014، ليهجرها إلى ألمانيا في العام 2018، ويقيم في برلين. لا ينقطع جازو عن زيارة بيروت. وهو زارها بعد صدور مجموعتيه القصصيتين "قصص في حجم حبة كرز" و"تبغ الفجر" في نهاية العام المنصرم (2025)، فأجرت معه "المدن" حديثًا عن الكتابة والهجرة، والحَبْسة الكتابية التي أصابته سنوات في برلين، وعن أحوال الكرد السوريين في سوريا والمهاجر، وأثر كتاباتهم في اللغة العربية. وبعد حلقة أولى عما استدخله الكّتاب الكرد في العربية، هذه حلقة ثانية عن تنازع الهويات الثقافية وعذابات ازدواجها في سوريا. وهنا نصُّ إجاباته متوالية بلسانه...

طلاب مدرسة بمدينة الحسكة، 10 أكتوبر 2018 (أيهم المحمد/فرانس برس)
طلاب مدرسة بمدينة الحسكة، 10 أكتوبر 2018 (أيهم المحمد/فرانس برس)

الهويات صنيعة الاختلاط؟

في طفولتي أواخر سبعينات القرن الماضي، لم أكن أعي أنني كردي إلا حينما كان ينبهني إلى ذك أحد ما، ليس من بيئتي العائلية والأهلية التي ولدتُ ونشأت فيها. وأظن أن الأطفال على وجه الإجمال والعموم لا يدركون ولا يعون ولا يعنيهم انتسابهم إلى هويات جامعة، قومية أو إثنية أو دينية، طالما هم يعيشون بين أهلهم وفي بيئاتهم الأهلية أو النسبيّة. أما تعرُّفهم على ذواتهم كمنتمين إلى هويات وتعريفهم أنفسهم بها، فأظن أنه بلي احتكاكهم بآخرين ينتمون إلى جماعات من هويات أخرى، ومخالطتهم إياهم.

 

هذا ما حصل لي بعدما كبرتُ في السن: صرت أنتبه إلى أن الكرد يعرّفون أنفسهم بهويتهم، ويتزايد شعورهم بها. لكن عندما يعرّفهم آخرون ويذكرونهم بتلك الهوية. وكان يحدث ذلك في دمشق وحلب وسواهما من المدن السورية، حيث يتخالط أصحاب الهويات المتباينة ويتعارفون، فيتبادلون السؤال عن منابتهم وأصولهم، ويسأل أحدهم الآخر، مباشرة بعد تعرّفه على اسمه: من أين أنت؟ 

 

غالبًا ما كان الكرد يقولون في هذه الحالات إنهم من الجزيرة. أي موطنهم الذي يتكاثرون فيه في البلاد السورية بين الفرات ودجلة. وهم كانوا يعرِّفون أنفسهم تعريفًا جغرافيًا، ربما تجنبًا منهم للإفصاح عن هويتهم الكردية التي كانوا يدركون أن الإعلان عنها ليس مرغوبًا، وقد يثير تحفظ الآخرين الذين غالبًا ما كانوا يبادرونهم بالقول: أنتم آكراد، إذًا. وماذا كان يمكن للكردي أن يقول في هذه الحال سوى: نعم كردي.

لافتات "حياة، امرأة، حرية"، خلال وقفة احتجاجية في القامشلي، شباط 2026، للمطالبة بحماية مكاسب الحركة النسائية تحت شعار "النساء يحمين ثورة روجافا".
لافتات "حياة، امرأة، حرية"، خلال وقفة احتجاجية في القامشلي، شباط 2026، للمطالبة بحماية مكاسب الحركة النسائية تحت شعار "النساء يحمين ثورة روجافا" (غيتي)

سوريا العروبة والبعث والأسد

قبل الثورة السورية على نظام حافظ وبشار الأسد في العام 2011، ومنذ نشأة الدولة السورية في العام 1920، كان انتساب الكرد وسواهم من الجماعات السورية إلى سوريا الموحدة، معطىً طبيعيًا يشبه القدر، ويندغم على نحو قدري أيضًا بالعروبة التي يقال إن دمشق قلبها النابض. 

 

وكانت الهوية السورية وقرينتها العربية ثوبًا فضفاضًا واسعًا يغلّف سائر هويات الجماعات في سوريا التي ضمها وشملها ذاك الثوب وضُويت فيه. لكن الجماعات السورية لم تكن تفصح عن هوياتها الخاصة وتعبر عنها في الفضاءات العامة أو العلانية العامة، التي سيطرت عليها سلطة الدولة الواحدة الموحدة. 

 

ثم هامت الغابية السورية وألحقت بلادها لسنوات قليلة بالعروبة الناصرية، لتسارع العروبة البعثية السورية إلى فصلها عنها. وتحت سلطة البعث السوري تضاعف "كتمان" الجماعات السورية و"تكاتمها" هوياتها الخاصة،  تحت عنوان "الحزب الواحد القائد للدولة والمجتمع". أي حزب "البعث العربي الإشتراكي"، المفترض أن تذوب الجماعات السورية كلها فيه. ثم انحصرت السلطة في نسختها البعثية الأخيرة بالجماعة الأسدية التي كانت سيطرتها على الحياة العامة في سوريا "غامضة"، حسب عنوان كتاب الباحثة الأميركية ليزا ويدين عن "السياسة والخطاب والرموز" في ديكتاتورية الأسد السورية.

 

وبيّنت ويدين في بحثها أن تلك السيطرة الأمنية الساحقة، روّضت السوريين بالاعتقالات والسجون، فأدمنوا العيش في الصمت والخرس والكتمان في الفضاءات العامة التي خصصتها السلطات لعبادة الشخص الواحد، "الأب والأخ والرفيق القائد"، بعدما ملأتها بكلماته وأنصابه وتماثيله وصوره الجدارية. وفي هذه الحال كان على السوريين، جماعاتٍ وأفرادًا، أن يسيروا في الشوارع والساحات وسائر الأماكن العامة كاتمين كلماتهم، انتماءاتهم وهوياتهم، وذائبين في "قائد الأمة" مرددين في حشودهم القسرية شعاراته وكلماته.

 

سوريا ما بعد الأسد

اليوم، ما بعد الأسد و"أبده"، وبعدما مزقت حروب أهلية دموية ذاك الثوب أو الغلاف الفضفاض الذي كان يغلّف انتماءات وهويات كانت "السيطرة الغامضة" تكتمها بالقمع، فتضاعف احتقانها... يبدو لي أن التمايز بين الجماعات السورية ثقافي أكثر منه قوميًا ودينيًا وطائفيًا. وأعني بهذا أن المشكلة السورية الراهنة تتعلق بأنماط العيش والعادات والتقاليد وأحكام السلوك في الحياة العامة. 

 

وفي هذا السياق، أشير أولًا إلى أنني ضد كل تصلّب قومي كردي، بقدر ما أنا ضد فرض قواعد وأحكام دينية عامة، صارمة ومتزمتة، على السوريين جماعات وأفرادًا. هذا فيما تتخذ التمايزات والاضطرابات أشكال صراعات قومية (كردٌ وعرب) وطائفية (سنيّة، علوية، درزية)، وبعدما صار لكل من هذه الجماعات ميليشيا تمثلها وتقاتل باسمها. لكن جذر المشكلة يتمثل اليوم بعدم قبول القوى التي تمثل الأكثرية بأنماط عيش وسلوك وعادات وتقاليد متعددة، لا ضرورة لتوحيدها في نمط واحد موحد. والقوى المتصارعة غالبًا ما تُصرُّ على إضفاء طابع سياسي على التمايزات الثقافية وتغلّفها بشعارات سياسية حاسمة وقاطعة.

 

في منطق الحياة اليومية، بعاداتها وتقاليدها ولغاتها ولهجاتها وثقافاتها، أليس جميلًا ومفيدًا، ويشكل مصدر غنىً وحرية، أن يكون المرء سوريًا وكرديًا في وقت واحد؟ ما الضير في هذا الازدواج وأمثاله الأخرى؟ فأن أكون كرديًا فقط يعني أنني فقير لغويًا وثقافيًا ومعرفيًا. ذلك لأن منطق التنوع والتخالط والتهجين الثقافي، الاجتماعي واللغوي، يُغني ويضاعف الحرية ومساحات التواصل والتثاقف، بدل الضيق والاختناق في الواحد نفسه المنغلق على ذاته.

عيد النوروز على تلة أوركيش في ريف عامودا، شمال شرقي سوريا، آذار 2026 (غيتي)
عيد النوروز على تلة أوركيش في ريف عامودا، شمال شرقي سوريا، آذار 2026 (غيتي)

الهويات وثقافاتها ليست جريمة

طبعًا هذه أمنية في أحوالنا السورية الراهنة وفي المحيط العربي الراهن، ما دام الواقع يطالعنا في كل يوم أنه غير ذلك تمامًا، ويحطّم أو يطحن مثل هذه الأمنيات. وهذا مؤسف ويبعث الأسى حقًا. في الواقع أنا أعيش اليوم ما أسميه تنازع القوانين والأحكام والمعايير، لا تنازع الهويات. ويمكن تلخيص هذا التنازع في السؤال التالي: وفق أية قوانين وأحكام أحاسب على سلوكي وأفعالي، من دون أي احتساب لهويتي وانتمائي في ما أحاسبُ عليه. أرى أن الهوية والانتماء متغيران ومتحولان، حسب الظروف والأوضاع والأوقات والأماكن، ولو على نحو بطيء وشديد البطء. وقد يكونان مزدوجين ومتنوعي المصادر، وربما متنازعان، ويعود للشخص الفرد وحده تدبّر تنازعهما.

يمكن أن أضرب مثلًا على ذلك: وفق أي قانون وأحكام يحاسبُ شخص كردي سوري يحمل الجنسية الألمانية، وارتكب جريمة في بيروت؟

 

في هذه الحال هو أن لا علاقة للهوية الكردية والسورية، وما يترتب عليهما من أعراف وتقاليد وعادات ثقافية، بالقانون الذي يُحاكم على أساسه الشخص الذي ارتكب الجريمة، ولا بالعقاب الذي يتلقاه على جريمته. وهذا على الرغم من أن الأعراف والتقاليد والعادات قد تكون من دوافع الجريمة التي تتدخل في الحكم على مرتكبها قوانينُ البلد الذي يحاكمُ فيه. في سوريا تبدو الهوية الكردية مدار اتهام، أو هي تهمة تؤدي إلى محاسبة المنتمي إليها، كأنه ارتكب جريمة تستوجب العقاب. وإذا كان المرء ليس ضد العقاب مبدئيًا، فمن حقه أن يعلم ما هي جريمته ووفق أية قوانين يحاكم ويحاسب؟

 

التنوع لا يُساس بالحديد والنار

في سوريا ما بعد الأسد، تعيش الجماعات السورية في حال تنازع ونزاع، فيحاسب هذا السوري أو ذاك، يُعتدي عليه ويتعذّب، بسبب أفكاره وأوهامه وأحلامه وعاداته وتقاليده وموروثاته الثقافية. والتنازع والنزاع والتعديات والعذابات الناجمة عن تعدّد الأفكار والأحلام والأوهام والثقافات والموروثات وتبايناتها، أُرجّح أنها من إرث أنظمة سابقة ومكبوتاتها وقمعها المديدين.

 

أما بعد زوال نظام الأسد، فقد تحررت هويات الجماعات الثقافية وموروثاتها، وأصبحت في حال من السيولة في العلانية العامة الاجتماعية والسياسية. وهذا يتطلب إرادة سياسية متفتحة ومنفتحة لدى الجماعات السورية، لتدبُّر التعدد الثقافي والسياسي وإدارته على نحو مركب ومتماسك، يحول دون الاحتراب الأهلي. لكنني أظن أن الجماعات السورية كلها لا تزال تفتقد الثقافة والإرادة اللتين تمكنانها من إدارة مركبة ومتماسكة للتنوع السوري، على الرغم من زوال الحواجز والسدود التي كان قد كرّسها نظام الأسد بين الجماعات السورية بالحديد والنار.

طفل كردي يحتفل بأول عيد نيروز بعد سقوط نظام الأسد (Getty/
طفل كردي يحتفل بأول عيد نوروز بعد سقوط نظام الأسد (Getty/

لذا تستمر حياة  السوريين اليوم في حال من مآسٍ وعذابات شبيهة بقدَر لا رادّ له، إلا إذا اكتشفوا ذاك الوازع الذي ينبّههم إلى أن تنوع موروثاتهم الثقافية والاجتماعية مصدر غنىً لجميعهم ولكل جماعة منهم. لكن هذا ما زال حلمًا بعيد المنال، وأدت استحالته سابقًا ولا تزال تؤدي راهنًا -ولو أقل من السابق -إلى هجرات فئات من الجماعات السورية إلى خارج سوريا، طلبًا لحلم الأمن والأمان والحرية والعيش الكريم، بعيدًا عن العذاب والعقاب اللذين تنزله هذه الجماعة السورية بتلك، مدفوعةً بتباينات هوياتها الثقافية.

 

التذرُّر والغربة يمنعان تنابذ الهويات؟

اليوم، يبدو لي أن الجماعات في سوريا تعيش هوياتها وموروثاتها الثقافية المتباينة كأنها عقاب تدفعه كل جماعة عنها بمعاقبة الأخرى أو الأخريات. وهذا ما يطمح السوريون الذين يهاجرون من بلادهم، إلى الخلاص أو التحرر منه. أي من تنابذ الهويات، ومن دوافع تبادل العنف والعقاب على أسس هوياتية.

 

والأرجح أن الهجرة نفسها التي تنتزعهم أو تقتلعهم من ديارهم ومن أثقال الجماعات وتنابذ الهويات فيها، لترميهم في بلاد غريبة، بلاد الهويات الكثيرة المتنوعة والحريات الفردية وقوة القانون وسيادته على الجميع مهما تباينت هويات الجماعات والأفراد -الأرجح أن هذا كله عامل أساسي فاعل في ذينك الخلاص والتحرر، أو الطموح إليهما.

 

وقد يكون المهاجرون مرغمين على ذلك في البلاد الغريبة والجديدة التي يحلّون فيها. وذلك بسبب انفكاك لحماتهم، تذررهم أو انتشارهم في تلك البلاد. ومهما حاولوا بعث تلك اللحمات، استئنافها وتجديدها، تمتنع عليهم ممارسة العنف بناءً على تباين الهويات، لأن بلادهم الجديدة تتشدد قوانينها وأعرافها وثقافاتها في منع التمييز والعنف بين جماعاتها، بناءً على تنوع الهويات وتباينها. وهذا أقله على الصعيد القانوني والدستوري، وعلى الرغم من التهاون والتمييز في تطبيق القوانين وإنفاذها في بعض أو كثير من الحالات، الوضعية أو الموضعية التي يرفعها مهاجرون كثيرون إلى مرتبة عامة وشبه وجودية، بناءً على هواجس ومعطيات شديدة التعقيد والالتباسات، حسب مصادرهم وهوياتهم وثقافاتهم وتواريخ العلاقات بين بلدانهم الأصلية والبلدان الجديدة التي حلوا فيها، ووعيهم وتصوراتهم لتلك العلاقات.

 

وصمةُ ازدواج الهوية

قد يعيش المرء في ألمانيا مثلًا -وهذه حالي أنا الكردي السوري- من دون أن تكون أفكاره وهواجسه وأحلامه وأوهامه ومخيلته وأحيانًا لغته ألمانية، أي أن هذه كلها في مكان آخر خارج ألمانيا التي لا يحاسبه أحدٌ فيها على ذلك، حتى في حال مخالفته القوانين الألمانية.

 

نعم تتفاقم في أوروبا كلها تقريبًا العنصرية ضد المهاجرين الذين يشكلون مسألة أساسية ساخنة في الحياة السياسية الأوروبية. لكن قوة القوانين في هذه الدول، لا تزال تشكل عاصمًا من انفلات محاسبة الناس على ازدواج هوياتهم الثقافية. وهذا على خلاف ما هي عليه الحال في سوريا ولبنان وبلدان عربية أخرى، حيث غالبًا ما يحاسب المرء، يُعاقب ويتعذب، حينما يعيش مثل هذا الازدواج، ويُطالب بأن يتخلى عن ازدواجه، ويذوب مختنقًا أو محتقنًا بهوية واحدة ثابتة، تامة ومكتملة قبل ولادته.

 

والمطالبة هذه جذرية وقاسية. فهي تَصِمُ المزدوج بالمروق والفصام، كأنها حين تسأله: من أنت ومن تون؟ تنزل به عقابًا رمزيًا ومعنويًا، غالبًا ما يتحول إلى عنف مادي. وسؤال المرء عن هويته في هذه الحال يشبه سؤاله: أرجلٌ أنت أم امرأة؟! في بلاد النفور من ازدواج الهويات على هذا النحو، يعيش الأفراد في متاهة كافكاوية، أو مثل أبطال كافكا الذين يشعرون أنهم لم يفعلوا شيئًا، فيما هم يُتهمون ويعاقبون من دون أن يعلموا ما هي فعلتهم ولماذا يعاقبون. لذا يروحون يبحثون عن جُحرٍ لأمنهم وأمانهم في ديارهم أو في بلاد غريبة. وفي سوريا اليوم، ربما يشعر الكرد أنهم مطالبون بنبذ ازدواج هويتهم، وإلا عليهم أن يعيشوا كأنهم مطرودون من الجنة.

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث